علماء يبرزون بأكاديمية المملكة كيفية إعادة "الآثار" كتابة تاريخ المغرب والعالم

علماء يبرزون بأكاديمية المملكة كيفية إعادة "الآثار" كتابة تاريخ المغرب والعالم
صور : يوسف صدور
الجمعة 16 يناير 2026 - 23:00

بمناسبة السنة الأمازيغية الجديدة 2976، ناقش علماء وأكاديميون، في ندوة بأكاديمية المملكة المغربية، كيف تعيد الاكتشافات الأثرية كتابة تاريخ البلاد وكيف تجدّد الأسئلة والأبحاث التاريخية النظر إلى الماضي وفهم الهويات والثقافات وتعزيز الانتماء.

هذه الندوة التي استقبلها، الجمعة، المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب بالعاصمة الرباط، التابع للأكاديمية، قال فيها عالم الآثار عبد الواحد بنصر إن المغرب، وفق مستجدات الأبحاث الأركيولوجية، “من المناطق المفتاح لإعادة رسم أصول الإنسان في إفريقيا؛ نظرا لسجله الأنثروبولوجي والحفرياتي، منذ الفترة السابقة على بزوغ الإنسان العاقل”، حيث يظهر “منطقة دينامية التقت فيها موجات للاستقرار والابتكار التقني والتحول المورفولوجي، وصولا إلى ظهور الإنسان العاقل الذي وُجدت بجبل إيغود أقدم دلائله”.

وقال المدير السابق للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط إن “المغرب ملتقى تطوريّ وامتزجت فيه تأثيرات جينية ومورفولوجية وثقافية، قادمة من مجموعة من المناطق الإفريقية والأوروآسيوية”، مردفا: “لم يكن المغرب هامشا جغرافيا ولا هامشا للتطور البشري؛ بل نوثق مليون سنة من تاريخنا، الذي هو تاريخ الإنسانية”، وهو ما يفسره “التموقع الاستراتيجي للبلاد، وثروته الأحفورية، وتركيب الطبقات الأركيولوجية”؛ مما يجعل لقى أرض المغرب تسهم “بطريقة حاسمة في إعادة التفكير في ديناميات الإعمار، المؤدية إلى ظهور الإنسان العاقل”، ويقدم أيضا “فسيفساء بيولوجية وثقافية”، ناتجة عن هذه الديناميات.

عالم الآثار يوسف بوكبوط تطرق بدوره للاكتشافات الأثرية بالمغرب وإسهامها في” إعادة كتابة تاريخ شمال إفريقيا في العصور القديمة وما قبل التاريخ”، منتقدا فرضيات عممها أكاديميون من بينهم علماء آثار فرنسيون “قرؤوا التاريخ والآثار وفق ما أرادوا لتبرير الاستعمار، عبر تأويل للآثار حتى تقول إن المنطقة كانت متلقية دائما، وأن الأمازيغ قبل الفينيقيين لم يتمكنوا من الزراعة، وبناء المدن”..

لكن، بعدما تغيرت الأسئلة وتوالت الاكتشافات الأثرية، أردف الأركيولوجي: “إلى حدود الآن، كل الإنتاج الثقافي والصناعي الذي ينتجه الإنسان العاقل يرتبط بهذا المكان، لا بتأثير خارجي؛ لأن أقدم آثاره وجدت بالمغرب”، فضلا عن أن “أول حلي وجدت بمغارة بيزمون بالصويرة، وأول أدوات للنسج بمغارة الهرهورة، وأحد أوائل دلائل التقويم الزمني بمغارة بنواحي الناظور، وما تظهره جمجمةٌ بمغارة تافوغالت من نجاح جراحة على الجمجمة”؛ وبالتالي عكس ما رسّخت سنوات الاستعمار من سردية استمرت “نحن لسنا على الهامش؛ بل في قلب أو ملتقى العالم”.

ومن أحدث ما يعزز هذا الواقع “أقدم مجمع زراعي وُجد في جهة وادي بهت، وهو دليل على مجموعات بشرية ابتكرت أمورا، وزرعت مئات الهكتارات، قبل الفينيقيين”، وأيضا “الاكتشاف البيني بمغارة طوما 1 بالدار البيضاء الذي يظهر مرحلة بينية بين الإنسان المنتصب والإنسان العاقل، بالمغرب، ولو أني لست متخصصا في الفترة، فهذا يظهر تطورا مستمرا بالمغرب؛ أي أن ساكنة المنطقة منها، لا كما حاول نسّابون أوروبيون وشرق أوسطيون عرب، نسب الأمازيغ لكل منهم”، قبل أن يدعو إلى “المركزية الإفريقية”، في النظر إلى أصل الإنسان.

المؤرخ مصطفى القادري، الذي لم يسلم بعدد من الفرضيات التاريخية، من بين ما انتقدته مداخلته عند حديثه عن رأس السنة الأمازيغية اعتبار أن الأمازيغ قد تبنوا التقويم الروماني، بينما “الرومان كانوا يبدؤون تقويمهم بشهر مارس، وتبنوا بشمال إفريقيا التقويم الأمازيغي”.

ونبه القادري إلى خدعة معرفية في زمن البحث الاستعماري هي النسبة إلى اللاتينية، وكأنها أصل؛ بينما كانت حاضرة في مناطق متعددة من بينها هذه المنطقة. وتساءل المؤرخ ذاته استنكاريا: “ما الرومان؟ وما اللاتينية؟ إنها لغة مولّدة (…) الرومان نحن، سيزار هو أنا”، في إشارة إلى الحضور اللاتيني الذي شمل مناطق جغرافية متوسطية شاسعة، وعبرت بلسانه ثقافات متعددة، قبل انقراض الاستعمال اليومي لها.

أما المؤرخ أحمد سراج، فقد تطرقت مداخلته “للمناطق المظلمة في تاريخ المغرب”، التي قد تكون في أحيان “5 قرون، لا نعرف، أو لا نرى منها إلا بعض الأسماء، وبعض الأحداث؛ وهي في الحقيقة ليست عصورا مظلمة، بل مشكلة مصادر غائبة”.

وبسبب الشفاهة التي تنقل بها المعارف أو اندثار المصادر أو غير ذلك، يتفهم الباحث “مقاربة المؤرخ، الذي لا يجد مصدرا إلا دمج المصادر؛ ومنها المصادر العربية، التي كتبت على المجال المغربي، ومع ربطها بالمصادر اللاتينية والإغريقية والبيزنطية قبلها”.

وطعن سراج في علمية وصحة بدء تاريخ المغرب “بتاريخ محدد، في ارتباط بتغيير الدين مثلا؛ لأن التاريخ كل لا يمكن تقسيمه، ولا يمكننا فهم ما سيحدث غدا في مباراة نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال، إذا لم نفهم ما حدث في كأس العالم مثلا، وكأس إفريقيا قبل 22 سنة بتونس. إذ لا يمكن أن نبدأ التاريخ من لحظة منبثّة”.

ونبه المؤرخ إلى “مراحل لم يرد أحد الاقتراب منها، رغم أهميتها بالنسبة لكل مستقبل المغرب”؛ مثل “الحضور الوندالي والحضور البيزنطي”، مردفا: “هناك مغاربيون قدموا كثيرا للحركة الدوناتية كحركة ودين، هزمت الإمبراطورية الرومانية، بتزامن مع الحركات الدينية الأريوسية”، كما “لم نشتغل كثيرا على مدينة سبتة، رغم دورها المهم جدا في العلاقات بين المغرب وأوروبا. وأيضا، في المتوسط. ففي العهد البيزنطي كانت عاصمة، لإقليم (…) وتكلفت خاصة، بالسهر على حراسة جبل طارق؛ بوابة المتوسط”.

ومن المراحل المظلمة رغم “ظن الناس أننا نعرف الكثير حولها” “مرحلة دخول الإسلام (…) التي علينا العمل كثيرا عليها لمعرفة ما حدث”، هي ومراحل لاحقة مثل “البورغواطيين الذين كانوا مسلمين كانت لهم طريقتهم في ممارسة الإسلام”، كما ينبغي “الاشتغال على “المد الزناتي يمكن من فهم تاريخ وصول الإسلام، وهي حركية مد للتاريخ”.
أحمد سكونتي، أستاذ باحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، تحدث، في تصريح لهسبريس، عن الندوة بوصفها “حلقة في إطار سلسلة من الندوات ستنظم حول ثقافة وتاريخ المغرب في بعده الأمازيغي أساسا”.

وأضاف سكونتي: “هذا اللقاء يهتم أساسا بالأركيولوجيا وإسهامها في تعريف تاريخ المغرب، رغم محدودية ممارستها في البلاد، حيث تنحصر خاصة في معهد الآثار بالرباط مع تعليم محدود لها في الجامعة”.

وتابع الأنثروبولوجي وخبير “اليونسكو”: “من هنا، تبرز أهمية هذا الموعد للتعرف على الاكتشافات الأركيولوجية في السنوات الأخيرة، التي أبرزت مكانة المغرب عالميا في أصل الإنسان العاقل، والسلالات قبله مثل الاكتشاف الأخير في الدار البيضاء، وتسهم في كتابة فترات ما قبل التاريخ، وما قبل الإسلام هي فترات غير معروفة كثيرا عند المغاربة، إضافة إلى فترة الممالك الأمازيغية وفترة الإسلام والإمبراطوريات المغربية والشمال إفريقية”، خالصا إلى أن “هذه الاكتشافات الأثرية تساهم في التعريف بتاريخ المغرب وإشعاعه، وإعلاء مكانته الدولية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Marocain Lambda
    الجمعة 16 يناير 2026 - 23:50

    ضهر الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا ! قران كريم…

  • علي
    السبت 17 يناير 2026 - 08:08

    عندما يخرج عالم أثر ليقول إن الأصول “قادمة من مناطق إفريقية وأوروآسيوية” دون تحديد دقيق، فنحن لسنا أمام كشف علمي، بل أمام “ضبابية مقصودة”. تمرير هذه الفرضيات في القنوات العمومية هو محاولة يائسة لإعادة إنتاج سردية “المغربي الوافد” أو “الدخيل”، وهي سردية تهدف ضمنيًا لزعزعة الارتباط بالأرض وتصوير الذات المغربية في مرتبة أدنى.

    بعد أن تهاوت المناهج الدراسية التقليدية أمام وعي الجيل الجديد، نراهم اليوم يستنجدون بـ “ليّ ذراع العلم” لخلق انقطاع تاريخي بين المغربي وأرضه. ، فمن خلال تجربة الكان ،
    لا نزال نجد المغربي ، نتيجة هذا التشكيك المستمر في أصوله، يحاول التحدث بلغة الآخر لإثبات وجوده، في حين يعتز الآخرون بهويتهم دون مركب نقص.

  • متتبع
    السبت 17 يناير 2026 - 09:21

    عندما نضع الانا والعرق قبل العلم (الا بعض الاستثناءات) فيصبح اللقاء اتباع للهوى والانتصار لاصفى واقدم عرق بدل تحقيق العلم وتنوير العقول
    فالانتصار للعرق انتصار للهوى و الفتنة والاقتتال
    بدل الانتصار للعلم الذي يولد الرحمة والتعايش والسلم ولهذا ربط القران كل ايات العلم بالرحمة
    “ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما”
    “اتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما”.
    فتجد العالم داءما رحيما بالغير مهما ضل واخطىء.
    اما العرق والهوى فمبدعها الجاهل الشيطان.
    “انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”.

صوت وصورة
منع الأطفال من السوشل ميديا
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 12:49 2

منع الأطفال من السوشل ميديا

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 20

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 4

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 4

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 5

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 24

المنصوري ترد على الأزمي