ربط المسؤولية بالمحاسبة

ربط المسؤولية بالمحاسبة
صورة: هسبريس
السبت 20 نونبر 2021 - 09:53

تعمل المنابر الإعلامية الجادة على النقل الأمين والمسؤول لتفاصيل قضايا الفساد والاختلالات القانونية التي تعرفها بعض المؤسسات العامة والخاصة، من حين لآخر. وذلك من دون القفز على دور المحاكم المالية والإدارية المخول لها وحدها قانونيا التدقيق في مدى صحة الوثائق والمعلومات والدفوعات التي تقدم لها من طرف المسؤولين عن المنسوب إليهم في هذه الحالة أو تلك. لكن، يبقى من حق المواطن أن يعلم وتكون لها ثقافة قانونية، ولو في حد أدنى يمكنه من التمييز والفهم، خاصة حينما يتعلق الأمر بمبدأ دستوري هام جدا يردده الأكاديميون والسياسيون والإعلاميون المغاربة في القنوات الإعلامية، من قبيل: مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

من هذا المنطلق، نجد أنفسنا من بين الذين يتحملون المسؤولية الإعلامية والاجتماعية لتقديم ما يمكن تقديمه من توضيحات، حول العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة والمساءلة، دون ادعاء بامتلاك المعرفة.

بداية، يجب التذكير بأن من أهم المستجدات القانونية ببلدنا التنصيص الدستوري على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك في الفصل الأول من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي ينص على: “(…) يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة (…)”.

فما المقصود بالمسؤولية والمحاسبة والمساءلة؟ وما العلاقة بين هذه القواعد الدستورية؟ وما شروط تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى تكون المساءلة عادلة؟

هناك ثلاثة مستويات: المستوى الأول، المسؤولية. والمستوى الثاني، المحاسبة. أما المستوى الثالث فهو، المساءلة.

– المسؤولية: تعني في سياق ربط المسؤولية بالمحاسبة، التزام الموظف العمومي أو الذي يعمل في القطاع الخاص بالواجبات المحددة والمعهودة إليه من لدن السلطة الهرمية الأعلى في المؤسسة. ويتسع هذا المعنى ليشمل الإدارة كذلك، وكذا المسؤولية عن تسيير وتدبير شؤون قطاع اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي معين. ويتم تحديد الواجبات المعهودة للمكلف بمسؤولية معينة من خلال قرار مكتوب مصادق أو مؤشر عليه كما هو الحال بالنسبة للجماعات على سبيل المثال لا الحصر.

– المحاسبة: تتجلى المرحلة الموالية للمسؤولية في مرحلة المحاسبة. والمحاسبة تعني من بين ما تعنيه أن يضع المكلف بمسؤولية ما، رهن إشارة من يملكون القدرة على التقييم والحكم: القرارات التي اتخذها خلال مزاولته للمهام المكلف بها، والإنجازات التي قام بها أو أشرف عليها، والإجراءات التي اتخذها في سبيل إنجاز ما هو مسؤول عنه، وذلك لتحديد مدى صحتها ودقتها (…). وتستخدم الهيئات المكلفة بعمليات التقييم والتقويم والمراقبة الأساليب العلمية الحديثة في التكنولوجيا والتنظيم والتسيير.

وفي حالة الجماعات كمثال، فعلاوة على هذه الأساليب العلمية الحديثة، تدرس الهيئات المكلفة قانونيا بالمراقبة والافتحاص الإداري والمالي، مدى تطابق ما قام به المسؤول مع القوانين والتشريعات المنصوص عليها في بلدنا.

– أما المساءلة: فهي قد تقترن بالمحاسبة عندما ينصرف معنى المحاسبة إلى أبعد من مجرد “تقديم الحساب”، أي عندما ينطوي على معنى المسؤولية عن الأعمال التي يقوم بها المسؤول. ويتضح هذا المعنى أكثر عندما نقرأ بتمعن المعنى الواضح للمساءلة بالنسبة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وهو: “الطلب من المسؤولين تقديم التوضيحات اللازمة لأصحاب الشأن حول استخدام صلاحياتهم وتصريف واجباتهم، والأخذ بالانتقادات التي توجه لهم (…) وقبول تبعات الفشل وعدم الكفاءة أو الخداع والغش”.

إن هذا المعنى الأخير أكثر إجرائية وبساطة ووضوحا، فهو يفيد بأن المساءلة تعني من بين ما تعنيه أن المسؤول سواء كان فردا أو أفرادا أو إدارة أو قطاعا حكوميا، فهو مطالب قانونيا بتقديم التوضيحات المطلوبة منه للهيئات المخول لها صلاحيات المراقبة والتتبع والتقييم والمحاسبة والمساءلة، وذلك لتحديد مدى صحة ودقة القرارات والإجراءات التي اتخذها والإنجازات التي قام بها في نطاق مسؤوليته. ويبين هذا المعنى كذلك، أن الهيئات المكلفة والتي لها القدرة على التقييم والحكم على ما قام به المسؤول عن عمل معين، تقدم للمسؤولين عن أداء مهام معينة في المؤسسة التي يعملون بها: ملاحظاتها وتوصياتها وانتقاداتها من أجل تصحيح وتقويم الاختلالات المرصودة من طرفها. وهنا نستحضر الدور التقويمي الذي تقوم به المجالس الجهوية للحسابات عند افتحاصها المالي والإداري للجماعات بصفة خاصة.

ولكن في الآن ذاته، تعني المساءلة أن المسؤول عن عمل ما يتحمل تبعات ما قام به في حالة عدم الكفاءة أو الفشل في تحقيق الأهداف المسطرة من طرف الإدارة العليا ومنها إمكانية سحب المسؤولية منه والامتيازات المادية والمعنوية المرتبطة بها. وقد تكون التبعات أقسى من ذلك تأثيرا على المسؤول من قبيل العقوبة الحبسية في حالة رصد اختلاسات مالية أو مخالفات أخرى جسيمة بالمعنى القانوني، من قبيل عدم الترخيص للمشروع أو المؤسسة أو مخالفة قوانين التعمير والصفقات في حالة الجماعات والأمثلة متعددة.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة هو مبدأ دستوري. ومن تم فهو ملزم لكل فرد مسؤول أو مؤسسة. وكل مخالفة لهذا المبدأ تقود إلى تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالمستوى الثالث، والمقصود المرور إلى المساءلة طبقا للنصوص والتشريعات المعمول بها في البلاد.

لكن، هناك ثلاث قواعد أساسية للتلازم بين ممارسة المسؤوليات والوظائف العمومية بالمحاسبة وهي: النزاهة، والشفافية، والمساءلة. وهناك قواعد أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، بل يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة في غيابها، نوعا من “التعسف والشطط” وهي: وجوب توضيح الأهداف والمسؤوليات والسلطات، ووجوب توضيح المنتظرات والنتائج المرجوة من طرف الإدارة العليا، وضرورة التوازن بين النتائج والقدرات (الوسائل)، وتوفر شرط صدقية وجودة المعلومات التي سيتم استثمارها، وضرورة توضيح آليات الفحص والتقويم.

خلاصة القول، إذا كانت المسؤولية تنطوي على بعد أخلاقي قبل كل شيء أو هكذا ينبغي أن يكون، فبعدها القانوني يعني أنها تتأسس على دعامتين: واجب الشفافية وضرورة دفع أو تقديم الحسابات. ولا يمكن الحديث عن حكامة جيدة سواء تعلق الأمر بالجماعات أو أية مؤسسة أخرى من دون وجود نظام متكامل يجعل من بين مرتكزاته قاعدة المسؤولية والمحاسبة.

لكن دعنا نقول في الختم، لا بد من توفير شروط العمل الموضوعية من حرية امتلاك المعلومات، والتواصل الداخلي، وتمكين المكلفين بالمسؤوليات من السلطات التي تمكنهم من اتخاذ القرارات اللازمة في إطار المسؤوليات المسندة إليهم، خاصة في حالة الجماعات ببلدنا. وذلك حتى تكون المساءلة عادلة عند الاقتضاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • حسن بن علي
    الثلاثاء 23 نونبر 2021 - 21:11

    مبدأ ربط المسؤولية في عمره الآن 10 سنوات … و الكلام عنه امر استهلك منذ زمان.
    ثانيا … الاستاذ يعرف المسؤولية على انه “التزام الموظف العمومي …..” و الاستاذ يدرك ان اغلب المخاطبين بهذا المبدأ ليسوا بموظفين عموميين بل هم منتخبون … وهو بنفسه حصر جميع الامثلة التي تناولها في الجماعات … و الجماعات يسيرها منتخبون ….
    إذا … المبدأ قديم و لا يستحقق ان يوصف بأنه مستجد …. و الاسوأ ان يأتي الحديث عنه بعد عشر سنوات بتعاريف و مفاهيم هواة …

  • فريد
    الأربعاء 24 نونبر 2021 - 05:56

    دستور 2011 جاء بأشياء كثيرة ولكنها بقيت وستبقى حبرا على ورق لإنعدام أية رغبة في تنزيلها،وكلنا يعرف أين وصل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية،وأين وصل قانون الإثراء ووو،فكيف يمكن ربط المسؤولية بالمحاسبة؟أي مَنْ ومتى وكيف سيُفعل هذا المبدأ؟مع العلم أن سلطتنا القضائية لاسلطة لها في بعض الأحيان إما لإنعدام القوانين وإما لإنعدام الإشارات والغلوسي وجمعيته يعرف ذلك،وكلنا نعرف أن كل الموظفين السامين لايمكن محاسبتهم وعند الحاجة يمكن إعفاءهم أو تنقيلهم وربما الباكوري مدير “مازن” خير مثال إذ لم يُحاسب بل في الأخير سُمح له الذهاب إلى كندا أي قيل له بالدارجة :غَبَّر وجهك حتى تبرد القضية،وما علينا إلا التغني بدستورنا في إنتظار تفعيله.

  • L autre
    الأربعاء 24 نونبر 2021 - 06:28

    هذه اليات ديمقراطية لا يراد للمغرب الانخراط فيها لما يمثل ذلك من تهديد لمصالح معينة هي في الاغلب اقوى من ان يواجهها المسؤول المغربي وحده. الجسم السياسي والاداري والقضائي مخترق يا سادة. والاحرى بالصحافة ان تزيل الستار عن عناصر الاختراق هذه وتوعية المجتمع لمن يقيمون بين ظهرانينا لا لسبب الا لتقويض انتقال المغرب الى دولة حقيقية. انهم يهدمون الدولة بايادي ابنائنا وبناتنا وهم يظلون في الظل لا احد يكاد يراهم … لتظل نتراشق بيننا حتى التناحر فتفوت علينا فرص لن تعود. افيقوا رحمكم الله ومارسوا الجهاد الحقيقي الذي لم تمارسونه ابدا وهو تنقية جسم المغرب من السموم (الخارجية والداخلية) التي اطالت امد التخلف فيه.

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 1

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء