دَخل “اللاّيف” حياتنا من باب التّسلية، ثم اسْتولى على غُرفة الجلوس، واقتحم غرف النوم، وجلس إلى موائد الطعام، ومدّ عنقه داخل الخلافات العائلية. حوّلَ الهاتفُ كُلّ إنسانٍ إلى مَحطَّة بَثّ، ثم أقنعَ بعضَ الناس أن فتح الكاميرا يُعادل امتلاك رسالة نبيلة.
لم يعُد الثرثار يحتاج مقهى يحتجز فيه صديقًا بائسًا؛ صار يحتجز مئات الغرباء دفعة واحدة. خلق اللاّيف كائنات جديدة لا تقيس حياتها بما تعيشه، وإنما بما تجمعه من عيون تُحدِّق فيها. يفتح صاحب اللايف البث، ثم يُركّزُ عينيه على عدد الحاضرين كأن الرّقم جهاز إنعاش.
إذا دَخل عشرة، انتفخَ صدْره. إذا غادَر اثنانِ، أصابَهُ جُرح نرجسي حادّ. يقضي نصفَ السَّاعة وهو ينادي الغائبين: “أين أنتم؟ ادخلوا بسرعة! شاركوا اللايْف!” لا يرى بشرًا خلف الشاشة؛ يرى وحدات رقمية ترفع قيمتَه أو تخفّضها. يتعامَلُ مع المتابع كما يتعامل صاحب الدّكان مع زبون تأخر عن موعد الشراء، ثم يسمي هذا الاستجداء “محبة متبادلة”.
نجوميّة يتيمة تبحث عن موهبة تتبنّاها
يمتلكُ صاحبُ اللاّيف هاتفًا حديثًا، ولا يمتلكُ فكرة واحدة تستطيع الوقوف على قدميها. يضع تحت اسمه لقب “صانع محتوى”، مع أن المحتوى نفسه يبحث عنه منذ أشهر ولا يجده. يكرر العبارات نفسها، ويضحك بالطريقة نفسها، ويحرك يديه كأنه يشرح اكتشافًا علميًا، ثم ينتهي كلامه من المكان الذي بدأ منه من غير أن يمر بشيء في الطريق.
يضيف إلى نفسه هالة من الأهمية، ويضيف إلى الآخرين ساعات من الهواء المعلّب. هكذا، خلقَ اللاّيف “الخبيرَ في كلِّ شيء”؛ يناقش الطّب، ويشرحُ الاقتصاد، ويحلِّل العَلاقات، ويضعُ خطط الحروب، ويشخّص الأمراض من صورة ضبابية، ويُحدد مستقبل الدول بين رشفتين من القهوة.
لا يقرأ كتابًا، ولا يراجع مصدرًا، ولا يعترف بحدود معرفته. يرفع صوته حين ينقصه الدّليل، ويستعمل الثقة مكان الحُجة. يبدأ بثَّهُ بعبارة: “أنا لا أحبُّ أن أتكلم عن حياتي الخاصة”، ثم يفتح خزائن العائلة، ويجرّ الأقارب إلى الشاشة، ويعرض الرسائل، ويحصي الخيانات، ويشرح الشِّجارات، ويقدم كرامته طبقًا ساخنًا للمتفرجين.
إذا انخفض عدد المشاهدين، رفع سقف الفضيحة. إذا نفدت خصوماته، اخترع واحدة، ثم جلس يبكي من قسوة الناس. يضيف إلى نفسه دور الضحية والجلاد في الوقت نفسه، ويضيف إلى الآخرين فضيحة يستهلكونها ثم ينسونها. وبعدَ كلّ هذا ينصِّب نفسه محكمة عليا: قاضيًا، ومدعيًا، وشاهدًا، وحارسًا للفضيلة.
يحاكم ملابس الناس، وعلاقاتهم، وأصواتهم، وضحكاتهم، وطريقة جلوسهم. يفتش في عيوب الآخرين، ثم يمر بجانب عيوبه في ظلام مُريح. يضيف إلى نفسه قداسة سريعة، ويضيف إلى الآخرين عارًا لا يحتاجونه.
التسوّل حين يضع خاتمًا من الضوء
لا يقف الجمهور خارج هذه المهزلة. يصنع الجمهور نصف الكارثة، ثم يجلس لانتقاد نصفها الآخر. يدخل بعض الناس ليطلبوا الشِّجار، ويقترحوا الأسئلة الوقحة، ويشجعوا البكاء، ويصفّقوا للفضيحة، ثم يكتبوا تحت المقطع: “أين وصل المجتمع؟”
وصل المجتمع إلى المكان الذي دفعوه إليه بأصابعهم؛ يمنحون التافه قيمةً، فيمنحهم التافه مزيدًا من التفاهة؛ يدخل المشاهد ليقتُل الملل، فيُطعمه اللايف مللًا أكثر صخبًا. يخرج وقد خسر ساعة من عمره، فيما يربح صاحب البث رقمًا جديدًا يضيفه إلى غُروره.
هكذا، أقنع اللاّيف هذه الكائنات أن الخصوصية نوع من الجُبن، وأن الصمت علامة فشل، وأن كل لحظة لا تراها الكاميرا لحظة ناقصة. يحملُون الهاتف من السرير إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى المستشفى، ومن المستشفى إلى الجنازة. يصوِّرون الأطفال، ويعرضون المرض، ويستثمرون الحزن، ويستدعون الغرباء إلى أدق تفاصيل البيت. ثم يصرخون حين يتدخل الغرباء في حياتهم. يضع المرء مفتاح بيته في يد الجمهور، ثم يتهم الجمهور بالتطفل حين يدخل بيته من غير استئذان.
انطفأت الشّاشة… وبقيَ الفَراغ مضاءً
مَاذا يُضيفُ هؤلاء لأنفسهم؟ يضيفون غرورًا أسرع من إنجازاتهم، وشهرة أوسع من مواهبهم، وثقة أعلى من معارفهم، وأرشيفًا طويلًا من اللحظات التي سيخجلون منها حين ينضج فيهم شيء ما. وماذا يضيفون إلى الآخرين؟ يضيفون ضوضاء إلى العقول، وشكًّا إلى الحقائق، وقسوة إلى التعليقات، وهدرًا إلى الوقت.
يُعلِّمُون الصغار أن الشهرة تسبق الجهد، وأن الفضيحة تختصر الطريق، وأن أعلى الأصوات يربح حتى حين يقول أقَلَّ الكلام قيمة. وفي خاتمة هذا السّيرك، يقفُ “كائنُ اللايف” أمام شاشة صغيرة ويقول للمُتابعين: “أنتم عائلتي”، وهو لا يعرفُ عنهم سوى أسمائهم المزيفة التي اختاروها لحساباتهم.
يظن أن كل عيْن تراقبه تُحبُّه، وأن كل تعليق يمنحُه وجودًا. وحين يغلق البثّ، يواجه غرفة صامتة لا تصفق له جدرانها، فيشعر أن وجوده انطفأ مع الشاشة، فيفتح بثًا آخر حتى يهرب من نفسه.
نعم؛ وعدتنا التكنولوجيا أن تقرّب البشر، فاستخدمها بعضهم ليقرّب الكاميرا من وجهه إلى حَدِّ حجب العَالَم كُله. كان الإنسان قديمًا يبحث عن معنى يعيش من أجله؛ أما اليوم يبحث “كائن اللايف” عن شبكة قويّة حتى ينقل غياب المعنى بجودة عالية. وحين يكتب أحدهم في التعليقات: “الصوت واضح”، يَطمئنُّ صاحب اللاّيف إلى نَجاح كلِّ شُيء… ما عَدا الفِكرة.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
مبدع كالعادة استاذنا الكريم يالروعة قلمك استمتعت بتشريحك لواقعنا الفضائي المؤسف.