يشكل هذا التقرير مرجعا أساسيا لفهم تحولات الاقتصاد المغربي، ولا يمكن لأي تفكير جدي في السياسات العمومية والسياسة العامة أن يتجاهل غنى معطياته ودقّة تشخيصه. فهو يقدم لوحة شاملة لوضعية النمو، والتشغيل، والتضخم، والمالية العمومية، والاندماج في الاقتصاد العالمي، بما يجعل منه أداة لا غنى عنها أمام صانعي القرار والباحثين على حد سواء.
من جهة أولى، تكمن أهمية التقرير في كونه يبني جسرا بين المؤشرات الماكرو اقتصادية وبين خيارات السياسة العامة: فهو يبرز هشاشة النمو أمام الصدمات الخارجية (أسعار الطاقة والمواد الأولية، تقلبات المحاصيل الفلاحية)، ويكشف استمرار اختلالات سوق الشغل، وضغوط التضخم على كلفة العيش، وحدود هامش الميزانية بفعل تزايد الدين والحاجات التمويلية. هذه المعطيات، إذا ما أُحسن توظيفها، يمكن أن توجه الحكومة المقبلة نحو سياسات أكثر استهدافا وواقعية، سواء في دعم الفئات الهشة، أو في توجيه الاستثمار العمومي نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وخلق الشغل.
ومن جهة ثانية، يسمح التقرير بقراءة نقدية للوضع الراهن: فبرغم وفرة الأرقام، يتبيّن أن أثر النمو على التشغيل وجودة العيش يبقى محدودا، وأن الفوارق الاجتماعية والمجالية ما تزال قائمة، وأن المالية العمومية تُدار أكثر بمنطق التوازنات الحسابية منها بمنطق فعالية الإنفاق وعدالته. كما يكشف التحليل عن استمرار تبعية الاقتصاد لعوامل خارجية (الطاقة، المواد الأولية، الطلب الخارجي)، وعن ضعف الاندماج الصناعي والابتكار، وهو ما يطرح سؤال نموذج التنمية برمّته لا فقط وتيرة النمو.
انطلاقا من هذا التشخيص، تبدو مسؤولية الحكومة المقبلة مزدوجة: أولا، تجاوز مقاربة “التدبير بالأرقام” نحو سياسات عمومية تضع الإنسان في قلب الاختيارات، عبر ربط مؤشرات النمو والتضخم والدين بمؤشرات ملموسة للرفاه الاجتماعي، كجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق، وتوسيع قاعدة الطبقة المتوسطة. وثانيا، اعتماد سياسات عامة أكثر فعالية، تقوم على: تركيز الاستثمار العمومي في القطاعات الإنتاجية ذات الأثر الكبير على الشغل، إعادة توجيه الدعم والحماية الاجتماعية على أساس الاستهداف الدقيق للفئات الأشد هشاشة، إصلاح جبائي يحقق عدالة أكبر ويوفر موارد مستدامة، وتعزيز حكامة السياسات عبر التقييم المنتظم وربط القرار العمومي بنتائج التقويم لا بتوازنات ظرفية.
بهذه الروح، يمكن للتقرير أن يتحول من وثيقة تقنية تُقرأ في دوائر محدودة، إلى قاعدة معرفية لإعادة بناء السياسات العمومية على أسس الدليل والفعالية والإنصاف. يبقى الرهان الحقيقي في أن تتملك الحكومة والبرلمان والفاعلون العموميون مضامينه، وأن يتحول ما يقدمه من تشخيص رصين إلى خيارات سياسية شجاعة تعيد ترتيب الأولويات لصالح الإنسان، والتنمية المتوازنة، والعدالة الاجتماعية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.