يجمع عنوان هذا المقال بين أسطورتين شهيرتين من العصور القديمة لتوضيح حالة جيوسياسية شاذة تعيشها العلاقات المغربية الإسبانية.
السرير يحيل إلى أسطورة بروكروست Procruste، صاحب الفندق الذي كان يعمل على بتر أطراف ضيوفه أو تمديدها لتتناسب مع مقاس فراش حديدي؛ وسيزيف هو ذلك المعذب في الأرض، المحكوم عليه أزلياً بدفع صخرة ثقيلة إلى قمة جبل ليراها تتدحرج مجدداً نحو الأسفل.
هذا التقاطع الأسطوري يجسد الخطر الذي يواجهه البلدان عندما يصرّان على إقحام الحقائق الجيوسياسية قسراً داخل قوالب خطابية متصلبة، هدفها إعطاء الحق لصاحبها بدل البحث عن الحقيقة، تعنت مشترك يُجبر كلا الشعبين على العودة المرة تلو الأخرى إلى نقطة البداية، مكرساً بذلك واقع المثل المغربي القائل: “لي حرث الجمل دكو”.
لنفهم أصل هذا اللَّجاجة المتجذرة في وجدان كلا المجتمعين، يتعين علينا الرجوع بعيدا.
في إسبانيا، ثمة قاعدة قديمة تسمى “Sostenella y no enmendella” وتعني ركوب العمياء والإصرار على الموقف المتَّخَذ وعدم تصحيحه. هذا السلوك يستند على مدونة شرف صارمة خاصة بنبلاء وفرسان العصور الوسطى. آنذاك، كان العدول عن شيء أو سلوك ما يُعد عاراً وشنارا؛ فبمجرد أن يُستَلَ السيف، لا مجال للرجوع.
في المغرب، وفي منطقة الريف تحديدا، نجد العبارة المحلية “ثوري، ثوري” Thuri, thuri التي تشرح هذا العناد الأعمى من خلال رواية تحكي عن أب ظن أن هناك لصوصا في مخزن حبوبه، فكان أن تأبط بندقيته وتوجه إلى المخزن ليجد هناك ابنه، ورغم أنه تعرف عليه واستمع إلى توسلاته، إلا أنه أطلق النار عليه متذرعاً بأن الغضب استبد به وبأنه حشا بندقيته ولا مجال للتراجع. “ولو طارت معزة” يقول مثل مغربي آخر.
إننا إزاء ردود أفعال نفسية مشتركة إزاء النزاع توضح لنا التشابه الكبير في طباع ونفسية الشعبين، وحكامنا منا وعلى شاكلتنا، سجية نجدها حاضرة بقوة في الخلافات الصغرى، تعلق الأمر بحدود أرض، تسرب مياه من شقة إلى أخرى، أو أغصان تمتد إلى حديقة الجار. أمام خلافات بسيطة مثل هذا النوع، نجد تضخم الأنا ينسف كل قيم العيش المشترك، ويدفع أطراف النزاع إلى الهروب إلى الأمام والاستنزاف المالي في قضايا أبدية بدل التفكير بعقلانية والعمل على تليين موقفهم.
وصدق من قال إن العناد يجعل صاحبه يفضل الغرق معانقا حقيقته المطلقة على استعمال الشك كطوق نجاة.
بيد أن هذا السُّدور في الغي يكتسي خطورة بالغة عندما ينتقل إلى الدوائر المؤسساتية والإعلامية. فبمجرد أن يفترش هذا السلوك البيروقراطية، ويلتحف البروباغندا، ويصبح عقيدة دولة، تتمكن هذه الدينامية من اختطاف الأجندة السياسية، والزج بالعلاقات الثنائية في متاهة “المينوتور” Minotaure المظلمة؛ يُعقِد فيها كل خلاف دوري بينهما مأمورية الخروج منها ويحكم على البلدين بإضاعة الوقت والجهود والعُلوق في شَرك المُحصِّلة الصِّفرية التي تكون فيها أرباح هذا الطرف موازية لخسائر الطرف الآخر.
لحد الآن، يمكن القول بأنه على الرغم من خطورة الأزمات الدورية بين المغرب وإسبانيا، فإن التعقل والسرية اللذين يطبعان تعامل الحكومتين مكَّنا من تصحيح العثرات وإبطال الألغام. بفعل هذا “السلم البارد”، تم تحقيق تقدم كبير في مجالات التجارة، والأمن، والبنية التحتية. بيد أن الواقع الحالي يفرض المرور إلى مستوى أرفع وعدم الارتهان إلى التقلبات الظرفية؛ إلى نضج استراتيجي يتجاوز الفقاعات الإعلامية والأجندات الانتخابية بخطاباتها الموجهة للاستهلاك الداخلي، والتي تنطفئ حتمًا أمام إملاءات الواقع الجيوسياسي.
أقول هذا لأنه ثمة جهات سياسية، إعلامية وعسكرية في الجارة الإسبانية، ما فتئت تعمل على تغذية مشاعر الضغينة بين المجتمعين. إن استعمال المغرب كمتغير تعديل Variable d’ajustement في الصراع السياسي الداخلي الإسباني أمر مألوف عند المغاربة، لكنه لا يعني التخلي عن الكِياثة والاحترام تجاه مؤسسات هذا البلد الجار وشعبه. نعم، مقارعة الأفكار شيء وتشكيل ملامح الآخر شيء آخر، كما أن الصرامة والدفاع عن المصالح الوطنية لا يتعارضان قط مع اللباقة في إيصال الرسائل.
العلاقات الإسبانية المغربية تقتضي هذه المداراة والرصانة في التعامل وهذا الذكاء في الاستراتيجية.
اليوم، هناك رفض مطلق من أغلبية المواطنين في كلا البلدين للاستمرار في أداء دور ذلك الغبي الذي يكرر جهد سيزيف العبثي متوقعاً نتيجة مختلفة. لقد أنهكَنا الدفع بصخرة التفاهم المرة تلو الأخرى نحو القمة، لنرى كيف التعنت والكبرياء اللامجدي يعودان بها القهقرى، وهناك سخط عارم على الرداءة التي يُمعن البعض، بطريقة متكررة وخطيرة، في فرضها على الشعبين وقص أجنحتنا لنُحشَر قسراً في سرير لا يناسبنا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.