سرحان يكتب: أبطال بلا روايات.. "زوربا وبِطيط وجالوق وأبو جندل"

سرحان يكتب: أبطال بلا روايات.. "زوربا وبِطيط وجالوق وأبو جندل"
صورة: أرشيف
الجمعة 21 يناير 2022 - 07:00

لا يأتي الرّوائيّون والقصّاصون بأبطالهم من أقاصي المخيّلة، كما قد يظنّ البعض، وإنّما يختارونهم، إذا كانوا أشخاصًا، من بين معارفهم وأقاربهم وأولاد حاراتهم، أو من وضعتهم المصادفات في طريقهم، أمّا إذا كان الأبطال أمكنة وأزمنة فإنّ لكلّ كاتب طريقته في الاختيار، حسب ثقافته وظروف نشأته…

بعض الأبطال لا يبرحون الذاكرة حتى بعد أن تمرّ سنوات طويلة على قراءتهم؛ فبإمكاني، متى ما شئت، أن استحضر زوربا كاملًا، بما فيه رقصته الشهيرة التي تعيد إليّ متعة الرواية فانحني إجلالًا لروح نيكوس كازانتزاكي الوارفة. بعد قراءتي كتابه الممتع “تقرير إلى غريكو” سأعرف أنّ لقاء المؤلف بزوربا كان حقيقيًّا، إذ يُفرد له فصلًا يحمل عنوان “زوربا”.

بفضل كازانتزاكي إذن سيتحوّل شخص ما في ميناء ما قرب جزيرة ما إلى بطل رواية عظيمة، ومنها إلى بطل فيلم لعب دور البطولة فيه أنطوني كوين، الذي لا بدّ أنّه خذل من قرؤوا الرواية قبل مشاهدة الفيلم.

كما بإمكاني، أيضًا، أن أستحضر إلياس نخلة، بطل “الأشجار واغتيال مرزوق”، وهو عبارة عن زوربا عربيّ أبدع عبد الرحمن منيف في تقديمه لنا خلال رحلته بالقطار، حتى إذا حلّت ساعة الفراق وغادر إلياس نخلة أحسّ المؤلّف بأنّه مجرد فأر. إلياس نخلة كان أقلّ حظًّا، إذ لم يجد من ينقله من الرواية إلى السينما.

أبطال آخرون يزدحمون في الذاكرة، وإذا كان لي أن أحيِّي أحدًا منهم فلن أجد أجدر بذلك من أبطال إلياس خوري، فهم يموتون في مستهل الرواية لتصبح جثامينهم محورًا لها؛ فأحدهم يعثر عليه عمال النظافة مقتولا في الفقرة الثانية من الصفحة الأولى، بينما يدخل آخر في غيبوبة على مدى أكثر من خمسمائة صفحة هي حجم الرواية، وعلى مدى خمسين عامًا هي عمر القضية الفلسطينية، موضوع الرواية.

أعتقد أنّ إلياس خوري تعامل مع مسألة البطل بذكاء نادر، فالأبطال العرب لا يصبحون كذلك إلّا بعد موتهم.. هل تعرفون بطلًا عربيًّا على قيد الحياة؟.

الأمكنة والأزمنة أيضًا قد تصبح أبطالًا لقصص وروايات… ولنا أن نذكر على سبيل المثال “ماكوندو”، بطلة “مائة عام من العزلة”، وشارع الداخلة، الشّريان الأبهر لرواية “هوت ماروك” لياسين عدنان، و”1984″ بطلة الرواية التي تحمل العنوان نفسه لجورج أورويل، و”زقاق المدق” لنجيب محفوظ، و”5 حزيران”، بطل حفلة سمر الرّاحل سعد الله ونوس، و”بناية ماتيلد” لحسن داود، والعمارة التي يقطنها الروائي حمدي أبو جليل، التي أسفرت بفضل موهبته الفذة عن رواية “لصوص متقاعدون”، و”أيلة”، القرية التي استمد منها الشاعر عبد السلام الموسوي نصوص “عناكب من دم المكان”، وهو كتاب شديد العذوبة…

قبل مدّة رحل عن دنيانا رجل اسمه “حَرّْبَا”، بعد أن قضى في ساحات فاس وأحيائها ما ينيف عن خمسين عامًا، أثّث خلالها بأغانيه العجيبة وقصصه السوريالية ذاكرة أجيال وأجيال، ولم ينقطع عن الناس إلّا بعد أن بلغت الشيخوخة منه مبلغها؛ وقبله ببضع سنوات رحلت امرأة اسمها “عسّالة”، وقد كانت امرأة مشرّدة تحمل القطط وشعرها منفوش دائما وأبدًا… وقد بلغت من الكبر ما جعل الناس يخوّفون بها أبناءهم. حرّْبا وعسّالة عاشا كلاهما زهاء قرن من الزمن في مدينة تعجّ بالأقلام، ومع ذلك، لم يكن نصيب الأول سوى استجواب إذاعي في أواخر حياته وورقة تعريفية به بعد مماته (هل مات حرّْبا؟)؛ أما الثانية فالتفت إليها زجّالان فخصّها كل واحد منهما بقصيدة.

حين ماتت عسّالة وبعدها حرّبا، لا أعرف ما إذا كان قد بكاهما أحد، لكنّ المؤكد عندي أنّ جميع القصص والرّوايات التي كانا بطليْها اختفت حدادًا عليهما، فلم يظهر لهما أثر مكتوب.

الشّرقاوي “مُولْ الحمام” كان أوفر حظًّا، فقد التفتت إليه “آفاق مغاربية” التي تصدر بالفرنسية من تولوز في أحد أعدادها، كما خصّه مسرح ساحة الناس بمسرحية “حروف الزين”.

الصاروخ، طبيب الحشرات، العَيْبوط، عيشة بِطيط، الملك جالوق…منهم من قضى نحبه ومنهم من مازال يعيث في الأرض نشاطًا، كلّهم أبطال بلا روايات، مع أنّ منهم من هو معروف، شخصًا ورواية، لدى مئات الآلاف من الناس، ولا يضيره في شيء ألاّ يضمّه كتاب لا توزّع منه سوى ألف نسخة، ولا يباع منها سوى مائة… فالكتاب في هذه الحالة هو الخاسر.

بعيدًا عن الأشخاص، يمكن اعتبار كلّ الأزمنة العربية الحديثة بطلة سيتكوم من الهزائم والمهازل. ولو قُيّض لقناة ما أن تعرض هكذا سلسلة فإنّها لن تُحقّق سبقًا تلفزيونيًّا فقط، بل إنّها ستُحقّق أرباحًا باهظة من مداخيل الإعلانات التي ستتخلّل الحلقات.

أمّا الأمكنة العربية (حاشا أن أكون قد قصدت السّجون ومستشفيات الأمراض العقليّة والثّكنات…) فيتمُّ تقديمها دائمًا تقديمًا سياحيًّا؛ لذلك فإن ساحة جامع الفنا، وهي عميدة السّاحات العربية، انتظرت طويلًا قبل أن تُعلَنَ من طرف اليونسكو تراثًا شفويًّا إنسانيًّا، ولا بُدّ أنّها مازالت تنتظر من يحوّلها إلى رواية، أقترح أن يكون عنوانها “مائة عام من الفرجة”.

وأخيرًا أقترح على روائيّينا ومخرجينا السينمائيّين بطلًا من نوع خاص، لو أنّ أمريكا تملك عُشُرَهُ لحوّلته إلى سلسة لا تنتهي من الأفلام؛ إنّه يوسف أحمد ريحان، أو “أبو جندل” كما تعرفه ساحات الشّرف، أو ذو الحصارين، حصارِ بيروت وحصارِ جنين؛ لقد مات كما يموت أبطال الميثولوجيا.

إنّ الجسد العربي مصابٌ بنزلة هزيمة مزمنة، وهو في أمسّ الحاجة إلى لقاحٍ من نوع “أبو جندل”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • Ana
    الجمعة 21 يناير 2022 - 07:24

    شكرا استاذي الكريم امتعت فكري بالقرأة هذا الصباح .دمة بصحة و عافية

  • مغربي
    الجمعة 21 يناير 2022 - 07:52

    اللهم علمنا ما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا وما ينفع ابناءنا واجيالنا

  • الينا يا ابو جندل
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:08

    رواية زوربا لكاتبها اليوناني كازانزاكيس طرحها احد الكتاب هذا الشهر بموضوع كموضوع جديد للدرس و تهيئتها للطرح من جديد بوسائل الاعلام كرسالة ادبية و وسيلة تحليلية من اجل فهم ما استغلق فهمه فيها من قبل حبذا سرحان قدم انموذجا من تصوره فيها لاحقا و وجهة نظره منها نحب الاطلاع على موقفه من ثنايا الرواية و الخيانة و الحب و الرجم و ننتظر

  • كارابانشي باداه
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:18

    الساحة الفنية المغربية تفقد قيدوم السينمائيين المخرج العربي بناني

    أكثر من 10 أفلام وثائقية أخرجها العربي بناني في الستينات، اعتبر السجلماسي أن أشهرها “ليالي أندلسية” الذي أخرجه في سنة 1963، وهو أول فيلم مغربي صور بـ”السينما سكوب” بالألوان، وحصل على أزيد من عشرين جائزة. وهو فيلم يحتفي بالموسيقى الأندلسية وأجواقها الشهيرة، ويحضر فيه العربي التمسماني، وعبد الصادق شقارة… ورغم طابعه الوثائقي، كان في هذا الفيلم القصير بعد روائي، يحكي قصة غرام وصراع للفوز بامرأة، من أجل التعريف بالموسيقى الأندلسية والاحتفاء بها في قالب مبهر”.

    هسبريس __ وائل بورشاشن

  • الجوهري
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:27

    العرب المسلمون كتبوا روايات كثيرة على أبطال عاشوا أيام النبي عليه الصلاة والسلام وبعده كانوا أبطال في الشجاعة وفي العلوم مثل الفلك وفي الطب وكذلك في الرومنسية ولا تزال قصصهم تداول إلى اليوم فلولاهم لما ذكرنا التاريخ والسينما

  • هلموا الينا يا قوم
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:38

    فاتت جنبنا فاتت جنبنا
    انا و هو
    و ضحكت لنا ضحكت لنا لنا
    انا و هو انا و هو

    كلمات : حسين السيد
    اداء و غناء : العندليب الراحل

  • مقامع
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:53

    سعاد الصباح في الشعر العربي الحديث: صوتُ نون النِسوَة في مُواجهة واو الجماعة

    «مُشكلتك الكُبرى/ أن جميعَ معلوماتك عن الحب/ مأخوذة من كتاب (ألف ليلة وليلة)». والشاعرة في عيْن الرائية، تستشرفُ استحالة تهشيم أصنام القبيلة، وتغيير موقف الرجل من الحب فتلجأُ إلى الوخز والهمز والسخرية السوداء في نيازكها الشعرية «لَو كنتُ أعرفُ أنكَ تهوى الكتب/ إلى هذا الحد/ لاشتريْتُ أثوابي من المكتبات».

    سمير الحاج

  • لحد ما فاتت
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:58

    «قصة طوكيو» لياسوجيرو أوزو: التأملية سينمائياً

    وإن كانت هنالك قصة، مهما بسطت كقصة فيلم، ومهما تعقدت كقصة مدينة، إلا أننا نشاهد حالةً، نشاهد دواخل العجوزين من خلال أحاديثهما

    سليم البيك

  • مراجعات . .
    الجمعة 21 يناير 2022 - 08:59

    المقام السالب في السرد غير الطبيعي

    وأن الذي يجعل للمسرود له كل هذه الأهمية، ليس اشتراكه في البنية السردية حسب، وإنما هي هيمنته عليها هيمنة تجعله مؤثراً في العنصرين الآخرين السارد والمسرود، وربما مسيِّرا لهما. والسبب أن ماهية عمله الواقعية تتصادى مع وظائفية ما في السرد من اللاواقعية، ويساهم تصاعد التخييل في تقليص المساحات اللاواقعية فيتقارب عمل السارد وعمل المسرود له. وتعاد على أساس هذا التقارب عملية ترتيب المسار السردي غير الطبيعي من جديد، لتكون المحصلة هي واقعيته. وليس من حقنا أن نقابل هذا التقارب

    نادية هناوي

  • الميرزا ليز
    الجمعة 21 يناير 2022 - 09:12

    عيد سيدة اللغات

    وفي العدد ثمة شفافية في العربية لا نجدها في كثير من اللغات، ففيها التثنية التي لا توجد لا في الإنجليزية، ولا في الفرنسية، فإذا أرادوا التثنية قدموا للجمع بكلمة two فيقولون مثلا two books و في الفرنسية يقول doux livres

    ابراهيم خليل

  • ألوأديب
    الجمعة 21 يناير 2022 - 09:34

    جميل ورائع هذا المقال
    أبطال من ورق يعيشون بين ظهرانينا يملؤون الشاشات ويؤثتون المجالس الرسمية وفي بطن الدروب الضيقة يغيش مشردون هم الابطال الحقيقيون لوهم ظنوا عبثا أنه حياة لكن لا حياة لمن تنادي

  • عزام
    الجمعة 21 يناير 2022 - 12:10

    بصراحة لم أفهم ترحيب طل عؤلغء الكتاب والابطال في مقال صغير واحد.زوربا اليوناني هذه الرواية لوحدها تستحق د اسة مطولة عوض كل هذا الخلط الذي لم أستسغه..: عزام ب.

  • العابر
    الجمعة 21 يناير 2022 - 12:49

    اللغة هي المغناطيس فيما قرأت هنا و في بعض التعليقات. من يمتلك اللغة يسيطر على وجدان القاريء. جمال اللغة ياسر كما في كلام الحكواتيين في جامع #لفنا#….اللغة هي لي شهرت لحلايقية فجامع لفنا…….في السبعبنيات كنا نتعرف على الأدب و الأدباء عالميا فقط عبر بعض الجرائد التي كانت تفرد حيزا من صفحاتها للثقافة كل أسبوع…كنا نعرف الإصدارات القديمة و الجديدة و من نال الجوائز و جنسيات هؤلاء الأدباء…..لكن مع التقدم في السن و تقييم من يؤثر في حياة الناس سلبا و ايجابا…اكتشفت أن السياسي أقوى من الثقافي….لتذهب الثقافة إلى جهنم أن كانت لا توفر للناس الكرامة المهدورة بفعل السياسيين و الطغات و أصحاب المال المتحكمون في رقاب الناس…..المال ثم المال…لقد سيطر هذا الفيروس على كل المجتمعات و أضحت المؤسسات المالية العالمية قاءدة كل المجتمعات إلى إفلاس أخلاقي ازهق روح الثقافة لتصبح جثة عفنة يفر منها الكل…من يقرأ اليوم ما ذكر هنا..بل من يعرف حتى كاتبيها…

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك