رهانات واشنطن على الرباط.. استقطابات تُهمش النفوذ الأوروبي في إفريقيا

رهانات واشنطن على الرباط.. استقطابات تُهمش النفوذ الأوروبي في إفريقيا
صورة: السفارة الأمريكية بالمغرب
الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 06:00

ستُسجّل سنة 2025 منعطفاً حاسماً في العلاقات الأوروبية-الإفريقية، كاشفةً عن ظهور استقطابات جديدة تُعيد النظر في البنية التقليدية لعلاقات الشمال-الجنوب في منطقة البحر الأبيض المتوسط. تحت زخم الدبلوماسية المغربية النشطة برؤية الملك محمد السادس وتنفيذ جهاز دبلوماسي ناجح يتشكّل مُخطط جيوسياسي غير مسبوق، يُهمّش تدريجياً النفوذ الأوروبي لصالح محور عبر أطلسي مباشر.

تستند إعادة التشكيل هذه على خصوصية تاريخية غالباً ما تُتجاهل: بالنسبة لواشنطن يبقى المغرب أحد الحلفاء النادرين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وهو وضع يمنحه أولوية مطلقة في الحسابات الإستراتيجية الأمريكية. هذا الاعتراف التاريخي يضع المملكة اليوم في مستوى أهمية مُماثل للمملكة المتحدة، متجاوزاً بحكم الواقع عدة أعضاء أوروبيين في “الناتو” ضمن هرمية الأولويات الجيوسياسية الأمريكية.

وتكشف هذه التراتيبة عن تحوّل عميق في التحالفات الغربية، يتمحور حول ثلاث ديناميات متقاربة: تعزيز الدعم الأمريكي للموقف المغربي بشأن الصحراء، وتقوية القدرة العسكرية للمملكة، وبروزها كحلقة وصل مُميزة بين إفريقيا والغرب، مُتجاوزةً بذلك الوساطات الأوروبية التقليدية.

واشنطن تُراهن على الرباط

كرّست القمة التي جمعت وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره المغربي في واشنطن يوم 8 أبريل 2025 تطوراً جوهرياً في الإستراتيجية الأمريكية في شمال إفريقيا، من خلال إعادة تأكيد الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، التي قرّرها دونالد ترامب في ديسمبر 2020. وتتجاوز الإدارة الحالية مجرد الدعم الدبلوماسي لتنخرط في تسريع تطبيقه السياسي. هذا الموقف، الذي يُردده مسعد بولس، المبعوث الخاص الجديد لشمال إفريقيا والشرق الأوسط، يتناقض مع التردد الأوروبي ويكشف عن نهج براغماتي واضح.

يُرافق هذا الوضوح الدبلوماسي دعم عسكري لا مثيل له. وصول ست مروحيات أباتشي AH-64E في مارس 2025، كعناصر أولى من طلبية تضم ستاً وثلاثين طائرة، يُوضّح هذا التصاعد في القوة. والأكثر رمزية التسليم المُقرر لعام 2028 لمقاتلات F-35 Lightning II الخفية، ضمن عقد بقيمة 17 مليار دولار، سيجعل المغرب أول دولة إفريقية وعربية تحوز هذه التكنولوجيا المتطورة.

اضطراب في التوازنات الإقليمية: نهاية الاستثناء الأوروبي في شمال إفريقيا

تُثير هذه التطورات قلقاً كبيراً لدى الشركاء الأوروبيين التقليديين، كاشفةً هشاشة موقعهم في غرب المتوسط. تدرك مدريد هذا التحالف المُعزز كتهديد وجودي لمكانتها كقوة إقليمية. وتُندد الصحافة المحافظة الإسبانية ببروز المغرب كـ”القوة العسكرية الأولى في جنوب المتوسط”، بينما تُعاني إسبانيا من ثغرات في قدراتها من طائرات الهليكوبتر والمقاتلات. تنتقد واشنطن علناً مدريد لاستثمارها الدفاعي غير الكافي وتُفضل عليها شريكاً مغاربياً أكثر ديناميكية وموقعاً جغرافياً أفضل نحو إفريقيا.

الحالة الفرنسية تُوضّح بشكل أكثر وضوحاً إعادة توزيع الأوراق الإفريقية. الانسحاب المُتسرع للقوات الفرنسية من منطقة الساحل في بداية 2025 كشف بوضوح حدود النموذج الجديد الفرنسي في إفريقيا.

نحو ما بعد فرنسا/ إفريقيا ساحلية

البُعد الساحلي لإعادة التشكيل هذه يكشف ظهور نموذج بديل للعلاقات الأوروبية-الإفريقية التقليدية، إذ إن استقبال الملك محمد السادس في 28 أبريل 2025 لوزراء خارجية مالي وبوركينا فاسو والنيجر – الدول الثلاث في تحالف دول الساحل – أضفى طابعاً رسمياً على معطى جيوسياسي جديد يتجاوز الأطر الاستعمارية الجديدة القديمة. العرض المغربي لـ”ممر أطلسي” لهذه البلدان المُحاطة باليابسة يُترجم طموحاً إستراتيجياً واضحاً للمغرب، وهو أنه يفرض نفسه كحلقة وصل اقتصادية وأمنية لدول أدارت ظهرها لأوصيائها الأوروبيين السابقين.

حدود انتصار مُعلن

رغم هذه النجاحات الدبلوماسية الظاهرة يبقى الموقف المغربي يواجه هشاشات هيكلية. الاعتراف الأمريكي والدعم الإفريقي والشرق أوسطي لا يمكن أن يُخفي استمرار المعارضة الجزائرية. تصلّب الجزائر يستمر في عرقلة أي تسوية توافقية، مُحافظاً على توتر إقليمي قد يُعرّض استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط كلها للخطر.

الأكثر إشكالية من جهة هو أن العمل المُوازي للمبعوث الأمريكي مسعد بولس والمبعوث الأممي يُهدد بتهميش العملية متعددة الأطراف التقليدية، ومن جهة ثانية أن الإرادة الأمريكية لفرض تسوية “دائمة وبلا تأخير” تكشف نفاد صبر قد يصطدم بالحقائق السياسية المحلية.

أوروبا أمام تهميشها الإفريقي

ظهور مثلث الولايات المتحدة-المغرب-الساحل يُوضّح تحولاً عميقاً في العلاقات الأوروبية-الإفريقية، يتميز بتآكل النفوذ الأوروبي التقليدي. إسبانيا وإيطاليا، الركيزتان التقليديتان للجناح الجنوبي للناتو، تكتشفان أن مركزيتهما المتوسطية لم تكن سوى قطعة أثرية من الحرب الباردة. فيما تفرض الواجهة الشمال إفريقية نفسها الآن باعتبارها المحور الرئيسي للأمن عبر الأطلسي، مُرجعة الضفة الأوروبية إلى دور المُراقب في منطقة كانت تعتبرها امتداداً طبيعياً لها.

رهان متعدد المخاطر

بالنسبة للمغرب تمثل هذه المركزية الإستراتيجية تتويجاً تاريخياً. لم تحتل المملكة قط موقعاً مُميزاً كهذا في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية. هذا الاعتراف تُرافقه التزامات مُقيدة: مراقبة الساحل، تعزيز التعاون مع إسرائيل، مواجهة واضحة مع الجزائر. تنخرط المملكة بذلك في دور “مُتعهد أمني” يتجاوز بكثير قدراتها التقليدية.

في واشنطن يُحتفل بهذه “الأفرقة المتوسطية” لإستراتيجية الدفاع، وفي الرباط يُحتفى بالعودة الأمريكية للأطلسي الجنوبي. لكن هذا التحالف يحمل مخاطر كذلك، كالقدرة على استيعاب المسؤوليات الأمنية الجديدة، واستدامة الالتزام الأمريكي رغم التناوبات السياسية المحتملة في واشنطن

آفاق وشكوك: إفريقيا بين التبعيات الجديدة والانعتاق

تفتح الديناميات الدبلوماسية لعام 2025 فترة من الشكوك تتجاوز بكثير الإطار المغاربي لتستفهم مستقبل العلاقات الأوروبية-الإفريقية، إذا نجح المغرب في تحوله إلى حلقة وصل مُميزة بين إفريقيا والغرب، فقد يُرسّخ بشكل دائم نموذجاً بديلاً لعلاقات التبعية المُوروثة من الفترة الاستعمارية.

لكن هذا الرهان يفترض تجاوز المقاومات الجزائرية، وإدارة التوترات مع الشركاء الأوروبيين المُهمشين، وإثبات أن هذا التحالف الجديد يمكن أن يُقدم للدول الإفريقية استقلالية إستراتيجية حقيقية.

أوروبا، أمام هذا التهميش، ستضطر لإعادة النظر جذرياً في نهجها الإفريقي. فرنسا، على وجه الخصوص، تجد نفسها مُجبرة على التخلي عن آخر بقايا فرنسا/ إفريقيا بعد الفشل الساحلي، بينما تكتشف إسبانيا وإيطاليا أن موقعهما المتوسطي لا يمنحهما تلقائياً دوراً في شمال إفريقيا.

هذا التحول الجيوسياسي يُوضّح بذلك ظهور نظام ما بعد أوروبي في شمال إفريقيا، حيث تتمتع الدول الإفريقية بهوامش مناورة جديدة لاختيار شركائها. والصحراء المغربية، بعيداً عن كونها صراعاً هامشياً، تصبح حجر الزاوية في نظام تحالفات يُعيد تعريف العلاقات بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، مُشكّكاً بشكل دائم في أسس النظام الأوروبي-المتوسطي المُؤسس منذ الاستقلالات السياسية للدول الإفريقية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • ولد حميدو
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 06:57

    الدول الوازنة هي من تعرف تاريخ المغرب الدي عنده عدة قرون و يمتلك ارشيفات مهمة فالمشروع الاطلسي للساحل سيتم تطويره و ليس بجديد فمند قرون كانت قوافل تجارية تنطلق من المغرب و تصل حتى السودان

  • yael
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 07:02

    سلام الله
    ممكن ان نقرأ هذه التحركات الأخيرة بالمنطقة على أنها فقط إعادة توزيع الأدوار للدول التابعة كالمغرب وغيرها من دول العالم الثالث.
    اما أمريكا وأوروبا فاستراتيجيتهم لن تتغير اتجاه العالم الثالث.
    المغرب اعطي دور وسيط فقط لا غير وفي حدود معينة. ولا تعتقد أن هناك حلفا مغربيا أمريكيا بدرجة حلف أمريكي أوربي.
    غدا ان أعطت الجزاءر امتيازات معينة لامريكا فكن متيقنا ان موقفها سيتغير بالف درجة.
    استاذي الكريم

  • ولد حميدو
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 07:04

    من جهة اخرى فالعالم الآخر سيكتسح العالم بمنتوج الزعفران و كدلك ادا كان المغرب بيعت تذاكر منتخبه في مدة قصيرة فتداكر مباراة الجزاءر تم نفاذها في نصف يوم بدون أداء الكتروني ربما اعطوها للعسكر و لعاءلاتهم و للبطوشيين
    عالم غريب

  • مغربي
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 07:17

    بدون مساحيق تجميل إن الغرب بالزعامة امريكا يخوض حرب عالمية ثالثة بلاهوادة ضد الصين و الروس و غيرها من قوى معادية أو منافسة على نار هادئة جوهرها الزعامة و النفود تدور رحاها عبر العالم بشتى بؤر مشتعلة وفق استراتيجيات و مخططات جاهزة مسبقا و متواصلة باستمرار إلى حين تحقيق الاهداف منشودة بغض نظر عن من هم في مراكز صنع القرار اليوم و بغض نظر عن شعوب و دول متضررة التطورات العالمية على الساحة تقطع الشك باليقين ان العالم اليوم يشهد ولادة عسيرة للعالم جديد بالقطب واحد أو قطبين لكنه في جميع أحوال ليس عالم الأمس و اليوم بالتأكيد بحيث يحمل كم هاءل من التحديات الغير مسبوقة أمنية و اقتصادية و اجتماعية و سياسية يقوم فيها الغرب ضد اعداءه و منافسيه و فينا بين اجنحته بالصراعات لم يسبق لها مثيل و لا تخلو من اللعبة تبادل ادوار وفق للغة المصالح فوق كل اعتبار بالطبيعة الحال و بالتالي ما لم يواكب التطورات العالمية متسارعة فهو خارج السرب يغرد و إن لغد لناظره قريب الصورة واضحة المعالم وفق معطيات و ليس مجرد شعارات ايها المغاربة المغرب.

  • Hossein
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 08:22

    لا حاجة لنل الا بتطوير سلاحنا بنفسنا، لا حاجة لنا لعدوة العرب و المسلمين. تركيا مثل يقتدى به و لا للتبعية

  • Hilal
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 08:52

    أمريكا ليست حايفنا بل عدونا، الصهيوني الذي يقتل اخواننا الفلسطنيين. لا للتبعية لعدوة الله، نعم لتطوير اسلحتنا بنفسنا لذينا الكفاءات، تبقي الديموقراطية لنتعيد تسيير بلدنا و دفاعنا عن افسنا بنفسنا. يحيا الأمة المغربية الإسلامية، لا للتبعية لأعداء المسلميين و الشعي المغربي المجاهد. يحيا الشعب

  • ايوب
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 09:12

    امريكا الصهيونية حارسة الأنظمة الإستبدادية ليست حليفا بل عدوا يجب محاربته. اذا ما ارتبطنا بهذه الدولة الإرهابية كلما اصبحنا عبيدا لها. لدينا كل العقول و التكنلوجيا لتطوير الطائرة الشبحية و منظومات الرادارات. الإستحساس ان بعد. الغافل والتماسيح هي التي لا تريد الإستقلال عن العدو و باعت شعبها لعدوة الله

  • Freethinker
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 10:10

    أش من رهانات على المغرب؟ بعد عام تقريبا على رجوع ترامب إلى الحكم ما زال ما كاينش سفير أمريكي فالمغرب. كاين فقط قائم بالأعمال. وما زال ما كاينة قنصلية فالصحراء المغربية.

    أمريكا تبحث عن مصالحها ولقاتهم مع العدو الكرغولي الخبيث. انتهى الكلام

  • راجع حساباتك
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 11:17

    لكي أختصر وبشدة لا مزيد عليها: أمريكا ليس لديها صديق

  • Koko
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 12:46

    Ne jamais mettre tous ses œufs dans le même panier.

  • رشيد41. فالأمر ليس بملتبس ..
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 17:00

    ..ولا محيّر. فخطيئة هذه الورقة والتي تسقطها كورقة التوت عن صاحبها، أنها تنفخ باطلا في حجم الجزائر، ولا تنفخ فيه إلا بما تسلبه من حجم المغرب باطلا كذلك. ورقة لن تستطيع حتى عبقرية الآلة الميكيافيلية الهوجاء والخرقاء الجزائرية صناعتها لنفسها لتحصين عورتها. ورقة تفضح ولا تستر. وهل من وظيفة أو من شأن ورقة بحثية جادة وصادقة أن تستر العورات؟

  • البنش
    الأربعاء 3 شتنبر 2025 - 22:02

    المتغطي بروبيو عريان!
    اخر ناس ممكن الواحد يثق فيهم حاليا هم ادارة ترامب.

  • لعروسي
    الخميس 4 شتنبر 2025 - 22:40

    لا يمكن أبدا مقارنة الجزاءر بالمغرب الكبير العريق المتفوق في شتى الميادين إقرأ ؟……

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 5

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان