سريالية بكل ما تعنيه، من عوز عن النظام والمنطق، وغرابة وتناقض على أكثر من مستوى، يطال كل المتدخلين في العملية التعليمية ابتداء من الوزارة الوصية إلى التلميذ مرورا بالنقابات والتنسيقيات وجمعيات الآباء والمواطنين. أتصور لو صورنا هذا المشهد على صفحة من ورق. وزارة تجتمع بالنقابات تقول عنها أكثر تمثيلية، لقاءات ماراثونية تخرج بنظام أساسي، وعلى وجه السرعة كان على صفحات الجريدة الرسمية، لكن يقظة الأساتذة والأستاذات كانت في وقتها لما أدركوا خطورة ما تضمنه، فاتحد الجميع قدماء من موظفي الوزارة أو جدد من موظفي الأكاديميات، مما جعل النقابات خارج السياق فبدأت تتبرأ منه وسط القصف والقصف المتبادل بينها وبين الوزارة، إلى أن تم التراجع عنه بالتعديل والتجويد، إلى الآن لا تزال تداعياته سارية المفعول.
فهل هناك أكثر سريالية من مشهد الوزارة تحاور نقابات وتوقع معها اتفاقيات وتغدق عليها بالملايير والامتيازات كالتفرغات وغيرها، وهي تعلم أنها في قطاع التعليم لم تعد تهش ولا تنش للأسف. وفي المقابل ترفض رفضا باتا الجلوس والإنصات لمطالب التنسيقيات الحاضرة حضورا قويا في الميدان، وتمتنع امتناعا كليا عن فتح بابها بدعوى أنها لا تحاور سوى المنتخبين ديموقراطيا، علما فكل القانونيين الذين نتابع مداخلاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي يؤكدون على لقائها بما أنها الوسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم الدراسي الحالي؟
وهل هناك سريالية أكثر من تعليمين؛ عمومي وخصوصي على طرفي نقيض بخصوص اكتساب التلاميذ للتعلمات الدراسية. وبكل تأكيد لن تكون هناك سنة بيضاء، فكلفتها على الجميع جد باهظة. بمعنى فالجميع سيجتاز امتحانات موحدة وأكيد ستراعي الوزارة الوضع الشاذ وتكون الأسئلة في المقروء وليس في المقرر لكل مستوى، لكن شتان بين من على الأقل اطلع على كل وحدات المقررات من تلاميذ الخصوصي، وحال تلاميذ العمومي خلال الموسم الموالي، هذا إذا لم تتكرر مأساة هذا الموسم لا قدر الله بما له وبما عليه؟
وهل هناك أكثر سريالية من غياب جمعية آباء وأولياء التلاميذ الذين عادة لا يحضرون إلى المؤسسات التعليمية إلا للحصول على واجب جمعيات الآباء. فما الذي تبقى لها اليوم وقد أبانت خلال هذه الأزمة غير المسبوقة عن ضعفها وأن لا دور لها البتة في العملية التعليمية؟ فما موقع فدرالية جمعيات الآباء الوطنية من إعراب هذه الكارثة التعليمية، إذ لم نحس منها وجودا أو سمعنا لها ركزا. أليس شغلها الرئيسي الحرص على السير العادي لتمدرس التلاميذ؟ ألم يكن الأولى بها أن يكون حضورها لافتا خلال كل هذه الشهور في المدارس وفي الإعلام؟ أليست هي المؤهلة للقيام بدور الوساطة بين الأطراف لتليين المواقف وتقريب وجهات النظر، قبل أن ينفرط العقد كما رأيناه بإحدى المؤسسات التعليمية إذ عمد التلاميذ إلى تخريبها والعبث بوثائقها والاعتداء على أطرها؟ ما الفائدة من إثقال كاهل الآباء بواجباتها المادية؟ فهل هؤلاء هم شركاء الوزارة في العملية التعليمية؟
وهل هناك سريالية أكثر استمرار الاحتجاجات قرابة ثلاثة أشهر وأبناء الفقراء محفظاتهم على ظهورهم يقتلون الوقت في الأزقة والشوارع والساحات العمومية. أستسمح بعض رموز التنسيقيات، فبدل التركيز على المطالب والحقوق يتحدثون عن إصلاح المدرسة العمومية. أعتقد جازما إنه شعار أكبر من أن تسعه الشعارات في المظاهرات والاحتجاجات. فهل بشلل المؤسسات التعليمية العمومية كل هذه المدة نصلحها أم ندمرها؟ وهل بضياع حق قرابة ثمانية ملايين تلميذ من أبناء الطبقات الهشة من تحصيل كفاياتهم التعليمية نصلح التعليم العمومي؟ أعتقد اليوم وقد تحقق ما تحقق بنضالات التنسيقيات من مطالب، فلم لا استئناف العمل ليس نزولا عند رغبة أي كان أو خشية من تهديدات أية جهة، إنما نزولا عند رغبة هؤلاء التلاميذ. فعلى الأقل يدرسون نصف المقرر ليخول لهم استقبال المستوى الموالي بالقليل من الكفايات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبالتأكيد ستحسب لها لا لغيرها، مكافأة للأسر البسيطة لتضامنهم مع مطالب الأساتذة والأستاذات؟
وهل هناك سريالية أكثر مما أصبح عليه الحال بين المضربين وغيرهم داخل المؤسسات والحديث عن التخوين والمقاطعة وحصار بني هاشم. ألا يقتضي المنطق احترام المواقف؟ فظروف المطوقة أعناقهم بالالتزامات الأسرية والاقتطاعات ليست كظروف ممن لا يزال حرا طليقا “لا تابع لا متبوع”؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.