عودة المغرب إلى إفريقيا

عودة المغرب إلى إفريقيا
الإثنين 17 نونبر 2025 - 16:01

عاش المغرب خلال عقود من تاريخه المعاصر، نقاشا حول الهوية تناول جميع مكونات البلد الثقافية والحضارية واللغوية والدينية، وذلك في ظل نموذج دولة اعتمد أساسا على الإرث الاستعماري الذي تبنى النموذج الفرنسي، القائم على إنكار عناصر التنوع وتكريس هوية وطنية اختزالية مبنية على انتقاء عنصر وحيد وتهميش الباقي، وقد أدى النقاش العمومي المشار إليه بعد ما يقرب من نصف قرن إلى انتقال المغرب دستوريا وسياسيا من منظومة الأحادية الثقافية واللغوية إلى اختيار تدبير التنوع والاعتراف بجميع مكوناته، ولعلّ من أبرز نتائج هذا الاختيار الديمقراطي الهام، ردّ الاعتبار للانتماء الإفريقي للمغرب الذي كان مهملا يطاله النسيان لمدة غير يسيرة.

ولقد أدى التنصيص في الدستور المغربي على المكون الإفريقي لهوية البلد سنة 2011، إلى تزايد اهتمام المغاربة بانتمائهم القاري، حيث صار من البديهي عدم إمكان التشكيك في الجغرافيا، باعتبارها الامتداد المادي الذي نعيش فوقه، فالمغاربة أفارقة الهوية بانتمائهم إلى الأرض التي تحدد قبل غيرها من العوامل والمكونات هوية السكان.

ـ ولعل أهم العوامل لهذا الجحود المحض إيديولوجي تجاه الهوية الإفريقية أربعة عوامل يمكن توضيحها كالتالي:

ـ وجود الصحراء الكبرى التي كانت تفصل منذ قرون طويلة المغرب عن بلدان جنوب الصحراء، مما أدى إلى جعل التوغل في اتجاه الجنوب مليئا بالمخاطر بسبب شساعة الصحراء ووعورتها. غير أن هذا العامل لم يمنع من جعل الصحراء نفسها معبرا وقنطرة في اتجاه الجنوب في لحظان عديدة من التاريخ، بفضل التبادل التجاري والثقافي والديني.

ـ الارتباط بالمشرق بعد انتشار الإسلام في شمال إفريقيا، مما خلق امتدادا حضاريا وثقافيا بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكان العامل الديني من أكبر الأسباب التي جعلت المغرب مشدودا منذ قرون إلى المركز الثقافي المشرقي، وأدت بالتالي إلى جعل أواصر الارتباط بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء أقل زخما مما كانت عليه في شمال إفريقيا.

ـ جهل المغاربة باللغات الإفريقية لجنوب الصحراء، في مقابل استعمالهم للغة العربية في دواليب الدولة وفي الثقافة الكتابية، وبقاء قبائل الأدغال الإفريقية على ثقافاتها القديمة الأصلية، متحصنة في حزامين اثنين حزام الصحراء وحزام الغابات الاستوائية.

ـ اندلاع الصراع بين المغرب والجزائر سنة 1975 والذي أدى إلى انسحاب المغرب من “منظمة الوحدة الإفريقية” كما كانت تسمى آنذاك، في عهد الملك الحسن الثاني، حيث زاد هذا القرار من عزلة المغرب إفريقيا، وسمح للدبلوماسية الجزائرية والليبية بالعمل بنجاح ضدّ المصالح المغربية في إفريقيا.

لقد كان للمغرب تاريخ زاخر في علاقته بإفريقيا جنوب الصحراء، حيث أدى التفاعل مع العمق الإفريقي جنوب الصحراء إلى تأثير ملموس في التشكيلة السكانية المغربية، كما تعمق الطابع الإفريقي للثقافة المغربية من خلال التبادل الذي اتخذ أبعادا متعددة دينية وثقافية وتجارية مع مناطق الساحل وبلدان جنوب الصحراء التي كان المؤرخون يسمونها “بلاد السودان”.

ويمكن القول بعد ذلك الانقطاع التاريخي أن مغرب اليوم يعيش ما يمكن تسميته بـ”الصحوة الإفريقية للمغرب، يضع فيها المغرب تصورا عمليا لاستعادة أدواره في القارة الإفريقية، واستعادة الوعي بالانتماء إلى إفريقيا باعتباره جزءا من الوعي الوطني العام لدى المغاربة.

وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى الرهانات السياسية والاقتصادية والثقافية الهامة التي أصبحت بارزة بوضوح في توجهات الدولة المغربية نحو إفريقيا خلال العقد الأخير على وجه الخصوص:

ـ أن ثمة اتجاه سياسي واقتصادي أصبح أكثر اقتناعا بضرورة لعب دور استراتيجي طليعي بإفريقيا، وما جعل هذا الرهان أكثر بروزا مسلسل الشدّ والجذب مع الجارة الجزائر، التي تراجع دورها نسبيا في الآونة الأخيرة. ويبرز هذا التوجه الاقتصادي والسياسي بوضوح في عدد الاستثمارات التي تشرف عليها بنوك مغربية أصبحت تستحوذ على نصيب الأسد في المشساريع الاقتصادية بجنوب الصحراء، مما أزعج الشركات الفرنسية التي شعرت بمنافسة حقيقية من المغرب في إفريقيا مؤخرا.

ـ أن هذا التوجه السياسي الاقتصادي تزامن مع اهتمام كبير بالبحث العلمي لمعرفة إفريقيا أكثر من ذي قبل، مما انعكس على المقررات والبرامج الدراسية التي أصبحت تعمل على رد الاعتبار تبعا لذلك لعدد كبير من المعطيات التاريخية والجغرافية والأنثربولوجية المتعلقة بدول جنوب الصحراء، وربط الكثير من الظواهر الثقافية المغربية بجذورها الصحراوية ـ الإفريقية إضافة إلى تمكين الباحثين المغاربة من توفير المعطيات الضرورية والوثائق اللازمة لإعادة نسج علاقات جديدة مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، مبنية على أساس الانتماء المشترك للقارة السمراء.

ـ وفي هذا الاتجاه نفسه يمكن تسجيل أن اعتراف الدولة المغربية بالمكون الثقافي واللغوي والأمازيغي قد جعل انتماء المغرب إلى إفريقيا أكثر قوة، حيث تعتبر الأمازيغية بوصفها لغة وثقافة وهوية إفريقية إرثا عريقا يشدّ المغرب إلى انتمائه القاري.

والسؤال المطروح هو : هل يمكن لمراهنة المغرب على إفريقيا أن تسمح له بالانتقال نحو نموذج اقتصادي وثقافي مغاير وأكثر دينامية؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • amaghrabi
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 09:00

    سيدي عصيد المحترم وأصفك بالرجل الحيوي الحاضر بقوة في الشأن الاجتماعي والسياسي والثقافي في دولتنا العريقة التي وصلت والحمد لله الى نضج نخبوي من المستوى الرفيع والحمد لله ,وفي البداية أذكرك ببيتين لطرفة بن العبد”وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ,على المرء من وقع الحسام المهند”فذرني وخلقي انني لك شاكر,ولو حل ببيتي نائيا عند ضرغد” ,سيدي عمقنا الترابي كمثل جميع الدول في العالم ييبدأ بالجوار وجوارنا شمالا اوروبا وغربا المحيط وجنوبا موريطانيا وشرقا الجزائر وهذا هو بيت القصيد بحيث نصف قرن ونحن في حرب نفسية اقتصادية وسياسية مع هذا العدو الافريقي الذي هو باب لنا نحو افارقة الشرق ابتداء من الجزائر الى تونس وليبيا والسودان ومصر ومن خلالهم الى الدول العربية الشقيقة وجنوبا مع موريطانيا والتي هي نفسها تراوغ في كثير من الاحيان رغم اننا نقدم لها خدمات مهمة من اجل تسهيل العبور والرواج بيننا اما اوروبا فهي كذلك في كثير من الاحيان تخلق لنا متاعب ووو ألا يصد شعر طرفة على مثل هؤلاء ؟هل هناك كلام على العمق الافريق مادام الجيران لا يؤمنون بالجورة فكيف نمد يدنا نحو العمق الافريقي باريحية

  • Lamya
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 11:07

    لا يمكن وصف ما حدث بانه “عودة” بالمعنى الحرفي للكلمة لان المغرب لم يقطع صلته بافريقيا نهائيا في يوم من الايام, لقد كانت افريقيا دائما في صلب سياستنا الخارجية و تاريخنا و وجداننا
    حتى في فترة انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الافريقية في عام ١٩٨٤ لم تقطع المملكة علاقتها مع القارة, بل حافظت على أواصر التعاون مع دول افريقيا جنوب الصحراء
    ان ما نراه اليوم هو تكريس و تتويج لجهود مضنية قادها جلالة الملك حفظه الله تجلت في
    – الدبلوماسية المكوكية: سلسلة من الجولات و الزيارات الملكية المكثفة التي شملت عشرات الدول الافريقية
    -الاستثمار التنموي: ضخ استثمارات ضخمة في مختلف القطاعات خصوصا في دول غرب افريقيا, مما جعل المملكة شريكا اقتصاديا استيراتجيا حقيقيا يتبنى مبدا التعاون جنوب-جنوب
    -العمق الروحي و التاريخي: لا ننسى البعد الديني و التاريخي الذي يجمعنا بالعديد من هذه الدول حيث يمثل أمير المؤمنين رابطا تاريخيا عبر المؤسسات الروحية و العلماء

  • Lamya
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 11:07

    و عليه كان رجوع المغرب الى الاتحاد الافريقي خطوة ضرورية لتكريس هذه العلاقات الجيدة و المتميزة التي حافظت عليها المملكة و تتويجا لها و بالتالي الحضور المغربي في افريقيا هو امتداد طبيعي و اصيل و ليس استئنافا لصلة منقطعة

  • مربط الفرس
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 11:55

    المغرب هو بوابة العالم على افريقيا و جسرها التاريخي و التجاري, هذا الدور الحيوي لم ينقطع, و تم تكريسه بشكل ملموس بتحرير معبر الكركرات الحدودي الذي يضمن استمرارية الشريان التجاري للقارة

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36 14

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18 6

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32 9

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 7

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة