عندما ينجح أستاذ الإعلام في حبك الرواية

عندما ينجح أستاذ الإعلام في حبك الرواية
الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 - 06:00

في أول عمل روائي، اختار الدكتور عبد الوهاب الرامي* بناء تخييليا مختلفا تماما عن السائد اليوم في الأدب المغربي المكتوب باللغة العربية.

ومن المؤسف حقا، في تقديري الشخصي، أن يصدر العمل الروائي لاسم مغربي له مكانته عن دار نشر مصرية، ولو أنني أتفهم الأمر، لأن غلبة الشللية والمصالحية يجعل هجرة المبدعين المغاربة، من المبعدين اضطراريا صوب الشرق والغرب، أمرا لا مفر منه مغربيا.

ولأنه الدكتور الرامي، صاحب الظل الطويل، كما لقبته في روايتي “زمن العرفان”، ختم عمله الروائي “تل الخزامى” بحكمة هزيمة الشر، عبر مشهد درامي جسد سوء خاتمة للاسعالة وهي ميتة، بعد أن شربت سما لتنتحر، بعد أن كشف سيدي شلهوب تفاصيل مخططها للاستيلاء على مجلس الحكماء وسط رهط هرم عمريا، من حمقاء قبيلة آل برغوط.

لم أتفاجأ لبناء العمل الجامح في الخيال، البعيد في ضرب المعاني، بانتصار مصيري للخير على الشر، وبانهزام سيدة حاكت المؤامرات، واخترعت الرؤى باسم واهب الكرامات.

واستعرض الروائي مهاراته في اللغة العربية بتزيين نصه بكلمات من التراث اللغوي العربي راقي المقام، ما يعكس سعة اطلاع، وقدرة أستاذ على استعمال البهارات اللغوية، بما ينفع الوصفة الإبداعية ولا يصيبها بضرر، وبما لا يثقل على القارئ بلغة عربية صعبة الاستيعاب، فاستقام الميزان وسهل السفر الروائي.

كما تخيل الكاتب عالما إبداعيا قائما خارج الزمكان الحاضر، وما دامت الحمير والبغال وسيلة نقل، فهذا مؤشر على أن الزمن هو تاريخ غابر، وبما أن اللغة المستخدمة عربية، فالأرض تنتمي إلى المجال الجغرافي الناطق جزئيا أو كليا باللغة العربية، الممتد من شبه الجزيرة العربية، مرورا عبر الشرق الأوسط، وصولا إلى شمال إفريقيا: وتبقى هذه فرضية للتحليل الروائي.

وفي الرواية مفاجأة ذكية، ففي توقيت لا يتوقع القارئ، الذي يطارد ترقيم الصفحات للوصول إلى خاتمة المروية، يتغير خط تطور الأحداث: تخرج شخصية كانت ثانوية لتقلب الطاولة وتتجاوز شبه قرار كان أصبح ناضجا، بطرده من مجلس الحكماء لأنه مشكك ومناقش نهم، ولا يوافق تفاسير الرؤى من السادة الحكماء.

وشخصية سيدي شلهوب تتصاعد أسهمها، بعد أن كانت شخصية عادية جدا، تهتم أكثر بشؤون شبق حماره، كي تمارس بكل شجاعة، غير متوقعة، لعبة فضح الأفعى للاسعالة، ولو أنها نجحت في أن تطأ بيته من دون رغبته، في جزء من خطتها لقتل الحكماء بخلطاتها العجيبة والمسمومة غالبا.

ففي الرواية تعيش مروية شيقة جدا لصراع الخير والشر وتنبيه واضح للقارئ من مغبة الخطأ الفادح للإنسان في السقوط من دون إعمال للتفكير في الإيمان بالخرافة، وتحويلها إلى فزاعة لإرهاب الناس من العامة، وإخافتهم في حياتهم الاجتماعية العادية بنزول اللعنات.

ومن رسائل الروائي أن واضعي القوانين في مجلس الحكماء، من المؤتمنين على حسن تطبيقها من الشيوخ، هم أول الخارقين لها لأنهم سادة في المروق من القانون أيضا، ولأنهم أيضا الساعون لتحقيق نزواتهم باختراع رؤى وتفسيرها على مقاس الهوى.

وأرجح هنا أن الإسقاط على الواقع المغربي ممكن، أي إن الروائي سافر بعيدا في الزمن لإعلان مواقف من تحولات المجتمع المغربي اليوم، بعدم التسليم السريع لكل قائد رأي ومعلن موقف، بل لا بد من التفكر والتأمل قبل اتباع أي طريق، لأن التسليمية قرار خاطئ إذا غيب العقل.

ينتاب القارئ شعور بأن الروائي المغربي يدور في حلقة واحدة، ولكنها في نظري الحرفية والصنعة في الكتابة، رتبت نسج أحداث الرواية، وبسط معالم العالم المتخيل أمام القارئ، فيضيف الروائي للوصفة تتبيلة من بهارات الحكمة، والنقاش العقيم تارة، والتفاعلي تارة أخرى، بين الحكماء الشيوخ.

كما ينتقد الكاتب بشجاعة، على لسان شخوصه، خطورة الإيمان بالخرافة، التي يخترعها الانتهازيون، فتصبح القبيلة رهينة لهم، فيرسمون للخرافة طريقها، في تأمين دائم للمصالح، ولو عبر إقصاء بالعقاب المبارك من سيدي برغوط واهب الكرامات لكل صوت مخالف.

في تقديري، من الطبيعي أن الأكاديمي الناجح هو روائي ناجح، لأنه فارس شجاع في ركوب صهوة اللغة، وفي تطويع الخيال، وفي تأثيث تسلسل الأحداث بحكم يستفيد منها المسافر في النهاية، عبر رواية “تل الخزامى”.

والطفلة ذات التسع سنوات، في نهاية الرواية، واسمها حنيشة، عادت لوالدها الصبور، لتنطلق ثورة جماعية ضد الخرافة.

وفي تصحيح لما ورد، سهوا لا خطأ متعمدا، في أول هذا النص، فإن الدكتور عبد الوهاب الرامي وصل إلى رابع نص روائي، بعد نصين باللغة العربية؛ “سنة بين قطارين”، و”الموظف”، ونص ثالث بالفرنسية اسمه “أشواق متأخرة”.

*الدكتور عبد الوهاب الرامي روائي وشاعر صاحب ديوان شهير بعنوان “تراتيل لزهر الرمان” أستاذ مادة الصحافة المكتوبة في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط في المغرب مؤلف لكتب مرجعية مغربيا وعربيا في الصحافة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ahmed
    الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 - 13:57

    الأستاذ عادل
    الدكتور عبد الوهاب الرامي خبير إعلام وشاعر وروائي.وللإشارة فقط ، الرواية التي تتحدثون عنها ليست روايته الأولى،فقد أعلن عن نفسه منذ بواكيره بإصدار رواية،لعلها لم توزع جيدا.أما مسألة النشر،فليس الأستاذ الرامي من يعدم ناشرًا في المغرب،خصوصًا بعد تفعيل آلية دعم الكتاب من طرف وزارة الثقافة.الكثير من الأدباء المغاربة يختارون النشر خارج المغرب لما فيه من فوائد الانتشار عربيّا مثلما يسعون لترجمات أعمالهم لما فيه من فوائد النتشار عالميّا.

  • محمد الزوهري
    الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 - 20:24

    الأستاذ عبد الوهاب الرامي مبدع في عمله الأكاديمي، وفي حياته الأدبية والفنية… فيض إنساني وإبداعي يختزله هذا الرجل الذي تعلمنا منه، ومازلنا، الشيء الكثير…

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور