عز الخيل مرابطها

عز الخيل مرابطها
الخميس 12 يناير 2012 - 14:59

يتساءل الكثير من الناس مثلي ربما لماذا يغير بعض شبابنا وخاصة المتخرجين منهم من الجامعات المغربية بميزة ” غير مشرف جدا ” جلدتهم بمجرد أن تطأ أقدامهم أرضا أجنبية ، ويتحولون بين عشية وضحاها من مغاربة بسطاء بحمولة ثقافية محافظة إلى أشباه مثقفين فرنسيين وألمان وإنجليز وإلى أنصاف مفكرين علمانيين ناقمين على هويتهم وحضارة بلدهم وأمتهم . يضبطون ساعاتهم على الزمن الأوروبي وعلى الأجندة الغربية ويحملون في جماجمهم فكرا غريبا على تكوينهم وعلى طبيعتهم وبيئتهم التي نشؤوا فيها ، يصيبهم بتشوهات عقلية خطيرة وبالزهايمر ( الله يحفظ ) نتيجة تراكم الأفكار الملوثة في دماغهم وهو ما يؤدي إلى تدهور تدريجي في ذاكرتهم وقدرتهم على التفكير بشكل سليم .
ويتساءل الكثير منا كذلك لماذا يتصرف هؤلاء في حياتهم هناك كما لو أن أمهاتهم حملن بهم ووضعنهم في مستشفيات أوروبا ، ويسابقون الزمن من أجل الاندماج السريع والانصهار الكلي في ثقافة البلد المضيف ونمط عيشه وعاداته وتقاليده . والطامة الكبرى والمصيبة فوق كل ذلك أنهم لا يتركون فرصة تمر من دون الإشادة بحضارة هذا البلد الذي يعيشون فيه ” مؤقتا ” والتنويه بها في أحاديثهم وكتاباتهم وبتفوقها علينا ، ولا يستحيون من تقديم النصيحة لنا ودعوتنا للوقوف من أجل التصفيق لهذا الغرب وهو يستعرض قوته علينا بعدما استنزف خيراتنا في مرحلة استعمارية سابقة ومفاتنه وثقافته وعضلاته العلمية والتكنولوجية علينا ، وكأننا نحن المسلمين لم تكن لنا أية مساهمة تذكر في وضع أسس لهذه العلوم والتقنيات ولم يكن لنا تأثير في هذه الحضارة الإنسانية لا من قريب ولا من بعيد . وما علينا – أمام هذه الإنجازات والإصابات التي يسجلها علينا الغرب مستغلا مرحلة الضعف والوهن والتمزق التي تمر منها أمتنا الإسلامية لأسباب معروفة – سوى فتح أفواهنا للتعبير عن ذهولنا وانبهارنا وتسخين ” طعارجنا ” على حد قول أحدهم والخروج إلى الشارع ومضمار السباق من أجل تشجيع أبطال الحضارة الغربية ونجومها السينمائية والكرتونية والهتاف بحياتهم والتصفيق لهم بحرارة .
والسبب في هذا الانبهار الزائد عن اللزوم وهذه الرغبة في الذوبان في ثقافة وحضارة الغرب يعود بالأساس إلى ضعف الشخصية والشعور بالنقص تجاه الآخر ، وإلى الفراغ والخواء الروحي الذي يعاني منه هؤلاء المنهزمون نفسيا وحضاريا الذين يحملون في دواخلهم ما يسمى بالقابلية للاستعمار وللاستلاب الفكري والتبعية للغرب المتفوق علينا بحضارته الزائفة التي تجذب إليها ذوي العاهات الفكرية والنفسية المستديمة كما تجذب ألسنة النار واللهب والمصابيح الفراشات إليها وباقي الحشرات كي تقتلها وتقضي عليها.
السبب يعود كذلك إلى كون عدد من هؤلاء المنسلخين عن هويتهم وجلدتهم والمنبهرين بحضارة النصارى لم يعيشوا ربما الحضارة والمدنية في بلادهم ، لأنهم عاشوا في الغالب في البوادي والقرى والمداشر والمدن الصفيحية بمعنى ” من الحمارة للطيارة ” كما يقال ، ولما حطت بهم الطائرة في البلدان الغربية في فرنسا مثلا بضربة حظ أصيبوا بالدهشة والذهول لما رأوه من مظاهر الرقي الحضاري وتناسق وضخامة في البنيان والعمران وروعة المساحات الخضراء ، ولما شاهدوه من وسائل النقل العمومي المتطورة من ترام واي وتي جي في وغيرها ، ولما تذوقوه من خيرات في المأكل والمشرب الحلال منه والحرام ، ولما رأوه هناك من سحر أنثوي وجمال فاعتقدوا أنهم في دار أخرى غير دار الدنيا كما تهيأ لهم حسب فهمهم القاصر للجنة ونعيمها كما ورد ذكرها في القرآن الكريم .
ولا أدري هل تعرفون قصة ذلك الشاب المغربي الذي كان قبل أن تتيسر له ظروف السفر والانتقال للعيش بالسويد شابا معتزا وملتزما بدينه مواظبا على الصلاة مستقيما في سلوكه لا يقرب المحرمات ، وما أن وطئت قدماه أرض السويد حتى قطع صلته بالدين وانغمس رأسا في الشهوات والملذات . ولما وصلت أخباره إلى عائلته هنا في المغرب وأصدقائه الذين كان يرافقهم إلى المساجد في الصباح والمساء ، أعابوا عليه هذا التحول الجذري والسلبي في حياته فأجابهم بأنه لما كان في المغرب كان يصلي ويدعو الله أن يدخله الجنة وها هو قد استجاب له وأدخله حسب تعبيره الجنة في الدنيا !
وقد نلتمس بعض العذر لهذا الشاب الضعيف المسكين لأنه ما شافش الخير فبلادو وما عاش فيه ، والذي جرى له هو نفسه ما جرى لذلك البدوي الفقير صغير العقل الذي لم يتصرف في كثير من الأموال ، ولم يتجاوز في عمليات العد والحساب في حياته كلها رقم ثلاثمائة درهم ( ستة آلاف ريال مغربية ) ولما غادر قريته لأول مرة في يوم من الأيام صوب المدينة وأراد شراء حذاء رياضي رآه في فترينا بشارع محمد الخامس أعجبه كثيرا فسأل صاحب البوتيك :
شحال هاد السبرديلة ؟
ألف درهم ..
شحال ؟؟؟
قلت لك ألف درهم !
فأجابه صاحبنا الذي عاش طفولته كما يقول بين أشجار الأرز مع جدته والقردة :
لاواه ستالاف ! ! !
بعيدا عن الهزل وبالعودة إلى الموضوع السابق وما أثاره من أخذ ورد ونقاش منه ما لامس جوهر القضية ومنه ما زاغ عن سكتها ، أريد أن أتوجه بسؤال واضح وخاصة لأولئك الذين دافعوا باستماتة عن الفرنسيين المتحضرين وعن القانون والقضاء الفرنسي العادل الذي يحمي حقوق الإنسان ذكرا كان أو أنثى وحريته في التعبد واختيار المذهب والديانة التي يقتنع بها ويراها منسجمة من ضميره وأحاسيسه واحتياجاته الباطنية وطموحاته وتطلعاته لحياة أفضل ، حول رأيهم وتعليقهم على قصة ذلك المغربي المسلم الذي تم طرده من فرنسا بموجب حكم قضائي فقط لأن زوجته الفرنسية توفيت بعد اعتناقها الإسلام عن طواعية واختيار، فرفع شقيقها دعوى قضائية ضد هذا المغربي الذي يزعم أنه أرغمها على تغيير ديانتها وتسبب في وفاتها ، وكأن عمر هذه السيدة الفرنسية تغمدها الله بواسع رحمته ما كان لينتهي وأن أجلها المحتوم ما كان ليحين لو لم تتحول إلى دين الإسلام !
فما هذا الجهل وما هذا الهراء وما هذا الظلم يا دعاة الحرية والعدالة الزائفة وحقوق الإنسان الضائعة في بلاد النور والأنوار ؟
وكان أحد الإخوة المحترمين في الموضوع السابق قد طلب مني ( في تعليق طار من مكانه ) أن أتحدث عما سماه ” قوالب” المغاربة المقيمين في الخارج ، وتذكرت حكاية ذلك المغربي الذي ظن أنه أذكى من الهولنديين وادعى إصابته بالصمم واشتكى للقائمين على قانون الشغل في هولندا من مشكل فقدان السمع لديه بسبب ظروف العمل التي يشتغل فيها وطالب بالرعاية الصحية الأبدية وبالتعويض عن الضرر الذي لحق به . ولما تم عرضه على طبيب أخصائي في أمراض الأذن وحاسة السمع أجلسه هذا الأخير أمام مكتبه وبدأ يوجه له بعض الأسئلة حول المشكلة التي يعاني منها ، وعند كل سؤال يدعي صاحبنا أنه لا يسمعه وبحركات بهلوانية بيده ورأسه حاول أن يوصل إليه بأنه لا يفهم شيئا مما يقوله له . وفي لحظة ما وبعدما ساور الشك هذا الطبيب الهولندي الأذكى بكثير من المغربي البوحاطي ، أدخل يده في جيبه وكانت به حفنة من القطع النقدية المعدنية وألقى بها بكل هدوء وثبات على الأرض وما أن وقعت محدثة صوتا ورنينا حتى قفز المغربي من مكانه وقام بحركة لا إرادية موجها بصره إلى ما تحت المكتب من دون أن يشعر بالفخ الذي أوقعه فيه الطبيب الذي قال له بعدما كشف زيف ادعائه من دون فحصه لا بيده و لا بالأجهزة الطبية المتطورة ما مفاده :
نوض أولدي على سلامتك سير تخدم على راسك وعلى ولادك وخطينا من القوالب !
هذا هو حال بعض المغاربة الذين لا يشرفون وطنهم الأصلي وأمتهم وديانتهم مع كامل الأسف. شي باغي ينصب على الباطرون ويتحايل عليه ويتملص من الالتزامات ديالو معه ، وشي باغي يتقرب من الباطرون وصاحب الشركة أو المقاولة ويتملق ليه بالظهور أمامه بمظهر الإنسان الأوروبي المتحضر الذي يكره الدين والأصل والفصل ويأبى العبودية لغير الهوى وإطلاق العنان للنفس والغرائز ظنا منه بأنه سيخلد في هذا الرضا والنعيم الأوروبي ، مع أن كل المؤشرات تدل على أن العيش في أوروبا لسنوات أو عقود أخرى بات أمرا غير مضمون ، وأن أوضاع المغاربة هناك لم تعد كما كانت في السابق ومستقبلهم لا يبعث إطلاقا على الارتياح .
والأزمة الاقتصادية الأخيرة التي اجتاحت العالم وما تسببت فيه من خسارات وانهيارات مفاجئة في البورصات وأسواق العقار وما يرتبط به من مهن وخدمات ، جعلت اقتصادات عدد من الدول الأوربية عاجزة عن توفير مناصب شغل جديدة ، وجعلت عددا من المقاولات والشركات هناك عاجزة كذلك عن الحفاظ على اليد العاملة المتعاقدة معها كاملة . ولذلك تابعنا في الآونة الأخيرة كيف تحركت آلة الطرد الممنهج والترحيل القسري للمغاربة المقيمين في أوروبا سواء منهم المقيمون بوثائقهم القانونية أو بدونها وهم كثيرون ، رفضت دول فرنسا واسبانيا وايطاليا تسوية أوضاعهم بعد استيفائهم للشروط المطلوبة كما كانت تفعل في السابق ، وأصبح توفير منصب شغل للمواطن الأصلي هو الشغل الشاغل والهم الرئيسي لحكومات هذه الدول العادلة والمتسامحة.
ولذلك فإن ما يجب أن يعيه ويعرفه المغاربة المقيمين بالخارج عموما في ظل هذه الظروف والمستجدات والتحولات العالمية بأن الرجوع إلى الأصل أصل وأن مستقبلهم في بلدهم وعزتهم وكرامتهم بين أحضان وطنهم وأمتهم مهما بدت لهم الأمور متخلفة والأجواء قاتمة ومتلبدة بالغيوم ، وأن الطائر المهاجر مهما حلق في السماء وأطال الغيبة لابد له من العودة إلى عشه وأن عز الخيل مرابطها كما يقول المثل الشعبي .

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة يؤدون واجب التصويت
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:14

مغاربة يؤدون واجب التصويت

صوت وصورة
تصويت زعماء الأحزاب السياسية
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:07

تصويت زعماء الأحزاب السياسية

صوت وصورة
افتتاح مكاتب التصويت بمراكش
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 09:08

افتتاح مكاتب التصويت بمراكش

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58

بنعتيق في "دوار الكورة"