سوّل الحكومة

سوّل الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:48

قبل أن تصير كلمة «الحكومة» في نشرات الأخبار مرتبطة أساسًا بالمؤسسة السياسية، كانت قد استقرت في بيوت المغاربة بمعنى آخر تمامًا. سل أي رجل عن موعد أو سفرة أو مشروع صغير، وسيجيبك غالبًا وهو يبتسم ابتسامة من يعرف حدود صلاحياته: «خاصني نسول الحكومة». ولن تحتاج إلى كثير من الشرح، فالجميع يفهم أن المقصود ليس رئيس الحكومة ولا الوزراء ولا البرلمان، بل الزوجة.

هذه النكتة التي رافقت المغاربة سنوات طويلة أخذت، في 29 شتنبر 2026، طعمًا مختلفًا. ففي ذلك اليوم عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب.

وجدتُ نفسي، مثل كثيرين على الأرجح، أتذكر العبارة القديمة وأبتسم. لا لأنها كانت نبوءة سياسية، فلا أحد يقرأ المستقبل في الدعابات، وإنما لأنها تقول عن المجتمع أكثر مما تقوله أحيانًا بعض الخطب المصقولة.

انظروا إلى الاختيار نفسه. لم يقل المغربي: «سول المديرة»، ولا «سول الرئيسة»، بل قال: «الحكومة» بالذات. وكأن الوعي الشعبي، وهو يمزح، كان يعترف على استحياء بأن البيت جهاز يحتاج إلى تدبير، وأن للقرار فيه أكثر من مصدر، وأن الرجل الذي يتحدث في المقهى بنبرة صاحب القرار يعود إلى بيته طالبًا «التأشير» على خرجته مع الأصدقاء.

يريد شراء شيء؟ «نشوف مع الحكومة».

وصلته دعوة؟ «نرجع للحكومة».

ينوي السفر؟ «نشوف واش الحكومة موافقة».

وبين هذه العبارات يبقى للزوج، في المخيال الساخر، منصب شرفي يشبه تلك المناصب الكبيرة في الاسم التي لا يُتخذ فيها قرار قبل جولة تفاوض طويلة.

طبعًا، لا ينبغي أن نبالغ في تحميل النكتة أكثر مما تحتمل. ففيها صورة نمطية لا تخفى؛ فهي تقدم الزوجة أحيانًا باعتبارها صاحبة المنع والإذن، وتحول حضورها في البيت إلى مادة للسخرية. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف شيئًا آخر: أن الزوجة لم تكن غائبة عن القرار الأسري، وأن المجتمع كان يعترف بحضورها وتأثيرها، ولو عبر الضحك بدل اللغة الجادة.

واللافت أن هذه العبارة عاشت وتجددت رغم كل ما تغير في المجتمع المغربي. فالمرأة المغربية اليوم قاضية وطبيبة ومهندسة وأستاذة ومسؤولة إدارية ومقاولة ووزيرة وبرلمانية، ودخلت مجالات كانت تُقدَّم، حتى وقت قريب، باعتبارها مجالات ذكورية. ولذلك فإن «الحكومة» التي كانت تسكن في العبارة الشعبية داخل البيت لم تعد مجرد استعارة مرتبطة بتدبير الأسرة؛ فالمرأة نفسها أصبحت حاضرة في مواقع القرار العمومي، وصولًا إلى رئاسة الحكومة.

ثم جاء 29 شتنبر.

الكلمة التي كانت تُقال بين جدران البيت انتقلت، من حيث المفارقة، إلى قلب المشهد السياسي. صار بوسع المغربي أن يسمع «الحكومة» مقرونة باسم امرأة على رأسها فعلًا.

وهنا لا بد من الفصل بين مستويين مختلفين. فالتعيين السياسي له منطقه الدستوري والمؤسساتي، ولا علاقة له طبعًا بالنكتة الشعبية. فالفصل 47 من الدستور ينظم تعيين رئيس الحكومة، كما يرتبط تشكيل الحكومة بمسار التنصيب البرلماني وفق المقتضيات الدستورية. وبالتالي، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ليس نتيجة لعبارة شعبية ولا امتدادًا لها، وإنما نتيجة مسار سياسي ودستوري واضح.

لكن ما يهمني هنا ليس القانون، بل اللغة.

فالسياسة لا تعيش في النصوص والمؤسسات وحدها، بل تعيش أيضًا في المقاهي والبيوت والأمثال والنكات والعبارات التي يتداولها الناس دون أن يتوقفوا كثيرًا عند دلالاتها. واللغة الشعبية، في أحيان كثيرة، تلتقط تحولات المجتمع بطريقة لا تفعلها البيانات الرسمية، لأنها تأتي من الحياة اليومية نفسها.

حين كان الرجل المغربي يقول لصديقه: «سول الحكومة»، لم يكن يفكر في الدستور ولا في السلطة التنفيذية ولا في موقع المرأة داخل الدولة. كان يريد ببساطة أن يقول: «لا أستطيع أن أقرر وحدي». لكنه، من حيث لا يدري، كان يمنح زوجته اسم المؤسسة التي ترمز في المخيال العام إلى التدبير واتخاذ القرار.

وهذه المفارقة تستحق التأمل.

فالرجل الذي كان يمازح أصدقاءه بأن زوجته هي «الحكومة»، كان يعترف ضمنيًا بأن داخل البيت سلطة تفاوضية لا يمكن تجاهلها. قد تكون العبارة ساخرة، وقد تكون أحيانًا وسيلة للتهرب من المسؤولية، لكنها تظل كاشفة عن موقع المرأة في الحياة اليومية للأسرة المغربية.

ولعل أجمل ما في اللغة أنها لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون دقيقة حتى تكون كاشفة. فالمغاربة لم يضعوا نظرية اجتماعية حول توزيع السلطة داخل الأسرة، ولم يكتبوا دراسة في علم الاجتماع السياسي، وإنما اختصروا كل ذلك في جملة واحدة: «سول الحكومة».

واليوم، بعد أن أصبحت امرأة على رأس الحكومة، يمكن للعبارة نفسها أن تُسمع بطريقة مختلفة.

لم يعد الأمر مجرد رجل يسأل زوجته إن كان مسموحًا له بالخروج مع أصدقائه، بل أصبحت كلمة «الحكومة» مرتبطة، في الواقع السياسي، بامرأة تتولى أعلى منصب في الجهاز التنفيذي.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحول هذه المصادفة اللغوية إلى أكثر مما هي عليه. المغاربة لم يكونوا يتنبؤون بالمستقبل عندما أطلقوا على الزوجة لقب «الحكومة»، ولم يكونوا يكتبون سيناريو سياسيًا قادمًا. كانوا فقط يمزحون ويصفون، بطريقتهم الخاصة، حقيقة بسيطة من الحياة الزوجية: في البيت كما في الدولة، لا تكفي الرغبة في اتخاذ القرار، ولا بد أحيانًا من التشاور والتفاوض والبحث عن التوافق.

لكن المفارقة المغربية الجميلة أن الكلمة التي كانت تُقال في البيت على سبيل الدعابة وجدت نفسها، بعد سنوات طويلة، في قلب الواقع السياسي.

كان الرجل يقول لصديقه: «سول الحكومة» وهو يقصد زوجته.

واليوم صار بإمكان المغربي أن يسمع «الحكومة» وهي تُقال عن امرأة تتولى فعلًا رئاسة الحكومة.

وهكذا، لم تتنبأ النكتة المغربية بالمستقبل، لكنها منحته، من حيث لا تدري، واحدة من أطرف جمله: «سول الحكومة»… هذه المرة، الحكومة فعلًا امرأة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 10

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''