تفشي الانقلابات العسكرية يبعثر الأوراق السياسية في القارة الإفريقية

تفشي الانقلابات العسكرية يبعثر الأوراق السياسية في القارة الإفريقية
كاريكاتير: عماد السنوني
الجمعة 1 شتنبر 2023 - 03:00

بعد سنوات من “شبه استقرار سياسي” عرفته عدد من الدول الإفريقية، وسط محاولات لتوطين الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وإرساء قواعد اللعب الديمقراطي النظيف، يعود من جديد “وباء الانقلابات العسكرية” ليبعثر الأوراق السياسية في القارة السمراء، التي أنهكها الفقر والصراعات الداخلية، رغم الموارد الطبيعية الهائلة التي تنام عليها الشعوب الإفريقية.

انقلاب يجر الآخر، هكذا يبدو المشهد اليوم في إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء على وجه الخصوص، حيث خرج الجنود من ثكناتهم ليتصدروا المشهد، وليرسموا معالم “الانتقال السياسي المأمول”. من تشاد إلى غينيا ومالي فالنيجر، وصولا إلى الغابون، تستمر الانقلابات العسكرية بوتيرة متلاحقة تسائل الأسباب المُفسرة لـ”تهافت الجيش على السلطة”، والمآلات المستقبلية لهذا الوضع في ظل التنافس والصراع الدوليين المحمومين حول هذا المجال الجغرافي.

فراغ مؤسساتي وغضب شعبي

البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتدبير المخاطر وتحليل الصراع، قال إن “القارة الإفريقية من أكثر المناطق في العالم التي تعرف انهيارا لمنظومتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية، نتيجة العديد من التطورات والتحولات الناجمة عن الفراغ المؤسساتي الذي تخلفه الحروب الأهلية وتسيد الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود، إضافة إلى توطن الحركات الانفصالية في المناطق الفاشلة أمنيا”.

وأضاف البراق أن “القارة الإفريقية اجتمعت فيها الكثير من العناصر التي تؤثر على المسارات التنموية واستقرار المجتمعات المحلية”، مبرزا أن “هذا الوضع هو نتيجة حتمية لمجموعة من العوامل متعددة الأبعاد، أهمها فشل أو إفشال الدول المستقلة عن الاستعمار في تأسيس بنيات وظيفية قوية تؤهلها لممارسة دورها الكامل كدول ذات سيادة، وبالتالي تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية والإرهاب واستفحال الجريمة”.

ولفت المتحدث عينه إلى أن “إفريقيا وبشكل خاص منطقة الساحل والصحراء تشهد حالة استقطاب حاد وصراع جيو-إستراتيجي مرتفع الترددات بين القوى العالمية والإقليمية، بسبب مصالح لها ارتباط بالوضع العالمي، ما يحولها إلى ملتقى دولي تتقاطع فيه المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، وحلبة مفتوحة لتنافس المحاور والقوى العالمية، خاصة أن المنطقة أصبحت لها أهمية كبرى في ظل بروز بوادر تشكل نظام عالمي جديد مُغاير لما أفرزته مرحلة ما بعد الحرب الباردة”.

في الصدد ذاته أوضح البراق أن “البيئة الاقتصادية والأمنية الهشة، إضافة إلى التدخلات الأجنبية في هذه المنطقة، كلها عوامل تؤثر على الديناميكيات السياسية المحلية، وتزيد من التوترات وعدم الاستقرار السياسي الذي يُترجمه تواتر الانقلابات”، مضيفا أن “عدم احترام المواثيق الديمقراطية ولجوء الحكام المدنيين إلى تمديد فترات حكمهم بشكل غير ديمقراطي يٌعزز أيضًا الغضب الشعبي، ويؤدي إلى البحث عن وسائل أخرى لإحداث التغيير السياسي، ويزيد من احتمالية حدوث الانقلابات العسكرية كوسيلة للشعب للمطالبة بالتغيير”.

وخلص المصرح لهسبريس إلى أنه “رغم تعدد الأسباب إلا أنه لا يمكن تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة في القارة الإفريقية من خلال الانقلابات العسكرية، ذلك أن بناء مؤسسات ديمقراطية قوية واحترام حقوق الإنسان وتعزيز الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة هي فواعل أساسية لتحقيق الاستقرار في هذه القارة”.

تنافس دولي وإعادة إنتاج

من جهته، قال محمد عطيف، باحث في العلاقات الدولية، إن “تفشي وباء الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل والصحراء راجع إلى الضعف السياسي والاقتصادي لدول هذه المنطقة”، مشيرا إلى أن “التنافس الدولي حول هذه المنطقة، لاسيما بين كل من روسيا والصين، من جهة، والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا من جهة أخرى، يُساهم بشكل كبير في توالي الانقلابات العسكرية كوسيلة لتحييد نفوذ هذه الدولة أو تلك من هذه المنطقة، في إطار التدافع الجيو-سياسي بين القوى الدولية سالفة الذكر”.

وأضاف عطيف أن “تباين أجندات الدول الكبرى وخلافاتها السياسية في عدد من مناطق الساحة الدولية، على غرار الحرب في أوكرانيا، ألقى بظلاله على منطقة الساحل والصحراء التي أضحت مجالا للتطاحن الدولي حول النفوذ”، موضحا أن “تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة أفسح المجال لكل من الصين وروسيا لإيجاد موطأ قدم لهما في هذا المجال الجغرافي الغني بالموارد والثروات الطبيعية التي تحتاجها كل الدول”.

ولفت المتحدث عينه إلى أن “الصدام والتنافس الدوليين حول المصالح الإستراتيجية في القارة الإفريقية، إضافة إلى تواجد عدد من القواعد العسكرية الأجنبية في هذه المنطقة، وفي ظل الانقلابات العسكرية الحالية وضبابية المشهد السياسي والأمني، يُقوي من التواجد الأجنبي فيها بمبررات إحلال الأمن والاستقرار، ويضفي المزيد من الشرعية على تحركات القوى الكبرى في هذه المنطقة الساخنة”.

وسجل المحلل ذاته أن “استقواء الأنظمة العسكرية حديثة الوصول إلى السلطة بدول أو بتنظيمات أجنبية لمواجهة نفوذ دول أخرى، أو تلافي تدخلات عسكرية قد تطيح بها، لا يخدم الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وإنما يعيد إنتاج نماذج الحكم السابقة، واللعبة الاستعمارية نفسها التي طالما رفضتها الشعوب الإفريقية التي تسعى إلى تحقيق استقلالية قرارها السيادي؛ في حين أن هذه الوضعية إنما تُكرس وتُشرعن التدخل الأجنبي في شؤون الدول الإفريقية”.

وخلص الباحث في العلاقات الدولية، في تصريحه لهسبريس، إلى أن “بناء دول وأنظمة ديمقراطية في القارة الإفريقية عموما، وفي منطقة الساحل والصحراء على وجه الخصوص، لا يمكن أن يتم بمعزل عن إرساء أسس ومؤسسات الدولة الحديثة، على أساس مبدأ تداولية السلطة، إضافة إلى تعزيز التعاون والتنسيق الإقليميين، بما يخدم مصالح شعوب القارة السمراء وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية والديمقراطية ومواجهة التحديات المشتركة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • كريم بوزبيطة
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 03:37

    الحدر فالحذر ثم الجدر فهناك ايادي خفية دخيلة تدفع بأفريقيا إلى الفوضى خاصة وأن الحرب الروسية على اوكرانيا كلفت أوروبا ملايير الدولارات . على الأفارقة أن يكونو يقضين وإلا يلقو ايديهم إلى التهلكة. هذه الانقلابات المتتالية وفي فترة زمنية وجيزة لها ما لها من مدلول غالبا ما تكون القوى العظمى وراء ذلك لأجل خلط الأوراق والاصطياد في الماء العكر. على الشعوب الإفريقية أن تتحد ولا تتماهى مع الانقلابات العسكرية فكما يعلم الجميع حكم العسكر لا يأتي بخير والدليل القاطع جارة السوء التي يحكمها العسكر .

  • لحليمي
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 04:26

    الانقلابات العسكرية هي الورقة الاخيرة لربما لاستقرار،

    والا مامعنى تواجد رؤساء على كرسي الحكم لمدة تتجاوز الثلاثين سنة مثل الرئيس الايريتيري والاغندي ….

    هناكً مثال اخر الديموقراطية التي لربما تعطي الامل كروندا السينغال كينيا موريتانيا …

    هناك دول اخرى رغم الديموقراطية تعيش التناقضات في النسيج المجتمعي كجنوب افريقيا ونيجيريا اثيوبيا…

    الديموقراطية في نهاية المطاف تجادب، وتجارب…ربما تنجح وربما العكس…

  • بوشعيب الحسين
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 04:54

    بالله عليكم،

    مادا يريد الغابونيين بالضبط ، الرئيس المخلوع وفر الامن والسلم والاستقرار لمدة تناهز عن نصف قرن امتداد لحكم المرحوم والده..

    افلا ينضرون الى الحروب الاهلية التي كانت تجري في سيراليون وافريقيا الوسطى …

    ارى انه من الواجب المملكة المغربية مساعدة افريقيا وتصدير نموذجيها السياسي الدي هو بمثابة اطار قادر على حل الاشكاليات والتحديات المستقبلية.

  • الحق
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 05:12

    الشعب الافريقي وجد ان فرنسا تسرق الثروات من بلدانهم كالفوسفات والذهب بمساعدة الرئيس ولهذا الجيش انقلب على الرئيس لطرد فرنسا

  • محمد
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 05:28

    الإنقلابات العسكرية هي نتاج لعدم الدمقراطية الإنتخابية و غياب العدالة الإجتماعية و للحد من التبعية. دول افريقيا تنتفظ من أجل اصلاح نفسها بنفسها من اجل استفادة شعوبها من خيراتها الطبيعية.

  • الرقشي
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 05:30

    يعني بمعنى لا يهمهم الشعب بقدر ما يهمهم الثروة الافريقيه
    الموارد الطبيعية الهائلة التي تنام عليها الشعوب الإفريقية

  • عابر سبيل ا
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 05:56

    إفريقيا الغنية بمواردها الطبيعية وكذلك الشباب مملوكة لأنضمة فاسدة تأكل لوحدهما والباقي سلموه للمستعمر حتى تدوم الأنظمة في نهب الثروات وتفقير الشعوب. كل ما نراه فهي بداية الانقلابات والحروب والتمزق والعصيان والخطر قادم لان الشعوب لن تبقى تموت بالجوع والفقر وبلادها غنية بالثورات.

  • عبدالمجيد
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 06:40

    تستمر الانقلابات العسكرية بوتيرة متلاحقة تسائل الأسباب المُفسرة لـ”تهافت الجيش على السلطة”، لا اشاطر الكاتب هذا الرأي بل وجب القول إنها الغيرة على بلدانهم والتي يرون أن المستعمر القديم ياكل تسعون بالمائة من خيرات البلاد ويترك العشرة الباقية في يد الحكام

  • عزوز
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 06:56

    لهذا على المغرب ان يغير تفكيره واهتمامه بافريقيا التي تعرف انقلابات متكررة وعدم استقرار وعدم المغامرة باستثمارات غير مربحة وتعرف مستقبلا مجهولا وان يمنع من دخول الافارقة الغير الشرعيين الذين سيسببون مشاكل وكوارث على العباد والبلاد .لن نضحي بامن واستقرار وسيادة المغرب من اجل الافارقة الذي لافاءذة منهم اطلاقا سوى التسول في الطرقات واحذاث الفوضى.

  • عاملت إفريقيا
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 07:03

    * فرنسا عاملت إفريقيا كالدجاجة التي تبيض ذهباً ، ذبحتها للحصول على الكنز كله لتصبح

    أغنى ، و لم تحصل على ما تتمناه ، و ها هي الآن تبكي ، ربما ندمت على فعلتها بسبب

    الطمع و الجشع . و اللي بغاها كلها يتركها كلها . و الإفراط في الأكل يضر بصحة المعدة .

  • افريقي
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 07:32

    لا يوجد استقرار سياسي ولا انتخابات ديمقراطية سواء بافزيقيا او غيرها من الدول العربية،وهذا راجع بالاساس الي تاثير وتدهل الدول الاجنبية الامريكية والاروبية في تسيير شوون هذه الدول. وان الديمقراطية التي يريد الغرب تسويقها ونشرها بالدرل الافريقية او السائرة علي منوالها،فهي الحرية والديمقراطية التي تضمت التغلغل الغربي والاميزيكي سياسيا واقتصاديا في هذه الدول.. وان ما تشهده القارة الافريقية هذه الايام من انتفاضات عسكرية ومدنية ضد حكامها الموالين للغرب،ما هو الا رد فعل طبيعي علي الهيمنة الغربية وسياستها الاستغلالية والتفقيرية للشعوب الافريقية..وثرواتها.. فتراكمات الماضي والاحساسات المتاججة بالظلم والسيطرة ،وصحوة شباب هذه الدول اشعل هذا الفتيل وانفجر في وجه فرنسا المتعجرفة خصوصا وباقي الدول الاستعمارية….والباقي آت…

  • الرقشي
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 07:56

    كوسيلة للشعب للمطالبة بالتغيير
    هل الشعب يتحكم في الجيش يريدون إدخال الشعوب في تطاحن مع نفسها والمغرب فيه ملك وليس الجيش ولا يهمنا سوى ملكنا كفى من هذه الكتابات السخيفة مع احترامي لكاتب المقال

  • الانقلاب في الغابون ـــ عملية خِيزُّو Opération carotte
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 08:18

    دائما ما تطلق أسماء جد مميزة على العمليات العسكرية والخاصة و حتى الحروب لتمييزها عن بعضها!أشهر هذه الأسماء هو عملية بارباروسا التي أطلقها هتلر على عملية غزوه للاتحاد السوفياتي في يونيو 1941!هتلر الذي كان وقع مع ستالين التحالف الألماني السوفياتي لتقسيم بولونيا!إلا أنه غدر بصديقه!بما أن معلومة انقلاب الغابون تسربت لشاحنات نقل الخضر و السردين، فيمكن إطلاق اسم “عملية خيزو”Opération carotte على هذا الانقلاب! خيزو بين الأصدقاء زعما La carotte entre amis/The carrot with friends!

  • الانقلاب في الغابون ـــ عملية خِيزُّو Opération carotte
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 09:14

    دائما ما تطلق أسماء جد مميزة على العمليات العسكرية والخاصة و حتى الحروب لتمييزها عن بعضها!أشهر هذه الأسماء هو عملية بارباروسا Opération Barbarossa
    التي أطلقها هتلر على عملية غزوه للاتحاد السوفياتي في يونيو 1941!هتلر الذي كان وقع مع ستالين التحالف الألماني السوفياتي لتقسيم بولونيا!إلا أنه غدر بصديقه!بما أن معلومة انقلاب الغابون تسربت لشاحنات نقل الخضر و السردين، فيمكن إطلاق اسم “عملية خيزو”Opération carotte على هذا الانقلاب! خيزو بين الأصدقاء زعما La carotte entre amis/The carrot with friends!

  • ملاحظ
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 10:26

    هل المغرب بعيد عن هذه الانقلابات رغم انه موالي لفرنسا؟

  • إبراهيم امريرت
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 12:11

    يجب على أفريقيا التحرر من الغرب وتركها تواجه شعوبها ستكون بخير

  • عمر
    الجمعة 1 شتنبر 2023 - 12:19

    امارة المؤمنين هي الضامن للاستقرار والامن ووحدة الاراضي في مملكتنا الشريفة، المراجع الدراسية من المهد الى اللحد عليها ان تركز وتغرس في المغاربة التعلق والتشبت بامارة المؤمنين .
    نجدد البيعة والولاء لمولانا الامير حفظه الله ولولي عهده.

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38

مضامين التزامات حكومة المنصوري