طاولة أقدم من الحكومات!!!

طاولة أقدم من الحكومات!!!
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 08:54

من سخرية القدر أن سياسيين قضوا سنوات في الحكومة والبرلمان، أغلبية ومعارضة، وجدوا أنفسهم، في نهاية الولاية، داخل أقسام المدارس العمومية، أمام طاولات مهترئة وكراسٍ أنهكها الزمن، حين دخلوا لمراكز التصويت بالمدرسة العمومية خلال انتخابات 23 شتنبر 2026 التي أصبحت تعرف بانتخابات “الموزيط”، وتلك قصة أخرى..

نشاهد في كل خمس سنوات لحظة تستحق أن تُدرّس في مادة التربية على المواطنة..

يدخل السياسي إلى القسم للتصويت على نفسه وحزبه، يقترب من الطاولة، يضع يده عليها بحذر… فتتحرك الطاولة قبله.

ينظر إليها مليا، وكأنه يحاول التعرف إليها.

ربما تقول له الطاولة في “قرارة خشبها” :

« أنا هنا قبلك … وسوف أبقى من بعدك .. فاحترمني لأني أكبر منك سنا ولأني ولغتك السياسية توأمان .. كلانا من الخشب».

فهذه الطاولات، لو كانت تتكلم، لكانت أقدر على إعداد مذكرات حكومية من بعض الحكومات نفسها.

تلك الطاولة هي أقدم من عبد الإله ابن كيران، ونبيل بن عبد الله، وفاطمة الزهراء المنصوري، وإدريس لشكر وغيرهم ..

عاصرت حكومات، ووزراء، وبرامج إصلاح، ومخططات استعجالية، واستراتيجيات وطنية، ورؤى متجددة … لكنها، في النهاية، لا تطلب سوى شيء بسيط جدا : أن يتم إصلاحها أو تغييرها …

تتابع الطاولة المناضلة الصامدة على مر ولايات الحكومات، عملبات التصويت كل سنة وشاهدة على ما يقع للصناديق وتتذكر كل الزعماء الذين دخلوا لقسمها للتصويت … وكأني بها تقول :

«أنا عارفة هاد الوجوه كاملين… كل حكومة كاتجي بالوعود الكاذبة وكاتعهد.أنها تصلح التعليم، وأنا ما زالت هنا ».

والمفارقة الأكبر أن طاولات البرلمان الذي يجلس فيه رؤساء الحكومات والوزراء والبرلمانيون والمستشارون علما أن كل مستشار برلماني هو برلماني، لكن ليس كل برلماني مستشارا داخل البرلمان، أقول .. مكان الجلوس هناك مريح، ومكيف، ومجهز بكراسٍ وثيرة تساعد، أحيانا، على الاسترخاء وربما النوم أثناء الجلسات، بينما الكرسي والطاولة اللذان يجلس عليهما التلميذ في المدرسة العمومية يبدوان وكأنهما جزء من حصة تعذيبية يومية.

هناك في البرلمان، يجد المسؤول مقعدا مريحا وطاولة مناسبة وفضاء مكيفا؛ وهنا في قسم المدرسة العمومية، يجد التلميذ كرسيا قاسيا وطاولة مهترئة، يقضي فوقها ساعات طويلة وهو يحاول أن يتعلم رغم الألم والضيق. كأن الراحة حق محفوظ للكبار، بينما الصبر واجب مفروض على الصغار.

والأكثر سخرية أن هذه الطاولات تحولت إلى شهود صامتين على تعاقب الحكومات. عرفت وزراء التعليم، وشاهدت برامج الإصلاح، وسمعت الوعود، واستقبلت أجيالا من التلاميذ، ثم بقيت هي نفسها في مكانها، بينما تغيرت الحكومات والبرامج والشعارات.

والمفارقة أن إصلاح طاولة مدرسية لا يحتاج إلى لجنة وزارية، ولا إلى استراتيجية تمتد لعشر سنوات، ولا إلى مؤتمر وطني.

تحتاج فقط إلى نجار… وبعض الإرادة والإدارة ..

فإذا كانت الحكومات المتعاقبة لم تستطع أن تصلح طاولة، فكيف يمكن للمواطن أن يطلب منها أن تصلح قطاعا بكامله !؟..

قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تختصر مفارقة مؤلمة : الإصلاح الكبير يبدأ أحيانا من أصغر التفاصيل.

ومن هنا، ربما يكون من المفيد في الانتخابات المقبلة ألا يكتفي السياسيون بدخول المدرسة العمومية للتصويت، بل أن يمنحوا أنفسهم خمس دقائق إضافية للجلوس على طاولة تلميذ.

ثم يجربوا طاولة في مدرسة خصوصية.

يجلس هنا … ثم يجلس هناك.

ينظر إلى الأولى.

ينظر إلى الثانية.

ثم يسأل :

«علاش طاولة التعليم الخصوصي أنظف وأريح من طاولة التعليم العمومي هل هي أيضا “فاسدة” وتستدعي ربط المسؤولية بالمحاسبة !؟»..

ربما يجدر بالسياسي المحنك، أن يتذكر أيضا أن الكرسي الذي يجلس عليه داخل البرلمان مريح ومكيف، بينما يقضي التلميذ يومه فوق كرسي قاس، أمام طاولة مائلة أو مكسورة، في تجربة أقرب إلى التعذيب منها إلى التعلم.

عندها فقط قد تتحول الطاولة من قطعة أثاث مهملة إلى درس سياسي في العدالة الاجتماعية.

فالطاولة لا تطلب منصبا، ولا تقاعدا، ولا تعويضا عن التنقل.

تطلب فقط أن تكون صالحة للجلوس.

وربما لو كان لهذه الطاولة حق التصويت، لقالت للسياسيين يوم الاقتراع :

«صوّتوا على ريوسكم باش تبقاو فالمناصب ديما … غير من بعد الانتخابات، عافاكم أنا غير بدّلوني ».

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 12

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 8

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي