أحب بلدي… ولا أرى لماذا ينبغي أن أعتذر عن ذلك.
حب المغرب لا يعني أن أغمض عيني عن أخطائه، أو أصفق لكل قرار يصدر عن حكومة أو إدارة أو مسؤول. كتبت وانتقدت، وسأظل أفعل حين أرى أن النقد ضروري. لكن هناك فرق بين أن تنتقد بيتك لأنك تريد إصلاحه، وبين أن تساعد من يتربص به على إسقاط سقفه فوق رؤوس ساكنيه.
ومع ذلك، أصبح قول شيء إيجابي عن المغرب يحتاج أحيانا إلى شجاعة أكبر من قول أسوأ الأشياء عنه. تمدح قرارا وجدته صائبا، فيخرج لك من يصنفك ضمن العياشة. تدافع عن مصلحة وطنية، فتصبح زلايجي. ترفض أن تضع قضية خارجية، مهما كان تعاطفك معها، فوق مصالح بلدك، فتجد نفسك مطالبا بتقديم شهادة حسن سلوك أيديولوجية.
هناك اليوم ما يشبه استبداد الرأي السائد. وقد شرحَت نظرية دوامة الصمت منذ عقود كيف قد يتراجع الإنسان عن التعبير عن رأيه عندما يشعر أن البيئة المحيطة ستعاقبه اجتماعيا إن خرج عن الموقف المهيمن. لكن حرية التعبير لا تكون حرية إذا كانت متاحة فقط لمن يقول ما يصفق له الجمهور. وأنا لا أريد أن أكتب وأنا أنظر كل لحظة خلف كتفي لأرى من سيغضب.
نحن عند ملتقى الطرق… وهذه نعمة ولعنة
لا يمكن فهم ما يجري حول المغرب من دون النظر أولا إلى الخريطة.
هذه البلاد تقف عند تقاطع نادر بين المتوسط والأطلسي، وبين أوروبا وإفريقيا، وعلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. نحن عند ملتقى طرق التجارة والهجرة والأمن والطاقة والثقافات والحضارات.
موقع كهذا هدية جغرافية… لكنه أيضا فاتورة ندفعها منذ قرون.
فمن يقف عند مفترق الطرق يمر الجميع بالقرب من بيته. يمر التاجر… ويمر الغازي أيضا.
وتاريخ هذه الأرض أعمق كثيرا من الطريقة المختصرة التي نقدم بها أحيانا تاريخ المغرب. في جبل إيغود عثر على بقايا للإنسان العاقل تعود إلى نحو 315 ألف سنة، وهي من أقدم الشواهد المعروفة على المراحل المبكرة من تاريخ الإنسان العاقل. وفي المغرب عثر أيضا على حلي صدفية تعود إلى أكثر من 140 ألف سنة، وهي من أقدم أشكال الزينة الشخصية المعروفة حتى الآن.
لا أذكر هذه الأرقام لكي ندخل في مسابقة طفولية حول “مَن أقدم مِن مَن”. أذكرها لأن المغربي يحتاج أحيانا إلى أن يتذكر أن هذه الأرض لم تكن هامشا ينتظر الآخرين لكي يمنحوه التاريخ.
لقد تعاقبت فوقها دول وممالك، وتشكلت فيها حضارة محلية راسخة، ثم تفاعلت عبر القرون مع روافد متوسطية وإفريقية وأندلسية وعربية وإسلامية ويهودية وغيرها. وهذه القدرة على الأخذ والعطاء وإعادة صهر الوافد حتى يكتسب نكهة مغربية هي، في رأيي، من أهم عناصر قوتنا.
لكننا لا نعلم أبناءنا دائما أن ينظروا إلى هذه الهوية المركبة بهذه الثقة. وكثيرا ما عرف المغربي تاريخ الآخرين وقضايا الآخرين وأدب الآخرين أكثر مما عرف تاريخ أرضه وتنوعها وخصوصيتها.
وهنا لا يعود الأمر مجرد فولكلور… بل يصبح نوعا من الأمن الهوياتي.
فالطفل الذي لا يعرف جيدا من يكون سيجد دائما من يأتي ليخبره من يكون، ولكن وفقا لمشروع ذلك الآخر ومصالحه.
والهوية الواثقة ليست هوية منغلقة. بالعكس. من يعرف جذوره يستطيع أن يفتح نوافذه كلها من دون أن يخاف أن تقتلع أول ريح شجرته.
لقد قاوم المغرب عبر تاريخه احتلالات وضغوطا عسكرية وسياسية مختلفة. أما أكثر أشكال الهيمنة نعومة اليوم فلا تحتاج إلى جيوش… يكفي أحيانا أن تنجح في جعل شعب يرى نفسه بعين غيره.
مِن حُكم قضائي دقيق إلى هاتف مكسور
بدأت القصة القانونية بمواطن جزائري تم اعتراضه في البحر سنة 2024 أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة، ثم سُلِّم إلى السلطات المغربية من دون المرور بمسطرة الإرجاع العادية. لجأ إلى القضاء الإسباني، وصدر الحكم رقم بتاريخ 29 يونيو والذي نشره المجلس العام للسلطة القضائية الإسبانية في 8 يوليوز، حيث أكدت المحكمة العليا أن ما يسمى “الإرجاع الفوري” لا يطبق بهذه الصورة على من يعترضون في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، وأن عليهم أن يخضعوا لمسطرة الإرجاع العادية المنصوص عليها في قانون الأجانب الإسباني.
كان الحكم دقيقا في موضوعه. لم يفتح الحدود، ولم يمنح كل من يصل إلى سبتة حقا عاما في البقاء، ولم يلغ مساطر الإرجاع المنصوص عليها في قانون الهجرة. لقد ميّز فقط بين الاعتراض في البحر وبين الحالات التي ينطبق عليها نظام الرفض عند الحدود، وأوجب سلك المسطرة القانونية العادية في الحالة الأولى.
لكن الأحكام القانونية المعقدة حين تدخل إلى معترك شبكات التواصل لا تخرج دائما بالشكل نفسه.
لقد اختصرها أحدهم… وأساء فهمها آخر…. وأضاف إليها ثالث ما كان يتمنى سماعه… بينما اكتشف رابع أن العنوان المثير يجلب مشاهدات أكثر من الشرح القانوني. ثم انتقلت الجملة من مجموعة إلى أخرى حتى صارت عند جزء من الجمهور: إذا وصلت إلى سبتة فلن يستطيع أحد إرجاعك.
إنها لعبة الهاتف المكسور… لكن ملايين الأشخاص يلعبونها في الوقت نفسه.
لا شك أن الإشاعة لم تخلق من الصفر الرغبة في الهجرة. هي لم تخترع الإحباط، ولا جاذبية أوروبا، ولا حب المغامرة، ولا الرغبة في الاستقلال عن الأسرة، ولا الخوف من المستقبل. فالدعاية لا تخترع دائما الشق، لكنها تستطيع أن تراه، وتتسلل منه، ثم توسعه.
في علم الاجتماع، تساعد نماذج العتبة والعدوى المعقدة على فهم ما يقع. قد لا يتحرك الفرد حين يسمع الدعوة من شخص واحد. لكنه يعيد حساب المخاطر عندما يسمعها من أكثر من جهة، ويرى آخرين يتجهون إلى المكان نفسه، ثم يرى صور من وصلوا. كل عبور يصبح دليلا اجتماعيا على إمكانية العبور، وكل متردد ينضم إلى الحشد يخفض عتبة متردد آخر.
ثم جاءت الصور. ومن أكثرها تداولا صورة فتاتين وصلتا إلى سبتة، ترفع إحداهما شارة النصر… لا يدل هندامهما ولا نوع هاتفيهما على انتمائهما لطبقة فقيرة، على عكس الصورة النمطية للمهاجر غير الشرعي. بالنسبة إلى بعض الناس كانت الصورة مؤسفة. وبالنسبة إلى مترددين آخرين، قد تكون حملت رسالة مختلفة تم ترديدها في الكثير من التعاليق: “هي وصلات ونتا باقي هنا؟!”
لا تثبت الصورة دوافع كل من تحرك، لكنها قد تخفض تقدير الخطر في ذهن من كان يقف على الحافة النفسية للقرار. هنا تعمل الصورة كدليل اجتماعي، ويعمل الحشد كبرهان على نفسه.
الشبكة الرقمية… من +213 إلى سوق للهجرة
لا يمكننا إسقاط شبكات تهريب البشر من التحليل، وكأن عشرات الآلاف عرفوا اللحظة والمسار ونقط التجمع بالطريقة نفسها ومن باب المصادفة وحدها.
المعطيات المنشورة حتى هذه الساعة تشير إلى بنية أوسع من مجرد وسم عابر. بعد الاطلاع على تحليل أنجزته شركة ناشئة مرتبطة بالمنتزه العلمي لجامعة أليكانتي، وشمل خمسة وعشرين أصلا رقميا على فيسبوك ونشاطا امتد خصوصا بين 24 و30 يوليوز، يتبين أنه كانت هناك ثلاث طبقات مترابطة: نواة تنسيق في تطبيقات المراسلة المغلقة، وواجهة نشر واسعة في المجموعات والصفحات العامة، وطبقة من مجندي الخلايا يتولى كل واحد منهم تجميع مجموعته الصغيرة وتوجيهها.
ووفق التحليل نفسه، استعملت الشبكة كلمات مفتاحية متغيرة، وروابط توضع في التعليقات بدل المنشورات، وحسابات مجزأة وخطوط اتصال عابرة للحدود. كما ظهرت أيضا عروض نقل من مدن بعيدة، وإعلانات مدفوعة، ومسار ربحي يجمع بين توسيع الجمهور وتقديم خدمات بمقابل. أي أننا قد لا نكون أمام قيادة هرمية واحدة، بل أمام علامة وسوق وشبكة موزعة تستطيع العمل حتى بعد اختفاء بعض صفحاتها.
وهنا يعود الخيط الجزائري الذي لا يمكننا التغاضي عنه. حيث ظهرت في المراحل المبكرة مجموعة مرتبطة برقم يحمل مفتاح الاتصال الجزائري +213. والتحليل المنشور في 8 غشت تحدث أيضا عن مجموعة من العلامات ذات الأصل الجزائري.
بالنسبة إلي، هذا يعزز احتمال وجود بنية عابرة للحدود تستحق التحقيق الجدي. أما تحديد هوية من كان خلف الرقم، وطبيعة العلاقة بين مختلف العقد، وما إذا كان الأمر يصل إلى جهة مؤسساتية، فذلك يحتاج أدلة إضافية لا توفرها المعلومات المتاحة لحد الساعة وحدها.
هنا تظهر قيمة استخبارات المصادر المفتوحة “OSINT”، أي أن البحث في تاريخ إنشاء الصفحات، وتغير أسماء المجموعات، والروابط بين الحسابات، وتسلسل نشر الصور، وأرقام الاتصال، والكلمات المفتاحية، والإعلانات، وأنماط التزامن، والبيانات الوصفية المتاحة قانونيا. حيث لا نكتفي بالتساؤل هل المنشور صحيح أم كاذب؟ ولكن نسأل أيضا: من نشره أولا؟ من ضاعف انتشاره؟ أي سلوك تكرر؟ ما حجم الوصول؟ وما الأثر الذي أحدثه؟
كما لا يجب أن نغفل أن الفوضى نفسها قد تصبح فرصة اقتصادية لبعض الشبكات. فحين تنشغل أجهزة الأمن المغربية والإسبانية بالتعامل مع حشود هائلة تضم القاصرين، وبالإنقاذ وحماية الأرواح، يمكن لتلك الشبكات أن تستعمل الكتلة كغطاء لتمرير عملاء دفعوا المال وتلقوا تعليمات أدق. كما أعتقد أن اختيار يوم الاحتفال بعيد العرش كموعد للعبور الجماعي لم يكن اعتباطيا ولا وليد الصدفة… ربما لاستغلال انشغال عدد كبير من أجهزة الأمن بتأمين الاحتفالات بهذا العيد الوطني… ومن يدري ربما يكون لهذا الاختيار أبعاد أخرى رمزية تحيل إلى مؤامرة أكبر…
الفخ… كل حركة لها ثمن
كما في رقعة الشطرنج، وجدت السلطات المغربية نفسها أمام وضع كل تحرُّك فيه يحمل عواقب.
خلافا لكثير من الاتهامات، فقد أقامت السلطات المغربية بالفعل حواجز واعترضت مرشحين للهجرة قبل وصولهم إلى الفنيدق، وعززت المراقبة، واعترضت محاولات سباحة، وشاركت في عمليات الإنقاذ. لكن حين صارت الكتلة البشرية هائلة، لم يعد منع كل عبور ممكنا من دون استعمال قدر أكبر بكثير من القوة.
ففي اللحظة التي كانت ستظهر فيها صورة مراهق يُضرب مثلا، أو فتاة تجر على الأرض، أو شخص يغرق أثناء المطاردة، يكون العنوان جاهزا قبل أن ينتهي الحدث: المغرب يسجن مواطنيه. المغرب يمنع شعبه من الهرب بالقوة من سجن كبير. المغرب يضرب شبابه لأنهم يريدون مغادرة بلد الجوع…
ستختفي من الصورة كل الحواجز التي أقيمت قبل الوصول، وكل محاولات الإنقاذ، وكل التعقيد الأمني… وستبقى لقطة واحدة تتكرر ملايين المرات.
أما إذا تجنبت السلطات استعمال القوة على نطاق واسع، فالرواية المقابلة جاهزة أيضا: المغرب فتح الحدود عمدا.
هذا هو الفخ. وضع على رقعة تتغير فيها الكلفة الأمنية إلى كلفة سردية ودبلوماسية في ثوان.
والسلطات الإسبانية نفسها فوجئت بالحجم، وأقرت لاحقا بأن مؤشرات مبكرة لم تتحول إلى إنذار مناسب. مدينة لا يتجاوز سكانها نحو أربعة وثمانين ألف نسمة وجدت نفسها أمام تدفق يوازي جزءا كبيرا من سكانها في زمن قصير. لم يكن أمام أي من الطرفين زر بسيط كتب عليه أوقفوا الهجرة، ورفض الضغط عليه.
أما الأرقام، فيجب التعامل معها بحسب ما تقيسه كل جهة، لا بوصفها مباراة حسابية بين روايتين. المغرب أعلن نحو أربعين ألف دخول عاينه أو قدره في محيط الحدث، وإحدى عشرة وفاة وقعت في مياهه أو ترابه. إسبانيا أحصت أعدادا أكبر من عمليات العودة عبر معبرها، كما أعلنت وفيات وجثامين عاينتها سلطاتها في سبتة. اختلاف المجال واللحظة وطريقة العد يعني أن الأرقام لا تصف بالضرورة المتغير نفسه. وقد قالت السلطات المغربية إنها تواصل التحقق عبر قنوات التعاون الرسمية من الأعداد والهويات والجنسيات التي أعلنها الجانب الإسباني. لذلك لا يصح عرض الفرق تلقائيا بوصفه تناقضا، كما لا يصح جمع الأرقام المختلفة أو المقارنة بينها من دون تعريف ما الذي يعده كل رقم.
خلف الحسابات توجد حياة بشرية. بعض من حاولوا العبور عرفوا الخوف والجوع والإرهاق والعنف والإذلال، وبعضهم مات. التعاطف واجب، لكن التعاطف لا يفرض علينا اختراع سيرة واحدة لعشرات الآلاف.
كل رواية تختار أين تضع الكاميرا
حين نبحث عن أزمة سبتة بالإسبانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو حتى العربية، نجد الرواية الإسبانية والأوروبية في المقدمة، لأن أصحابها يملكون وكالات أكبر، وصحفا أكثر انتشارا، ومراسلين ومراكز بحث وآلة قادرة على توزيع الخبر بلغات العالم. حتى المصادر الناطقة بالعربية تحكي رواية منحازة أو محرفة ومكيفة حسب توجهات أصحابها… حيث إن الآلة الإعلامية لقنوات عابرة للقارات مثل الجزيرة أو العربية لا تحتاج إلى اختلاق واقعة لكي تؤثر. يكفي أن تختار أي واقعة تتصدر الشاشة، وأي خبير يشرحها، وأي سؤال يطرح عشر مرات، وأي سؤال لا يطرح إطلاقا.
قد لا يعني هذا أن جُل المصادر الأوروبية والعربية كاذبة. لكن يعني أنها متموضعة وغير محايدة. فالإعلام الإسباني، مثلا، ينظر إلى سبتة باعتبارها مدينة إسبانية تعرضت لأزمة. والمؤسسة الأوروبية تراها حدودا خارجية للاتحاد. واليمين الإسباني له حساباته، واليسار له أخرى، والحكومة والمعارضة تتنازعان المسؤولية والصورة. وبعض الدول العربية لها أجنداتها… فلماذا نتصرف نحن وكأن الخبر الذي يصل من مدريد أو باريس أو الدوحة نزل من السماء بلا زاوية نظر؟
كل رواية تختار أين تضع الكاميرا. ومن يملك الميكروفون لا ينقل القصة فقط… بل قد يقرر أي قصة ستصبح مهمة أصلا. وهذا بالضبط ما تعنيه نظريات “وضع الأجندة” في الإعلام.
لذلك، فإن كثرة النقد العلني لبلد ما ليست دليلا رياضيا على أنه أسوأ من بلد لا نسمع عنه شيئا. قد تعني أيضا أن الكلام فيه أوسع، وأن المجتمع المدني والصحافة أكثر حضورا، أو أنه أكثر تعرضا للضوء. وقد يدفع المغرب أحيانا كلفة سردية لانفتاحه النسبي، لأن الأصوات والصور تتدفق منه وحوله أسرع مما تتدفق من فضاءات أشد انغلاقا.
هذا لا يمنح مصادرنا الوطنية حصانة من النقد، ولا يمنح المصدر الأجنبي ختم الحياد.
هل كان كل من ذهب إلى سبتة يهرب من الفقر والجوع؟
لا. وهل يعني ذلك أن الفقر والبطالة وانسداد الأفق لا دور لها؟ لا أيضا.
الملفات الاجتماعية الحقيقية لا تحتاج إلى مبالغة. لكن الحشد لم يكن كتلة متجانسة. كان فيه قاصرون وعاطلون وعمال وموظفون والكثير من الأجانب وأشخاص قدموا من مدن بعيدة. بعضهم حمل هواتف حديثة وباهظة الثمن، والكثير منهم يتمتع بجسم رياضي وعضلات بارزة، وتمكنوا من السفر والحصول على المعلومة والانضمام إلى شبكة، وهذا يكفي لنقض صورة الجماعة الواحدة التي لا تملك ثمن الخبز.
لقد زرت مناطق جبلية وقروية نائية في المغرب ورأيت أحيانا هشاشة لا تظهر كثيرا في الصور الفيروسية. هناك أشخاص لا يملكون أصلا ثمن رحلة مئات الكيلومترات إلى الشمال، ولا شبكة تخبرهم أين يذهبون، ولا حركية تسمح لهم بالمغامرة. هؤلاء أيضا هم المغرب، لكن لا أحد يصنع لهم كل يوم فيديو بمليون مشاهدة… وهؤلاء لم نرهم ضمن “الحراكة”…
لا شك أن الفقر عامل… لكنه ليس التفسير الأول. وأنا لا أبني هذا الرأي على بضعة منشورات. فأنا أتابع منذ سنوات خطابات المثقفين والجامعيين والصحافيين والمؤثرين، وأقرأ ما يقوله المراهقون والشباب والآباء والموظفون وأشخاص من أوساط مختلفة. التعليقات ليست عينة علمية ممثلة، لكنها مقياس لحرارة الشارع الرقمي، وهو شارع لا يعكس المجتمع فقط، بل يؤثر فيه أيضا.
كما أتيح لي السفر إلى عشرات البلدان، الغنية والفقيرة، في معظم القارات باستثناء أوقيانوسيا، سواء في إطار شخصي أو مهني، وتحدثت إلى مسؤولين ومواطنين عاديين بهذه البلدان، ولمست بنفسي مكامن ضعفها وقوتها… كما أتاح لي عملي أن أرى من الداخل بعض الملفات المؤسساتية، وأن أفهم أن القرار العمومي يخضع لقيود قانونية ودبلوماسية ومالية واستراتيجية لا تظهر كلها للجمهور. لذلك، أرفض المقارنات السريعة التي تصنعها الشاشة. فالمغرب ليس جنة. لكنه ليس تلك الخرابة التي تبنيها بعض الروايات أيضا.
أوروبا المتخيلة
أوروبا التي تظهر على تيك توك وإنستغرام ليست أوروبا التي يعيشها المهاجر في نهاية الشهر.
الشاشة تعرض السيارة، ولا تعرض القرض. تعرض الرحلة، ولا تعرض ساعات العمل الطويلة. تعرض الراتب باليورو، ولا تعرض الإيجار والضرائب والوثائق. تعرض الحرية، ولا تعرض الوحدة والفشل والانتظار.
نرى أفضل خمس عشرة ثانية من حياة الآخر، ثم نقارنها بأسوأ أربع وعشرين ساعة من حياتنا. فكيف سنربح المقارنة؟
ولهذا أتعامل بشيء من السخرية مع خطابات تصدر من بلدان بعيدة جغرافيا عن أوروبا وتسأل بخبث لماذا يحاول مغاربة العبور. الجواب لا يحتاج إلى أطروحة كاملة: لأن أوروبا عند عتبة بيتنا. للمغرب حدود مباشرة مع المجال الأوروبي في الشمال، وضفة أخرى يمكن رؤيتها بالعين. ولو نقلنا حدود الاتحاد الأوروبي إلى أبواب بعض العواصم العربية التي تسخر منا اليوم، لهرب معظم سكانها، بما فيهم الشوفينيون منهم وحتى كبار مسؤوليهم.
القرب لا يفسر كل شيء، لكنه يجعل الحلم قابلا للتصور والتنفيذ بطريقة لا تتوفر لسكان بلدان تفصلهم عن أوروبا صحارى وبحار ودول كاملة وسنوات ضوئية من التنمية.
المغرب الذي يرفع الإيقاع
حين أنظر إلى المغرب خلال السنوات الأخيرة، تتبادر إلى ذهني صورة عداء في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، من قبيل سعيد عويطة أو هشام الكروج.. عداء لا يظهر في البداية وسط الكوكبة أو خلفها، حتى نظن أنه لن يتقدم السباق أبدا، لكنه يراقب ويوزع جهده وينتظر اللحظة المناسبة ليرفع الإيقاع… لا يحتاج إلى الصراخ منذ الأمتار الأولى، ولا إلى الالتفات في كل لحظة نحو المدرجات ليتأكد أن الآخرين رأوه. يثبت خطوته، يراكم المسافة، حتى يبدأ الفارق في الظهور… ثم يأتي المنعطف الأخير، فيغير سرعته فجأة، ويتقدم تاركا باقي العدائين خلفه في ذهول…
في حالة المغرب، السباق لم ولن ينتهي، والتنمية أصلا لا تعرف خط نهاية. كل مرحلة تفتح أمام البلد مرحلة أخرى وتحديا جديدا.
لكن من يتابع ما ينشر عن المغرب من خلال بعض الحسابات على شبكات التواصل قد يظن أنه أمام بلد لا ينتج شيئا ولا يبني شيئا ولا يتقدم خطوة. مثل هذه المنشورات قد تصدر من ذباب إلكتروني مجيش من بعض الأعداء الخارجيين المفلسين فكريا وأخلاقيا واقتصاديا، وقد تصدر أحيانا من مواطنين جالسين بمقهى مكيف، بواسطة هاتف من الجيل الأخير، وعبر شبكة ألياف بصرية أنشأها البلد الذي يعلنون وفاته كل صباح.
الأرقام، لحسن الحظ، أكثر إنصافا. فحسب تقرير البنك الدولي، الصادر في يوليوز 2026، حقق الاقتصاد المغربي نموا بنسبة تقارب 4.9 في المائة سنة 2025، وهي أقوى وتيرة خلال 10 سنوات، وتراجع التضخم إلى 0.8 في المائة، واستعاد المغرب تصنيفه السيادي ضمن درجة الاستثمار. وهذا التصنيف لا تمنحه وكالة دولية اعتباطا، بل يلخص تقديرها لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وصلابة مؤسساتها وتوازناتها المالية وآفاق اقتصادها.
وأبرز ما يفسر هذا التحول أن المغرب لم يبن منشآت متفرقة، بل منظومة اقتصادية وصناعية ولوجستيكية تتصل عناصرها ببعضها. فطنجة المتوسط، مثلا، لم يضف رصيفا كبيرا إلى الساحل فحسب، وإنما غيّر وظيفة المغرب داخل التجارة الدولية. لم يعد البلد واقفا على ضفة المتوسط يراقب السفن تعبر أمامه، بل صار يستقبلها ويوجهها ويربط حمولتها بالمصانع والمناطق الصناعية والأسواق، عبر شبكة من الطرق والطرق السيارة والسكك والمطارات والموانئ يجري توسيعها باستمرار. ومن المنطق نفسه خرج القطار فائق السرعة، وتوسعت شبكات النقل الحضري، وتأتي مشاريع 2030 لتسرع تجهيزات كان البلد يحتاج إليها أصلا، على أن تقاس قيمتها بما سيبقى للمواطن بعد انتهاء المباريات، لا بما سيلتقطه الزائر من صور خلالها.
ومن حولِ هذه البنية نشأت صناعة سيارات تضم مصانع كبرى ومئات الموردين وشبكات للتكوين، وتنتقل تدريجيا نحو السيارة الكهربائية والبطاريات ومكوناتها. وصناعة الطيران أكثر حساسية في هذا الباب، فحين تختار شركات عالمية تصنيع جزء من منظومتها في المغرب، فهي تضع جزءا من سمعتها وسلامة منتجها وجدول تسليمها في يد المنظومة المغربية. ويكتمل هذا النظام بقطب مالي في الدار البيضاء حافظ على صدارته الإفريقية، وببنوك وشركات اتصالات وتأمين وأسمدة وبناء وخدمات راكمت حضورا داخل القارة.
لكن القوة لا توجد في الموانئ والمصانع وحدها. ففي عالم تتقلب فيه سلاسل الإمداد وتهدد الحروب والجفاف أسعار الغذاء، يصبح الفوسفاط أحد مفاتيح الأمن الغذائي العالمي. والمغرب، الذي يملك أكبر احتياطات الفوسفاط المعروفة عالميا، بنى حوله صناعة للأسمدة ومراكز للبحث وخبرة في تكييف التركيبات مع التربة والمحاصيل وحضورا إفريقيا متزايدا.
وبما أن المغرب لا يملك احتياطات كبيرة من النفط والغاز، اضطر إلى البحث عن قوة من نوع آخر: الشمس والرياح والربط الكهربائي ومشاريع الهيدروجين الأخضر. كما تحولت تحلية المياه وربط الأحواض وبناء السدود وإعادة استعمال المياه العادمة وتقليص ضياع الشبكات إلى عناصر من الأمن القومي، لا سيم أن المغرب يمتلك قطاعا فلاحيا مهما.
كما أصبح المغرب يتصدر الوجهات الإفريقية فيما يخص السياحة، متقدما على منافسيه التاريخيين، فالمغرب يقدم داخل بلد واحد تنوعا جغرافيا وثقافيا ولغويا وعمرانيا قل نظيره، فضلا عن شبكة المطارات والطرق والقطارات، والاستقرار والأمن، والقرب من أوروبا، وثقافة الاستقبال، ثم ملايين المغاربة الذين يحملون صورة بلدهم إلى الخارج. ثم جاءت كرة القدم لتوسع القوة الناعمة نفسها: بلوغ مراتب متقدمة وتقديم صورة مشرفة في منافسات قارية وعالمية، وحضور متزايد للأندية والمنتخبات واللاعبين المغاربة.
ومن القوة الناعمة نصل طبيعيا إلى الدبلوماسية. فالمغرب راكم، خصوصا في ملف الصحراء، تحولات في مواقف دول وافتتاح قنصليات ودعما متزايدا لمبادرة الحكم الذاتي، وربط حضوره في إفريقيا بالاستثمار والتكوين والتعاون الديني والأمني، لا بالخطب وحدها. وقد يختلف تقييم كل خطوة، لكن ميزة السياسة الخارجية المغربية أنها لا تبدأ من الصفر كلما تغيرت الحكومة. ففي القضايا السيادية توجد ذاكرة للدولة واستمرارية في الاتجاه، وقدرة على التعامل مع شركاء متعارضين من دون تبني مواقفهم كاملة.
غير أن هذا لا يعفي المغرب من النظر إلى ما لم ينجح فيه بعد. فالتعليم والصحة يظلان، رغم محاولات الإصلاح، المجالين اللذين يشعر فيهما المواطن بوضوح بالفجوة بين الإنجازات والأعطاب.
كما يمتلك المغرب رصيدا أمنيا لا يستهان به. فقد راكمت أجهزته خبرة في تفكيك الخلايا الإرهابية وتتبع المقاتلين والشبكات العابرة للحدود، وساهمت في إحباط مخططات داخل دول شريكة.
ولقد طور المغرب قدراته الدفاعية الجوية والبرية والبحرية، ويواصل تحديث المراقبة والدفاع والصيانة ومحاولة بناء قاعدة صناعية محلية. والقوة لا تظهر فقط في سلاح يوجه إلى عدو، ولكنها تظهر أيضا حين تستعمل الطائرة لحماية قرية وغابة من النار. ويمنح أسطول طائرات كانادير ووسائل التدخل الجوي الأخرى البلد قدرة على اختصار الساعات الحاسمة بين اندلاع الحريق وتحوله إلى كارثة.
وخارج الحدود، يشارك أكثر من 1300 عنصر مغربي في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، أي أن المغرب لا يتحدث عن الاستقرار فقط، بل يدفع جزءا من كلفته. والمنطق نفسه يفسر مقاربته في فلسطين. فبصفته رئيسا للجنة القدس، لطالما وجه مساعدات غذائية وطبية إلى غزة والضفة، وواصل عبر وكالة بيت مال القدس عملا يوميا داخل المدينة. والأهم أن علاقاته مع إسرائيل، مهما أثارت من اعتراضات، منحته قنوات أتاحت مرور مساعدات عبر مسار بري استثنائي، بدل الاكتفاء بإسقاطها من الجو أو تكرار الشعارات. فالعلاقة الدبلوماسية قد تكمن قيمتها تحديدا في إبقاء باب يمكن أن تمر منه مساعدة أو وساطة أو رسالة حين تغلق الأبواب الأخرى.
ففي السياق ذاته، يمكن لإسبانيا أن تعلن دعمها الشفوي لفلسطين وحتى أن تقدم مساعدات… هذه هي السياسة التي اختارها اليوم الحزب الحاكم… لكن هذا لا يمنع من أن نكشف التناقض بين خطاب إسباني مناهض للاحتلال والتمسك بسبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة ورفض فتح ملف هذا الإرث على الضفة الجنوبية للمتوسط. كما يحق للمغاربة أن يتعاطفوا مع الفلسطينيين ومع ضحايا الحروب في اليمن وإفريقيا وأوكرانيا وغيرها، من دون أن تتحول أي قضية خارجية إلى امتحان دائم لوطنيتهم، أو توضع فوق الصحراء المغربية وسبتة ومليلية وتنمية جبالهم وكرامة مواطنيهم. قوة الموقف المغربي ليست في الضجيج، بل في استمراره وفي محاولة الجمع بين التضامن والمصلحة الوطنية.
لا تجتمع هذه العناصر لتقول إن المغرب صار قوة “ضاربة”، ولكنها تقول شيئا أبسط: هذا بلد يرفع الإيقاع، ويوسع موقعه في الصناعة والتجارة والمال والسياحة والدبلوماسية والأمن، ويبني لنفسه وظائف لم تكن له قبل عقدين.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فحين يجذب طنجة المتوسط خطا ملاحيا أو حصة من تجارة المضيق، لا يحدث ذلك في فراغ: موانئ الجزيرة الخضراء وفالنسيا وغيرها تراقب التحول لأنها تعمل في المجال البحري نفسه. وحين يجذب مصنع مغربي استثمارا، فهو ينافس مواقع في جنوب إفريقيا وتركيا ومصر وأوروبا الشرقية وغيرها. وحين تتوسع البنوك والمقاولات المغربية في إفريقيا، تدخل أسواقا تتنافس فيها قوى إفريقية ودولية، من جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر إلى فرنسا وقوى خليجية وصينية. وحين يعزز المغرب حضوره في غرب إفريقيا والساحل، فإنه يملأ جزءا من مساحات يتراجع فيها نفوذ فرنسي قديم ويصطدم بمصالح جزائرية تعتبر المنطقة امتدادا استراتيجيا لها.
العلاقات الدولية ليست حفلا مدرسيا توزع فيه الميداليات على الجميع كي لا يحزن أحد.
أي أن نجاحنا، ببساطة، ليس خبرا سعيدا للجميع… ليس لأن العالم يستيقظ كل صباح وهو يفكر فينا، فنحن لسنا مركز الكون إلى هذه الدرجة المريحة. بل لأن الاقتصاد والسياسة يقومان على المصالح والمنافسة. في السباق، إذا بدأت تبتعد عن الكوكبة، لن يصفق لك كل من يركض بجانبك. قد يحاول منافس رفع سرعته، وهذا حقه. وقد يحاول آخر أن يجذب قميصك أو يضع قدمه أمامك.
وهنا يبدأ الفرق بين المنافسة المشروعة والتخريب. هناك منافسة مشروعة، وهناك ضغط، وهناك تضليل، وقد يوجد تخريب. والفرق بينها لا تحدده العاطفة، بل الوقائع والتحقيق وتتبع المصالح.
المغرب لا يحتاج إلى أسطورة كي ندافع عنه. تكفيه قصته الحقيقية، إذا عرف كيف يحكيها.
الكرم شيء… والاستباحة شيء آخر
هناك سمة في الشخصية المغربية نتشبث بها جميعا… إكرام الضيف.
نضع أمامه أحسن ما في البيت، ونبالغ أحيانا في إكرامه حتى على حساب أنفسنا.
لكن هذه الخصلة الجميلة تصبح خطرة عندما ننقلها حرفيا إلى العلاقات الدولية.
في السياسة الدولية، لا أحد يوزع المحبة مجانا. ولا قوة تقود سياستها الخارجية بدافع الإيثار وحده.
من الجميل أن يدعم المغرب الدول والشعوب “الصديقة” أو “الشقيقة”، بما فيها فلسطين أو كل قضية عادلة، وأن يظل في الوقت نفسه واضعا مواطنيه والصحراء المغربية وسبتة ومليلية وجباله ومصالحه الاستراتيجية في قلب أولوياته. يمكن أن نكون إنسانيين ومغاربة في آن واحد. فالكرم ليس أن تعطي الضيف مفتاح البيت ثم تنام أنت في الشارع.
وإسبانيا ليست عدوا نحتاج إلى اختراعه. بين البلدين مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية كبرى، وتعاونهما ضرورة. لكنها دولة لها مصالحها وصراعاتها الداخلية وحساسياتها الترابية. وفي لحظة الأزمة، قد يصبح المهاجر المغربي مادة في معركة بين حكومة ومعارضة، أو بين مدريد وسبتة، أو داخل الجدل الأوروبي. الاعتراف بذلك ليس عداء لإسبانيا، بل خروج من طفولة العلاقات الدولية.
العقلية المؤامراتية شيء… ووجود المؤامرات شيء آخر
سبق أن كتبت ضد العقلية المؤامراتية، وما زلت عند موقفي. العقلية المؤامراتية تجعل المؤامرة جوابا جاهزا لكل سؤال. فشلنا؟ تآمروا علينا. أخطأنا؟ دسوا لنا السم. لم ننجح؟ لأن العالم يخاف منا. هذا التفكير مريح، لأنه يعفينا من النظر في المرآة.
لكن نقد عقلية المؤامرة لا يعني الإيمان بعالم وردي لا يتآمر فيه أحد على أحد. الدول تتجسس، والأجهزة تخطط، والشركات تناور ضد منافسيها، وشبكات الجريمة المنظمة تنسق عملياتها، والقوى السياسية تستعمل الخداع والتضليل. كل هذا جزء موثق من التاريخ السياسي للبشر.
الفرق بالنسبة لي بسيط: المؤامراتي يبدأ بالمؤامرة ثم يبحث عن الأدلة. التفكير النقدي يبدأ بالوقائع، ثم يختبر عدة فرضيات، من بينها احتمال وجود تخطيط أو تدخل خارجي.
وفي إدارة المخاطر، لا تكفي نسبة الاحتمال وحدها. قد تستحق فرضية ضعيفة الاحتمال الفحص إذا كان أثر تحققها شديد الخطورة. لذلك أرفض أن نقول نظرية مؤامرة كلما ظهر خيط غير مريح، كما أرفض أن نحول كل خيط إلى حكم نهائي.
المشكلة ليست قادمة فقط من الخارج
الخطر الخارجي لا يفعل الكثير إن لم يجد ثغرة يدخل منها.
لدينا معارض صادق، وصحفي يكشف خللا، ومواطن غاضب من قرار. هؤلاء ليسوا أعداء الوطن. النقد الجاد يخدم المغرب لأنه يكشف العطب قبل أن يصير مرضا مزمنا.
ولدينا أيضا من يبحث عن “البوز”، ومن تُحرِّكه الشعبوية، ومن يضخم كل واقعة ليحصد المشاهدات، ومن يقوده تعصب أيديولوجي، ومن يخلط بين معركته مع مسؤول وكرهه للمؤسسة، ومن يردد رواية معادية بسذاجة، ومن يفعل ذلك لقاء منفعة، ومن ينسق بوعي مع مصالح أجنبية ضد مصالح بلده. هذه دوافع مختلفة، ولا تتحمل الدرجة نفسها من المسؤولية.
الوزير يرحل، والمدير يتغير، والموظف الفاسد قد يحاسب أو يتقاعد… أما المؤسسة والوطن فليسا ذلك الشخص.
لا أحرق البيت لأنني أكره واحدا من سكانه.
وحين ينتقل الأمر إلى خدمة واعية لمصلحة أجنبية بقصد الإضرار بالمصالح الأمنية أو الدبلوماسية أو الترابية للمغرب، أسمي ذلك خيانة بالمعنى الأخلاقي والسياسي، حتى لا أسميها خيانة بمعناها القانوني، والتي تعتبر جريمة لها أركان يحددها القانون، ولا يحق لأحد أن يستعملها لقمع رأي أو إسكات نقد.
الوطن أكبر من غضب شخصي ومن مظلمة شخصية ومن طموح شخصي.
السياسة ليست بثا مباشرا على إنستغرام
المواطن يرى القرار النهائي. أما الدولة فقد ترى في اللحظة نفسها التزاما قانونيا، وحليفا، وضغطا دبلوماسيا، وميزانية، ومعلومة أمنية لا يمكن نشرها، ومقايضة، ومكسبا لن يظهر قبل سنوات.
تتراجع الدولة أحيانا خطوة لكي تتقدم خطوتين. وهذا لا يمنح المؤسسات شيكا على بياض. لكنه يجعلني أبتسم حين أقرأ منشورا من أربعة أسطر يشرح للدولة ما كان يجب أن تفعله، وكأن العلاقات الدولية لعبة فيديو لها زر واحد صحيح.
قد أكون أنا أيضا لا أعرف سوى جزء مما يقع خلف الستار… لكنني على الأقل أعرف أن هناك ستارا.
ومع ذلك، لا تستطيع الدولة أن تطلب من المواطن الثقة الصامتة إلى ما لا نهاية. السرية قد تكون ضرورية، أما الفراغ المعلوماتي فهو خطير. والفراغ لا يبقى فارغا، بل يؤجر بسرعة لمن يصل أولا.
من نشرة الثامنة إلى الزمن الخوارزمي
المغرب يملك دبلوماسيين جيدين، وأجهزة راكمت خبرات مهمة، ومؤسسات تدبر ملفات شديدة التعقيد. لكننا ما زلنا أحيانا نتواصل بعقلية نشرة الثامنة. لقد انتهى ذلك العصر.
فيديو من عشرين ثانية قد يصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن ينتهي المسؤول من مراجعة الفقرة الثانية من بلاغه. والخوارزمية لا تسأل: هل هذا صحيح؟ بل تسأل: هل سيجعلك تتوقف عن تمرير أو مشاركة المحتوى أو الخبر؟
لا يكفي أن نصف المؤثر السطحي بالتافه ثم نطمئن إلى تفوقنا الأخلاقي. إذا حرك محتواه سلوكا جماعيا، صار فهمه مسألة عامة. يجب أن ندرس لماذا يصل… يجب أن ندرس الإيقاع، واللغة، والعاطفة، والسرد، والتكرار، والقرب، والإحساس بالأصالة، ومعرفة الجمهور…
بالتأكيد، ليس الهدف أن تقلد الدولة الرداءة، بل أن تتوقف عن مخاطبة الهاتف الذكي كما لو كان جهاز تلفاز من سنة 1985.
عقيدة وطنية للسيادة المعلوماتية والمرونة المجتمعية
المغرب لا يحتاج إلى مؤسسة جديدة تحمل اسما فخما ومكاتب كثيرة وتكتشف بعد أول أزمة أن كلمة المرور عند موظف في عطلة. ولكنه يحتاج إلى وظيفة دائمة، وقيادة واضحة، ومسار قرار قصير، وربط بين الموجود بدل إضافة طبقة بيروقراطية أخرى.
لذلك، قد يكون من المجدي خلق نواة دائمة مشتركة ترتبط برئاسة الحكومة على المستوى السياسي، وتشتغل مهنيا مع قطاعات الداخلية والخارجية والاتصال والعدل والدفاع والأمن السيبراني والقطاعات المعنية بكل أزمة. لا تجمع المعلومات الاستخباراتية السرية في منصة إعلامية، ولا تحول التواصل الحكومي إلى فرع أمني. وظيفتها هي جمع الصورة العامة، والتحقق، وتوزيع المسؤوليات، وضمان ألا تتحدث خمس جهات بخمس حقائق متعارضة.
قبل الأزمة، ينبغي أن تعمل منظومة إنذار مبكر متعددة اللغات. ترصد الدارجة والعربية والأمازيغية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات حسب الحاجة، وتتابع السرديات والسلوك المنسق وانتقال المحتوى بين المنصات، في حدود القانون وبالتركيز على الفضاء العام والمؤشرات المجمعة لا على مراقبة الحياة الخاصة للمواطنين، بحيث يكون لديها سلم واضح لرفع الإشارة: محلل يرصد، وفريق يتحقق، ومسؤول مناوب يقدّر الخطر، ثم لجنة مصغرة تقرر خلال ساعات لا أيام.
وقد تعمل إلى جانبها “فرق حمراء”. وقبل حدث حساس أو تظاهرة رياضية أو قرار دبلوماسي أو حكم قضائي، تجلس مجموعة لا لتجامل أصحاب القرار بل لتزعجهم بالأسئلة الصحيحة من قَبيل: لو كنتُ خصما للمغرب، أي ثغرة سأستغل؟ وأي صورة سأنتظر؟ وأي جملة سأقتطع من سياقها؟ وما السيناريو ضعيف الاحتمال الذي ستكون كلفته هائلة؟
ثم يأتي التحصين المسبق “debunking”… بحيث لا ننتظر أن تستقر الإشاعة في الذاكرة قبل تصحيحها. وإنما نشرح مسبقا التقنية التي قد تستعمل للتلاعب، ونقدم نسخة مبسطة من المعلومة الصحيحة. لقد أظهرت تجارب واسعة أن مقاطع قصيرة تحذر من أساليب مثل الاستقطاب العاطفي والثنائيات الزائفة قد تحسن قدرة الجمهور على تمييز التضليل. لكنها ليست لقاحا أبديا لأن أثرها يضعف مع الوقت، ويختلف باختلاف الجمهور والثقة في المصدر، ولذلك تحتاج إلى تكرار وتكييف واختبار محلي.
وأثناء الأزمة، نحتاج إلى عقيدة الرسالة الأولى. فخلال الساعة الأولى، لا ندّعي معرفة ما لا نعرفه. لكننا نقول ما هو مؤكد، وما لم يتأكد، وما الذي يجري التحقق منه، ومتى ستصدر المعلومة التالية. وبعد ذلك تأتي تحديثات منتظمة تحمل توقيتا واضحا. السرعة هنا لا تعني التهور، بل منع الفراغ.
ولكل جمهور لغته وشكله. تنبيه قصير بالدارجة للشباب. شرح بالعربية والأمازيغية للجمهور الوطني. معطيات دقيقة بالإسبانية مثلا للرأي العام القريب. رسائل بالفرنسية والإنجليزية للشركاء والصحافة الدولية. فيديو قصير للخبر العاجل، وورقة قانونية كاملة للصحافي والباحث. لا قداسة للشكل… المهم أن تصل الحقيقة في الوقت الذي لا تزال فيه قادرة على المنافسة.
ولا نحتاج إلى جيش أبواق يقرأ النص نفسه. نحتاج إلى شبكة موزعة من المصداقية: صحافيون مستقلون، وأساتذة، وباحثون، وأطباء، ورياضيون، وفنانون، وفاعلون محليون، ومغاربة العالم، وصناع محتوى. تقدم لهم البيانات القابلة للتحقق ومصادرها، لا جملة موحدة للحفظ.
وفي المدرسة، لا تكفي حصة موسمية عن مخاطر الإنترنت. نحتاج إلى تعليم عملي حول فحص المصدر، والصورة المفبركة، والإحصاء المضلل، والمنطق، والخوارزمية، والتحيزات المعرفية، والتزييف العميق. ونحتاج بالتوازي إلى معرفة هادئة بتاريخ المغرب وتنوعه ومؤسساته، لا تلقينا وطنيا أجوف. الهوية الصلبة ليست ترديد شعارات، بل القدرة على فهم البلد بقوته وجراحه وتناقضاته.
أما شبكات التهريب، فتواجه أمنيا وقضائيا وماليا ورقميا ودوليا. تتبع الأموال والوسطاء والإعلانات والمركبات ونقط الإيواء والخطوط والمجموعات المغلقة، مع أوامر قضائية وتعاون مع المنصات والشركاء. حيث يتم محاربة الجريمة لا الرغبة، مع الفصل بين الضحية والمنظِّم.
وخارج الحدود، ينبغي أن تتحول الدبلوماسية الاقتصادية والجامعية والإعلامية إلى جزء من المناعة. فالشراكات والاستثمارات ومراكز التفكير والجامعات والجالية ليست زينة للقوة الناعمة. وإنما هي قنوات تضمن أن الرواية المغربية لا تصل إلى العالم في صيغة بلاغ مترجم بعد أن تكون العناوين قد استقرت.
لكن لا اتصال يعوض الواقع. لا تستطيع أجمل حملة أن تخفي مدرسة ضعيفة أو ظلما مستمرا أو غياب الأفق. المدرسة والصحة والعمل والعدالة والحركية الاجتماعية والإنصاف الترابي ليست ملحقا اجتماعيا بالعقيدة المعلوماتية، بل أساسها. التواصل لا يحل محل الإصلاح، لكنه يمنع فقط أن يتحول الفراغ السردي إلى مضاعِف للأعطاب الحقيقية.
وبعد الأزمة، يجب أن ينجز تقييم مكتوب لا طقس مجاملة. ما الإشارات التي تجاهلناها؟ من تكلم أولا؟ لماذا صدقه الناس؟ كيف انتقلت الرواية؟ أي فئة لم نصل إليها؟ ما الرد الذي نجح؟ من اتخذ القرار وفي أي وقت؟ وما الذي سيتغير قبل الموعد المقبل؟
هذا هو الفرق بين دولة تطفئ الحرائق كل مرة… ودولة تعرف أين يمكن أن تشتعل.
ولكي لا تتحول مقاومة التضليل إلى ذريعة للرقابة العامة، يلزم قانون واضح ورقابة قضائية وبرلمانية، ومعايير منشورة للتدخل، وفصل بين الرأي المخالف والسلوك المنسق غير المشروع. الدولة الواثقة لا تخلط بين الناقد والعدو. وحماية المجتمع من التلاعب لا تكون بتعطيل الحرية التي نزعم حمايتها.
الملكية… ضمانة وليست مجرد رمز
موقفي من الملكية المغربية ليس عاطفيا ولا انتهازيا… هو موقف براغماتي.
أنظر إلى منطقة عرفت الانقلابات والحروب الأهلية والانهيارات وتفكك المؤسسات، وأسأل ما الذي وفر للمغرب الاستمرارية والتحكيم وبقاء الدولة فوق تغير الحكومات والأشخاص. بالنسبة إلي، كانت الملكية ولا تزال مركز ثقل. والدستور يجعل الملك ممثل الأمة الأسمى ورمز وحدتها، وضامن دوام الدولة واستمرارها.
يمكن أن نطالب بحكومة أفضل، وبرلمان أقوى، وإدارة أكثر كفاءة، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، ومزيد من الديمقراطية… من دون أن نهدم السقف الذي يسمح لنا أصلا بإجراء هذه الإصلاحات داخله.
وأنا لا أرى تناقضا بين التطور الديمقراطي وبين المحافظة على الملكية. فالاستقرار ليس نقيض الحرية، ولكن هو الأرض التي يمكن أن تبنى فوقها هذه الحرية من دون أن يسقط البناء كله.
سبتة كانت إنذارا
سبتة لم تكن مجرد موجة هجرة. كانت مختبرا مكثفا للقرن الحادي والعشرين.
معلومة قانونية تحولت إلى إشاعة… إشاعة أصابت رغبة كامنة… صورة خفضت الإحساس بالخطر… خوارزمية وسعت الرسالة… مجموعات مغلقة نسقت الحركة… مجندون صغار جمعوا الخلايا… شبكات جريمة رأت سوقا مربحة… شعبوية انتهازية داخلية وجدت مادة جاهزة… وسائل إعلام اختارت كل منها موضع الكاميرا الذي يناسبها… ثم وجدت دولتان نفسيهما تديران الحدود والإنقاذ والصورة والرأي العام في الوقت نفسه.
قد لا يوجد عقل واحد خطط لكل تفصيل. التنظيم الأفقي نفسه قد ينتج فعلا جماعيا من دون قائد أو غرفة واحدة. وهذا ما يجعل الحركات الرقمية أسرع وأكثر مرونة، كما يجعلها قابلة للتضخيم والاختراق والاستثمار من فاعلين مختلفين.
ربما حدثت أزمة جيل z في سياق مختلف، لكن الأزمتين تقولان شيئا مشتركا: الخلافات والحروب أصبحت تشن اليوم بوسائط جديدة… قد تبدأ في مجموعة واتساب، وفي صورة، وفي خبر محرّف أو مبتور، وفي شعور جمعي يجد فجأة موعدا ومكانا.
المغرب يتحرك إلى الأمام. وكلما بدأ يبتعد عن الكوكبة، سيصبح أكثر وضوحا لمن يريد أن يجذبه من قميصه.
لا نستطيع منع كل يد من المحاولة. لكن نستطيع أن نحمي مسارنا، وأن نُحكِم ربط حذائنا، وأن نرى الحفرة قبل أن نصل إليها… والأهم ألا تكون اليد التي تسقطنا من داخل فريقنا.
سبتة ليست حجة لكي نخاف من شبابنا أو نصادر الكلام. هي حجة لكي نفهم مجتمعنا قبل أن يفهمه من يريد استعماله، ونصل إلى مواطنينا قبل الإشاعة، ونصل إلى العالم قبل أن يكتب عنا بالنيابة.
البلد الذي يتأخر في رواية حكايته، سيجد نفسه في النهاية يقرأها بقلم غيره.
أكثر شيء شدني هو موضوع الشباب والهجرة. دائما نفسر الحريك بالفقر، وكأن كل من يفكر في أوروبا لا يجد ما يأكل. المسألة أعقد بكثير، تدخل فيها صورة النجاح في الخارج، المقارنة، الإحباط، التقليد، المغامرة، ضغط الأصدقاء… كلها تدخل في الموضوع
تحليل محترم ومجهود واضح. سواء اتفقنا مع كل التفاصيل أو لا، هذا النوع من المقالات يجعل الإنسان يفكر بدل أن يكتفي بعنوان وفيديو من 20 ثانية.
صحبح. أعتقد أن أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس الهجرة نفسها، بل سهولة نقل آلاف الأشخاص من حالة الانتظار إلى حالة الفعل بواسطة الهاتف. نحن أمام تحول اجتماعي حقيقي لم تستوعبه المؤسسات بعد.
أنا مقيم في أوروبا منذ سنوات، وأحمل شهادات عليا، وأؤكد أن صورة أوروبا على مواقع التواصل بعيدة جدا عن الحياة اليومية هنا. هناك فرص طبعا، لكن هناك أيضا ضغط وغلاء سكن وعنصرية أحيانا وعمل شاق. أتمنى أن يفهم شبابنا أن الهجرة مشروع حياة ولا يمكن أخذ القرار بسبب تأثير مجموعات التواصل الاجتماعي. ومن الأحسن الذهاب إلى أوروبا بدبلوم مهم او للدراسة وليس بالحريك.
Un aspect mériterait même un article à lui seul : l’éducation aux médias. Nous mettons des smartphones extrêmement puissants entre les mains d’adolescents sans leur avoir réellement appris comment une image, une statistique ou un témoignage peuvent les manipuler. Excellente analyse
أتابع النقاشات السياسية منذ سنوات، وبالفعل ما أراه أن جزءا من أزمتنا هو فقدان المنطقة الوسطى. يعني إما أن تكون مع كل شيء أو ضد كل شيء. هذا المقال يحاول استعادة حق الإنسان في أن يقول: هنا نجحنا، هنا أخفقنا، وهنا لا أملك معطيات كافية للحكم.
خرجت من المقال بفكرة ربما تتجاوز سبتة كلها: السيادة في عصرنا لم تعد فقط حدودا وجيشا واقتصادا. هناك أيضا سيادة على المعلومة وعلى صورة البلد وعلى قدرة المجتمع نفسه على ألا يتحول بسهولة إلى أداة في يد من يفهم نقاط ضعفه أكثر منه.
مقال غني جدا، والأهم أنه لا يتعامل مع القارئ كأنه مطالب بالاختيار بين الأبيض والأسود. يمكن أن تكون للبلد مشاكل حقيقية، ويمكن في الوقت نفسه أن يكون مستهدفا بحملات أو مصالح خارجية. الأمران لا يتناقضان.
الأفكار الواردة في النص تستحق كل الاهتمام و خصوصا حب الوطن . فمن بين ما يختص به المغاربة عامة هو الشعور الدائم عندهم بانتمائهم لوطنهم و خصوصا عندما يتواجدون خارجه. فقد يعيش مغربي معظم حياته كمهاجر كيفما كانت طريقة هجرته لكن العودة إلى بلده يبقى دائما متمسكا بها.
بصراحة بدأت القراءة وأنا متحفظ لأنني لا أحب كثيرا الخطاب الوطني عندما يتحول إلى تبرير لكل شيء. لكن المقال فاجأني لأنه ينتقد اختلالات المغرب بوضوح، وفي الوقت نفسه يرفض جلد الذات الذي أصبح عند البعض رياضة يومية. توازن موفق
“As long as control depends on the goodwill of one neighbouring state, we remain… vulnerable”
“طالما أن السيطرة تعتمد على حسن نية دولة مجاورة واحدة، فإننا نظل… عرضة للخطر”
Magnus Brunner
(مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة.)
(هذا يوضح أن موقع المغرب الاستراتيجي يمنحه قوة تفاوضية، وهو ما يشكل “نعمة” في يد الدولة.)
أيتها الكاتبة،
قرأت مقالك الذي يضع المغرب عند ملتقى الطرق بين نعمة الموقع ولعنة الاستهداف، وأتفق أن الأزمة ليست في الهجرة بقدر ما هي في السراب الذي يباع للشباب عبر شاشات لا ترحم. سبتة كانت إنذاراً بأن الحروب الرقمية لا تنتظر بلاغاتنا الرسمية، لكن الخطر الأكبر أن نظل نعالج الأعراض ونهمل بناء مناعة مجتمعية تبدأ من المدرسة وتنتهي عند صناعة محتوى وطني ينافس الخوارزميات بلغتها. صحيح أن من يتأخر في رواية حكايته يقرأها بقلم غيره، لكن الأصعب أن تملك الحكاية الأجمل ولا تجد من يرويها بإتقان، فما دمنا نعرف أننا أكثر من مجرد أرقام في موجات الهجرة، فلنصنع لأنفسنا سرداً يوازي تاريخ جبل إيغود وعظمة طنجة المتوسط، بدل أن نظل ندافع عن وجودنا وكأننا ضيوف في أرضنا.
ALHOCEIMA
من أكثر الأفكار التي تستحق التوقف عندها في المقال التمييز بين حب الوطن والنقد الأعمى له، فعبارة هناك فرق بين أن تنتقد بيتك لأنك تريد إصلاحه، وبين أن تساعد من يتربص به على إسقاط سقفه فوق رؤوس ساكنيه تختصر إشكالية حقيقية في النقاش العمومي، ألا وهي كيفية الحفاظ على الحس النقدي دون أن يتحول النقد إلى عداء للذات الجماعية؛ وفي المقابل، كيفية حماية الوطنية من أن تتحول إلى ذريعة لإسكات النقد، فما أعجبني في المقال هو أنه لا يقدم الوطنية باعتبارها بديلا عن النقد، بل باعتبارها أحد دوافعه.
لفتني كثيرا مفهوم استبداد الرأي السائد وربطه بـما سمته صاحبة المقال دوامة الصمت، فهذه النقطة تتجاوز موضوع وطننا الغالي نفسه لأنها تمس طبيعة النقاش في عصر المنصات الرقمية. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود رقابة رسمية على الكلام، بل أحيانا في وجود عقوبة اجتماعية ورقمية يمارسها الجمهور نفسه؛ فالتردد في التعبير عن رأي لأنك تعرف مسبقا أنه سيضعك في خانة ما يعرف بالعياشة أو الزلايجية أو غيرها يعني أن حرية التعبير قد تكون موجودة قانونيا لكنها تصبح مكلفة اجتماعيا.
قضية سبتة ومليلية ليست مجرد مسألة حدود، بل قضية تاريخ وسيادة ووعي. لكن الوعي الحقيقي لا يكون بالشعارات فقط، بل بفهم التاريخ والقانون والواقع الجيوسياسي، والعمل على بناء قوة اقتصادية ودبلوماسية تجعل المغرب قادرًا على الدفاع عن مصالحه على المدى البعيد.
أجد فقرة الهوية من أهم أجزاء المقال، خصوصا عبارة «فالطفل الذي لا يعرف جيدا من يكون سيجد دائما من يأتي ليخبره من يكون»؛ فالهوية هنا لا تُطرح باعتبارها انغلاقا أو رفضا للآخر، بل باعتبارها شرطا للانفتاح المتوازن عليه، وهذه فكرة مهمة جدا في الحالة المغربية تحديدا لأن قوة الهوية المغربية تاريخيا جاءت من قدرتها على استيعاب روافد متعددة وإعادة صهرها لا من الانغلاق عليها.
الانتقال من الحكم القضائي الإسباني إلى ظاهرة الهاتف المكسور على شبكات التواصل ذكي جدا، فالمشكلة ليست دائما في الكذب الصريح، بل في المسافة التي تتسع بين المعلومة الأصلية وما يصل في النهاية إلى الجمهور، كما أن عبارة ملايين الأشخاص يلعبون في الوقت نفسه تلخص بصورة موفقة كيف يمكن للمعلومة القانونية الدقيقة أن تتحول عبر الاختصار وإعادة التداول والإثارة إلى حافز لسلوك جماعي لم يكن موجودا بهذه القوة في البداية
أعتقد أن المقال يطرح سؤالا مهما حول العلاقة بين الصورة والسلوك الجماعي. فالمعلومة وحدها لم تعد هي التي تؤثر في القرار، بل رؤية الآخرين وهم يفعلون الشيء نفسه، فتصبح الصورة بذلك فاعلا اجتماعيا لا مجرد وثيقة تسلط الضوء على الحدث
في الجزء المتعلق بشبكات التهريب، أعجبني التحفظ المنهجي للأستاذة مريم، فالظاهرة تحتاج إلى أدلة إضافية لا توفرها المعلومات المتاحة لحد الساعة وحدها. فهذا التفريق بين الاشتباه والتحقيق، وبين الفرضية والحكم مهم جدا، خصوصا في موضوع قابل بسهولة للانزلاق نحو الاتهامات الجاهزة. وربما هذه من أكثر النقاط انسجاما مع الفكرة التي سيعود إليها المقال لاحقا وهي أن التفكير النقدي يبدأ بالوقائع ثم يختبر الفرضيات وليس العكس.
ممتاز
تحليل جامع مانع، ماشاء الله وفق الله في التحليل حيث تطرقت لكل ما يدور حول الأحداث الأخيرة من جهة سياسية واجتماعية وامنية َو……..
إن الشباب في أغلب الأحيان مندفع ويحب التغيير، والمتربصون بملكنا ومقدساتنا وتراثنا كثيرون واولهم من اسماهم الحسن الثاني رحمه الله “سرطان افريقيا”، و من بعده محمد السادس نصره الله وعفاه “العالم الآخر”، ان اصحاب 213+ يحرمون شعبهم ويصرفون مدخراته في خلق الفتنة وتشويه صورة المغرب و الالتفاف حول التاريخ وتزوير أحداثه من أجل تشويه صورة المغرب ملكا وشعبا ووطنا.
إنه مع التطور الذي عرفه المغرب في ظل حكم مولانا الامام وتحت قيادته الكل يعلم ان الدول الإستعمارية كاسبانيا وفرنسا لا تنظر إلى منجزاتنا بعين الرضى بل تعيد بها حساباتها وتكن لنا بها العداء في الخفاء والعلن وتستغل بها ممثيلها والقائمين بأمورها في دولة الكراغلة بطريق غير مباشرة لمحاربة المغرب بغية تأخبرنا والحد من تقدمنا.
هذا المقال يصلح أن يقرأه بعض المسؤولين أكثر من المواطنين. زمن البلاغ الذي يصدر بعد يومين انتهى. عندما تتأخر المعلومة الرسمية، يكون الناس قد بنوا قناعاتهم وانتهى الأمر.
على شعبنا وخاصة شبابنا المشاركة في الحياة السياسية والانخراط في العمل الجماعي والجمعوي من أجل رفع التهميش و المراقبة والمحاسبة، وعلى الدولة المركزية الانخراط في فك العزلة وتوفير فرص الشغل وتغيير المنظومة التعليمية حتى يتماشى التكوين مع سوق الشغل.
وعلى سلطات الأمن المختصة مراقبة ما يدور في مواقع الويب والحد منه وملاحقة من تسول له نفسه زرع الفتنة
أجد فقرة أوروبا المتخيلة شديدة الأهمية، لأنها تنقل النقاش من التفسير الاقتصادي المباشر للهجرة إلى مسألة المقارنة غير المتكافئة التي تنتجها المنصات. كما قرأت باهتمام بالغ ما عبرت عنه الأخت أحوجيل عند مقارنتها لأفضل خمس عشرة ثانية من حياة الآخر بأسوأ أربع وعشرين ساعة من حياتنا، وهذا صحيح، فنحن لا نقارن واقعين بل نقارن صورة منتقاة من واقع بصورة منتقاة من واقع آخر، ثم نستغرب لماذا تبدو النتيجة دائما محسومة لصالح الطرف الآخر
الجزء الذي يتناول التطور الاقتصادي المغربي مثير للاهتمام لأنه لا يضع المغرب في ثنائية ناجح تماما أو فاشل تماما، فالمقال يعترف بوجود تحول صناعي ولوجستيكي ودبلوماسي واضح، لكنه يعود ليقول إن التعليم والصحة يظلان المجالين اللذين يشعر فيهما المواطن بوضوح بالفجوة بين الإنجازات والأعطاب. وهذه ربما هي النقطة التي ينبغي أن تكون في قلب أي نقاش حول التنمية، فليس المهم ما تبنيه الدولة فحسب، بل كيف يشعر المواطن العادي بأثر ذلك في حياته اليومية.
أقدّر كثيرا التمييز الذي يضعه المقال بين العقلية المؤامراتية وإمكانية وجود مؤامرات فعلية، فالتفكير النقدي يبدأ بالوقائع، ثم يختبر عدة فرضيات، والأهم أن الكاتبة لا تقع في النقيض الآخر، أي اعتبار كل حديث عن تدخل خارجي مجرد نظرية مؤامرة، حيث أن المطلوب هو الدليل وليس الإنكار المسبق ولا التصديق المسبق
l’auteure souligne qu’un pays qui tarde à raconter son histoire finira par la lire écrite par quelqu’un d’autre … et cette affirmation, est à mon sens, la véritable conclusion intellectuelle de l’article. car en effet, il ne s’agit pas simplement de mieux communiquer sur le Maroc, mais de comprendre que la souveraineté possède désormais une dimension informationnelle. Toutefois, cette souveraineté narrative ne peut être crédible que si elle accepte la complexité, reconnaît les insuffisances internes et ne confond pas communication stratégique avec propagande.
من بين النقاط المهمة في المقال هو أن الكاتبة لا تقترح فقط الرد على الأخبار الكاذبة، بل تتحدث عن الإنذار المبكر، وOSINT والفرق الحمراء والتحصين المسبق والرسالة الأولى أثناء الأزمة، والتقييم بعد انتهائها، واللافت أيضا أنها تضع قيدا ضروريا جدا ألا وهو أن الدولة الواثقة لا تخلط بين الناقد والعدو، فهذه العبارة تجعل حماية المجال المعلوماتي مرتبطة أيضا بحماية حرية التعبير لا بمراقبتها.
Bravo! Même si c’est trop long, ça valait le coup. Je retiens surtout une idée, comme quoi un pays émergent ne concurrence pas seulement ses voisins par ses ports, ses usines ou ses investissements. Il concurrence aussi des récits, des réputations et des perceptions. Nous sous-estimons encore énormément cette dimension au Maroc.
إن الإقرار الصادر عن وزير العدل حين صرح بأن محاسبة جميع رؤساء ل ستؤدي بالضرورة إلى إيداع غالبيتهم السجن، يلخص عمق الخلل في المنظومة. هذا الاعتراف النادر والصريح يظهر بوضوح أن الدولة على دراية كاملة بواقع مسؤوليها، لكنها تصطدم بأزمة البديل، حيث توارثت الأجيال ثقافة الإنتهازية حتى استحال نهب الثروات حقا مكتسبا.
تحية للكاتبة على الجرأة في طرح موضوع الوطنية دون عقد. أصبح البعض يتعامل مع حب البلد وكأنه سذاجة، ومع السخرية منه وكأنها دليل ذكاء. يمكن أن نكون شديدي النقد وفي الوقت نفسه منحازين لمصلحة بلدنا، وهذا طبيعي في كل دول العالم.
مقال رائع وتحليل اروع و على الموسسات التعليمية الاخد بهذا النص
رسائل تربوية هادفة و عميقة إذا تم استيعابها صحيحا
مبدعة و بليغة و سلسة: افكارك يجب ان تصل، واقول احبك يا وطني
Enfin un texte qui montre qu’il n’existe aucune contradiction entre aimer profondément son pays et conserver un regard critique sur ses insuffisances. Cette nuance manque énormément dans le débat public, où l’on semble trop souvent obligé de choisir entre l’autodénigrement et la célébration permanente. Ici, le patriotisme est présenté comme une lucidité et non comme un aveuglement.
مقال يجمع بين قوة الفكرة وجمال الصورة. أعجبتني خصوصا استعارة العداء الذي يرفع إيقاعه تدريجيا، وكذلك العبارة الختامية حول البلد الذي يتأخر في رواية حكايته فيجد نفسه يقرأها بقلم غيره. كتابة سياسية، نعم، لكنها أيضا كتابة تمتلك نفسا أدبيا واضحا وتترك لدى القارئ أكثر من سؤال بعد انتهاء القراءة
Vu de l’étranger, cet article résonne particulièrement. On mesure souvent à quel point l’image du Maroc dépend de récits produits ailleurs et repris ensuite comme s’ils étaient nécessairement neutres. Il était utile de rappeler que défendre une lecture marocaine de nos intérêts ne signifie ni rejeter les autres ni refuser la critique : cela signifie simplement ne pas abandonner à d’autres le droit de définir seuls notre réalité.
Un texte courageux, documenté et surtout nécessaire. Il ne cherche ni à idéaliser le Maroc ni à le condamner : il cherche à comprendre les mécanismes à l’œuvre et à rappeler qu’au XXIᵉ siècle, la souveraineté se défend aussi par l’information, l’éducation, l’esprit critique et la capacité à raconter soi-même son histoire. Une contribution qui élève clairement le débat.
المقال طويل ولكن ما حسيتش بالحشو. كل فقرة كتفتح باب آخر. بالنسبة ليا أحسن حاجة فيه أنه خلاني نشوف قضية سبتة من زاوية ما فكرتش فيها من قبل.
بهذا الركن، هناك كتاب عظام ينشرون زبدة تفكيرهم بشكل دائم و منتظم. رغم ذلك، لا احد يعلق على مقالاتهم أحيانا. فكيف يمكن إذن تفسير تجاوب اكثر من 30 معلق مع مقالك؟
ما ينقصنا في المغرب ليس فقط إعلاما أقوى، ولكن خبراء يعرفون كيف يخاطبون الناس بلغة يفهمونها. لا يعقل أن يكون شخص عنده مليون متابع أسرع في تفسير حكم قضائي من المؤسسات التي تتوفر على الخبراء القانونيين والمعلومات….
أولا، العظمة لله وحده… وثانيا، من فرط حماسك لهؤلاء “العظماء”، كاد يُخيل إليّ أنك واحد منهم، وأننا بصدد الحديث عن ويليام شكسبير أو طه حسين! وعلى كل حال، يسعدني أن أقرأ إنتاجك العظيم… أما إن لم تكن من هؤلاء الكتّاب، فلا أفهم حقا مغزى تعليقك ولا دوافع هذا الحرص المفاجئ على مجدهم الأدبي.
وأنا نفسي أستمتع بقراءة كثير من الأقلام المحترمة في هذا الركن، ولا يزيد الكاتبَ عددُ التعليقات قيمة، ولا ينقصه غيابها قدرا، ما دام إنتاجه في مستوى رفيع.
وأخشى أن يزداد انبهارك إن اطلعت على الصفحات والمجموعات التي تداولت المقال عبر منصات مختلفة، وأن تصاب بصدمة أكبر أمام كثافة التعليقات وعمقها، وقد كتبها مفكرون ومثقفون من خيرة النخبة، وبعضها يصلح لأن يكون مقالا قائما بذاته.
كان بودي أن يكون تعليقك نقدا أو اعتراضا يمس صلب الموضوع، لا تلميحات خبيثة ومقارنات بائسة مع كتّاب لم يوكّلوك محاميا عنهم، ولا أظنهم بحاجة إلى مرافعتك لإثبات قيمتهم.
هاد القصة د سبتة بينات عندنا فعلا مشكلة كبيرة فالإعلام وبينات كيفاش هاد الجيل ما عارفينش اللغة والكود باش نخاطبوه ونتعاملو معاه
هذا المقال، في نظري، يضع الإصبع على جرح حقيقي؛ ولذلك فهو مقال في محلّه، حتى وإن كانت بعض استنتاجاته قد فاجأتني. لكن الاختلاف مع بعض القراءات لا يعني رفض الفكرة الأساسية، ولا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تبرير لكل ما يحدث أو إلى البحث عن شماعة جاهزة نحمّلها مسؤولية كل اختلال.
المشكلة أن أسهل طريقة هي أن نختزل الأزمات في التضليل الخارجي، أو في المؤامرات، أو في شبكات التواصل، وننسى أن بعض الأزمات تجد أرضًا خصبة داخل المجتمع عندما تتراكم اللامساواة، وضعف الثقة، وانسداد الأفق، وتراجع جودة التعليم والصحة وفرص العيش الكريم.
وهنا أرى أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع المعلومة الكاذبة، بل مع المسافة بين الحقيقة وما يصل إلى المواطن. ففي هذه المسافة يمكن أن تضيع الحقيقة بين الاقتطاع والتأويل والمبالغة والتوظيف السياسي والإثارة الإعلامية.
لكن بناء المناعة المجتمعية لا يعني أن نطلب من المواطن أن يصمت، ولا أن نعتبر كل نقد مؤامرة. بالعكس، المجتمع الذي يسمح بالنقد المسؤول هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التضليل؛ لأن المواطن الذي يشعر بأن صوته مسموع أقل قابلية لأن يبحث عن الحقيقة في أماكن تستغل غضبه وإحباط