ذاكرة وطقوس إعداد "الأتاي" بمدينة شفشاون .. احتساء وانتماء وانتشاء

ذاكرة وطقوس إعداد "الأتاي" بمدينة شفشاون .. احتساء وانتماء وانتشاء
صور: هسبريس
السبت 20 دجنبر 2025 - 00:00

عُرف الشاي (الأتاي) في شفشاون قبل القرن العشرين، وكان لا تظفر به إلا النخبة والطبقة الميسورة من الشفشاونيّين، الذين كان معظمهم لا يتوفّر على الإمكانيات المادية التي تخول اقتناء هذه المادة، بالإضافة إلى أن القوافل التجارية التي كانت تجلب الشاي من مدينة طنجة حيث المرفأ المغربي المطل على البوغاز، كانت تتعرض أحيانا لعمليات السلب من قبل قطاع الطرق في زمن “السيبة”.

وبحسب من جالسناهم من “ذواكر” المدينة ورجالاتها، كانت أيضا تلك القوافل في بعض الأحيان تجلب مادة الشاي من مدينة فاس، فكانت تتعرض بدورها لهجومات مماثلة. وكان “الأتاي” هو الاسم الشائع الذي تتداوله الألسن وتسير بذكره الركبان، كما كانت الأعراس والمناسبات الاجتماعية تشكّل فرحة بالنسبة للطبقات الفقيرة لاحتساء كؤوس الشاي، حيث كان يقدم لهم بوفرة مع غيرهم من الضيوف، دون تمييز بينهم في مراتبهم الاجتماعية والمهنية.

تجدر الإشارة إلى أن الزوايا كانت تقوم مقام المؤسسات العصرية المعنية بالمواساة والأعمال الخيرية. وهكذا، ففي رحاب زوايا المدينة أثناء الأعياد الدينية، كان العديد من الفقراء والمنتمين إلى الطبقات الوسطى يجدون مبتغاهم في احتساء الشاي مع تناول حلوى معروفة كـ”الغْريبيّة”، وكان هناك ما يسمّى “الفْقاقصْ”، وغيرهما من أنواع الحلويات الشفشاونية.

وكان الوليّ الصالح مولاي علي شقور ممّن يفتح بيته الذي يعد زاوية كل يوم خميس وسبت لاستقبال الرواد والزائرين والمريدين والمحبّين، فكان ينفق عليهم الطعام والشراب، وذلك من مداخيل الجبايات التي خصه بها السلطان الحسن الأول؛ إذ كان هذا الوليّ الصالح يجد الأنس والسرور والفرح عندما يوزع بعض أنواع الطعام وأكواب الشاي على المتحلقين من حوله، وأسماعهم تتشنّف بأصوات الآلات الموسيقية للطرب الصوفي الذي كان يمد الشيخ عازفيها ببعض قصائده الملحونة.

أما السكر فلم يكن إلا ذلك السكر الطبيعي الأسود الذي لم تنافسه قوالب السكر البيضاء التي لم تظهر إلا بعد دخول الاحتلال الاسباني. ولم يكن كذلك مولاي علي شقور يقتصر على النعناع في إعداد أباريق الشاي، ولكن يضيف إليه أنواعا أخرى من الأعشاب الطبية المفيدة؛ إذ الرجل كان صيدلانيا ماهرا وطبيبا حاذقا بالتجارب التي مر بها في صباه وشبابه وكهولته ثم شيخوخته، فكانت له دراية بمنافع تلك النباتات التي كانت تغطي فضاءات شاسعة من حقول المدينة وأحوازها.

وبعد نكبة الحماية الأجنبية وانفتاح مدينة شفشاون على الأسواق الخارجية وتعبيد الطرق وإحداث الموانئ العصرية والمطارات بالمدن القريبة من شفشاون، وصلت إلى المدينة فئة من التجار الهنود وأخرى من التجار الإسبان، بالإضافة إلى بعض المغاربة الذين أتيحت لهم فرصة الاتجار بالمواد الاستهلاكية الجديدة. ومن هنا جلبت للمدينة قوالب السكر الأبيض وكميات من السكر المدقوق، كما جلبت علب الشاي المحفوظ في الأوعية المكتوب عليها. فصارت عادة احتساء الشاي تنتشر شيئا فشيئا خاصة بعد إحداث المقاهي الجديدة وظهور النوادي العصرية، حيث توسّعت الرقعة بمجالس الشاي العمومية وكذا الخصوصية في المنازل.

لقد كان دكان العربي بن شدغان فوق باب الحمار بحي السويقة نموذجا من تلك المقاهي التي كانت تمثل صورة من أماكن المتعة والترفيه للسكان، سواء في سنوات الاستعمار أو قبله. وعاشت هذه المقاهي المرحلة الانتقالية ببطء إلى حالات تطوير “الصينيات” و”أكواب” و”مجامير” الشاي المعد بالطرق الشفشاونية الأصيلة.

كما أن مقهى “التْريبْعة” بحي السويقة شهدت أيضا بفضائها التقليدي على الأحاديث والدردشات وتبادل النكت مع ارتشاف الأكواب المنعنعة من الشّاي، انتقالا إلى الطور الجديد في جلسات على صينيات وأكواب زجاجية مجلوبة من المتاجر الجديدة.

طقوس شرب الشاي عند النساء

بالنسبة للنساء فقد كانت طقوس شرب الشاي عندهن تتخللها بعض المواويل والأغاني الخفيفة تشنّف أسماع الحاضرات أيام الربيع، وذلك في جولات منظمة تقوم بها السيدات والأوانس إلى العرصات والرياض الخُضر، حيث زقزقات الطيور وخرير المياه وثمار دانيات، وظل ذلك الطقس لا يكتمل في الفسحات إلا بما لذّ وطاب من الأطباق الشهية التي تتخللها الأكواب الممتلئة بالشاي المُعد على الفحم، تطهى به الأطعمة وتُغلى به المياه، وأحيانا كانت تدخل ضمن تركيبة إعداد الشاي أنواع من الزّهر ذات مذاق مميّز.

ماء شفشاون والشاي

يشكّل منبع مدينة شفشاون أهمّ سرّ في اختصاصها بالشاي الطبيعي، فالسرّ كل السرّ ليس في الأواني المعدنيّة ولا في الكؤوس البلوريّة ولا في الوقود الذي تُغلى فوقه الأباريق، وإنّما السرّ والسحر يكمنان في هذا الماء الذي لم تخالطه شائبة ولم تمازجه ذرّة ممّا يقبح في الطّبع أو الذّوق.

“ملقّمْ” الشّاي

كانت هناك أيضا في المدينة هواية خاصة ببعض الظرفاء، وهي أنّهم يصنّفون في خانة “ملقّم الأتاي”، حيث كانوا مختصين في معرفة المقادير وكيفية تركيب المواد ومعرفة الأوقات الكافية لإعداد هذا السائل المحبّب، ناهيك عن اختصاصهم في عادات تفريغ وتوزيع الكؤوس والطقوس المصاحبة لعملية إكرام الجالسين التي تحتضنها التجمعات العائليّة أو المناسبات أو الأمسيات الدينية والاجتماعية، فتلك كانت هواية أكثر منها حرفة، فكان النّاس ينادون عليهم ويقدّمونهم لهذه المهمّات، حتى تكون طقوس شرب الشاي في المستوى المطلوب.

وكان “ملقّم الأتاي” بالنسبة لجلسات شربه بمثابة رئيس الجوقة الموسيقية للعازفين، حيث إن “الملقّم” له مجموعة من الخدم يأتمرون بأمره في القيام بوظيفة توزيع الكؤوس وإعادة ملئها ذهابا وإيابا من الصينية الكبرى إلى الجالسين واحداً واحداً.

“البابُورْ” وإعداد الشاي

بالإضافة إلى كل ما سبق، فإن بعض البيوتات المحظوظة كانت تتوفّر على وعاء كبير يسمّى “البابور”، وهو خاص بغلي الماء، له مقبضان وخرطوم، وفي أسفله توجد فتحة لوضع “الجْمارْ” عن طريقها. فهذا البابور كان يضفي على الجو الاحتفالي رونقا، فكنت تجده في بيوتات الأشراف والأعيان وعند بعض كبار التجّار بالمدينة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • الريفي
    السبت 20 دجنبر 2025 - 00:13

    الشاي المغربي ليس له مثيل و هو فريد من نوعه، و كل من يأتي ساءحا إلى المغرب و يتذوق الشاي المغربي لأول مرة فإنه يتفاجء بمذاقه الراءع و لا يكتفي بكأس واحد و لا يعود يحب بعدها طريقة إعداد الشاي في دول المشرق، الشاي المغربي لا شاي مثله أو أفضل منه، و شكرا هيسبريس

  • محمد
    السبت 20 دجنبر 2025 - 00:28

    المشارقة حفظهم الله يطلقون إسم الشاي بالعامية المشرقية على أتاي و أصله من اللغة الفصحى. أما نحن المغاربة نطلق على الشاي إسم أتاي. فمن أين أتى إسم أتاي في العامية المغربية، و هل مصدره اللغة العربية الفصحى ؟. سؤال غالبا ما يتردد على ذهني و لا أجد له جواب. شخصيا أفضل إسم الشاي على أتاي لأنه قريب من الفصحى و مناسب للتعبير الأدبي و للذوق الرفيع.

  • سعيد
    السبت 20 دجنبر 2025 - 00:44

    ارتبط الشاي ومازال بالحياة اليومية للمغاربة وكل واحد يتفنن في طريقة تحضيره.شكرا هسبريس

  • Salah
    السبت 20 دجنبر 2025 - 01:00

    سوف احكي قصتي مع اتاي اقسم بالله قبل ان أهاجر. من المغرب الحبيب عندما كنت ابن 12 سنة كان لي صديق الدراسة من نفس السن و الحي و كلما التقينا اساله مادا فطرت يقول خبز و اتاي و الزيت و أنا قول له نفس الشي و في الغداء الخبز و اتاي و الزيت و أنا نفس الشي و عندما فرقتنا الأقدار التقيتو به وأنا شاب 33 و قلتو له بعد الغداء ندهب المقهي و نتحدث وقال لي عن أي غداء فتفاجأت و قال هل نسيت نحن لا نتغدا كنا دايما نفطر كان نفس الوجبة اتاي و الخبز و الزيت ً اتاي عشقه في الأعماق و مع زيت البلدية أيام جميلة

  • مغربي
    السبت 20 دجنبر 2025 - 01:45

    لم يعجبني قط وعند سماع اغنية اتاي بلادي لسهام ظنيت ان شجر او نبت في بلادنا لكن اكتشفت بعد حين انه اتاي اتى من مكان بعيد هو والقهوة لكن الشيء الذي جمعهم او اضاف الجمال عليهم هو القالب السكر لولاه لما شرب،
    لكن في نفس الوقت اقول على الأذواق لا شيء كتب. قد يكون من يعرف تحضيره جيدا ولكاس له عدة اسماء دكا، تلسيقا، او نصف من الكأس اما الكأس الممتلئ يقولون للفطور.. في بعض المناطق.
    لكن اعجبتني قصته في مع الإمبراطور ٢٧٣٧ ق.م. عندما سقطت ورقة بالصدفة في الماء المغلي فاعجبتة واشتهر ثم بعد سنين كثيرة الى الاقتصاد.

  • زائر
    السبت 20 دجنبر 2025 - 11:42

    مقال جيد يبرز سمو التراث المغربي وبراعة الصانع المغربي شكرا لكم

  • الراضي
    السبت 20 دجنبر 2025 - 12:40

    معلومات قيمة عن الشاي المغربي وطقوس إعداده

  • سارة
    السبت 20 دجنبر 2025 - 14:40

    تحلو الجلسات العائلية مع صواني الشاي والحلويات في هذه الأجواء الممطرة

  • بنعباس
    السبت 20 دجنبر 2025 - 14:49

    مع كامل الأسف هذا المشروب الذي جمع بين الناس في مختلف المناسبات ومتن روابطهم حتى ان الشخص يدعوك لماس شاي وقد هيا لك وجبة دسمة، كانت له من الطقوس المختلفة عبر الوطن من براريد مختلفة الاحجام والاشكال الى الصواني ولعماير والبابور واواني السكر والشاي تقدم للضيوف الدين يهيئونه بأيديهم والتفنن في نوعية المقراج والفرن، كان الوجبة الرئيسية للفقراء مع الخبز،
    كل هذه الطقوس اندثرت او هي في طريق التخلي عنها في البيوت، في المناسبات ولم تعد الجماعة تجد من يتحمل مسؤولية تهييئ الشاي، انيطت المهمة للنساء في المطبخ وحتى المقاهي تبتعد عن الشاي عندما لا يعطونه حقه في التهييئ يكتفون بالألة رغم انه مشروب ثقافي اجتماعي رافق المغاربة مند زمان

  • صوفيا
    السبت 20 دجنبر 2025 - 15:47

    صينية والببر والما جاري لالة لالة ،قطعة غنائية كانت تتغنى بالشاي

  • الغيواني
    السبت 20 دجنبر 2025 - 17:22

    ناس الغيوان لهم أغنية تبدأ بموال واهيااا الصينيااا ، وهو نوع من الحنين الى ما مضى

  • Abdou
    الثلاثاء 6 يناير 2026 - 16:18

    يجب الاهتمام بالشاي المغربي وإعطائه الأهمية عند التحضير لأنه تراث مغربي أصيل فأينما حللت في مقاهي العالم إلا وتجد أتاي مغربي هكذا يقول النادل بلغته… يحز في نفسي عندما تطلب أتاي في بعض المقاهي المغربية يجمع النعناع مع ملعقة أواثنين من الشاي ويضيف ما شاء من السكر ويفرغ الماء الساخن وهو لا يعرف أن للشاي طريقته الخاصة في التحضير وجب اثقانها ..الشاي المغربي ماركة مسجلة باسم المغرب الرجاء المحافظة على رمزيته وقيمته

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 9

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37 9

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد