فقيه مسجد لاشالي

فقيه مسجد لاشالي
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:34

ترجمة الفقيه سيدي الحاج عبد الله بن صالح فقيه مسجد لاشالي -صالح بيوكرى وبركتها-

يعد الفقيه الورع الصالح البركة سيدي الحاج عبد الله بن صالح التَّجْكَالْتِي الصوابي، فقيه مسجد لاشالي ببيوكرى، آخر طبقة صلحاء الفقهاء في بيوكرى، فقد زرته في بيته في أحد أيام ماي 2023، وأخذت عنه بتكلف بعض تقلبات أخباره، واستحييت أن أتجاذب معه الكلام لضَعف في صحته، وانقطاع في كلامه أحياناً؛ فقدمت الإطناب في حياته العلمية ليدون، على الاقتضاب في حالته الصحية، لأن الأولى ستندثر إن لم تُقيد، والثانية لا تزيد لها بقلة الكلام أجلاً ولا قوة، فكيف بكثرته.

فاقتضت طبيعة اللقاء أن تكون على عجل، فاستخرجت بين فرث ودم من تلك الجلسة عصارة حياته، وهي وإن كانت مضطربة وغير منسجمة؛ لكنها قد تفي ببعض الغرض إن شاء الله، وزدت عليها بعض الاستدراكات في يوم تعزيته عند ابنه الفقيه سيدي محمد المشارط في مسجد لاشالي الذي خلف والده فيه، وأخي المترجم الفقير الحاج الحسْن بن صالح.

ولادته ونسبه:

ولد رحمه الله من أسرة متواضعة معروفة بالحشمة والوقار سنة 1936، وهم أربعة أولاد: أكبرهم سناً عابد مات سنة 2005، يليه المترجم سيدي عبد الله مات سنة 2026، والحسْن باق على قيد الحياة، وعنه أخذت بعض أخبار أخيه الكبير، وبنت وهي الأصغر سناً.

أما اسمه فكما سجله بنفسه: “عبد الله بن إبراهيم بن مْحمد بن صالح”؛ كذا كتبه بخطه في تقييداته. ووقوفه على هذا الحد في عمود نسبه فيه إشارة إلى أن القصد هو معرفة صاحب الخط فيُكتفى باسم الأب والجد والكنية، ولا شك أنهم معروفون بجدهم الأعلى صالح، ولذلك يكنون بـ: بن صالح.

شيوخه في القرآن الكريم:

افتتح المترجَم حروف التهجي على يد المؤدب سي عمر الفقيه سيدي حَسَن كُّورْبْنْ، بمسجد بلدته (تَجْكَالْتْ) بأيت صواب قبيلة (إِكِسْلْ) -بالجيم المصرية في ثلاثتهم- بإقليم اشتوكة أيت باها، ولعله أول شيوخه.

ولما غادر شيخه المذكور ذلك المسجد، شارط فيه سيدي سعيد أُلْبْنْ، فأتم عنده ما تبقى من المبادئ الأولية في تعليم القرآن.

ثم غادر قبيلته أيت صواب فاتجه عند المقرئ سيدي الطاهر أيت واعزيز بمدرسة تفراوت الملود، وذلك سنة 1366 هجرية، الموافق لسنة 1946م، واستمر عنده في حفظ القرآن حتى مهر فيه جيداً، وختمه على يديه ثلاث ختمات، وكان يقرأ هناك مع الصالح الورع سيدي إبراهيم ألغاز؛ كذا أفادني سيدي الحاج محمد طالب إمام وخطيب مسجد الإمام مالك ببيوكرى، لأن جده وقتها كان فقيها في المدرسة، وبقي عند الوراشي المذكور ثلاث سنوات متصلة.

وسألت أخا المترجم الحاج الحسْن عن نشأته، فأجاب بأنه كان درويشاً جداً حين كان صغيراً، وكان مسالماً وهادئاً، وبدأت عليه علامات النجابة والصلاح منذ وقت مبكر، وكان في عطل الأعياد إذا رجع من المدارس القرآنية والعلمية لا يخرج ليتفسح أو ليلعب مع أقرانه، وإنما يحفظ المتون داخل حانوت خاص في منزلنا، وقَلَّ أن تراه في الخارج، هذا إذا كان في العطلة فما الظن به وقت الدراسة.

شيوخه في العلوم الشرعية:

جرت العادة أن الطالب متى أتقن القرآن الكريم، وبرع في متشابهاته، يتجه إلى مدارسة العلوم الشرعية، فكذلك فعل مترجمنا سيدي الحاج عبد الله بن صالح لما توجه إلى مدرسة تاكوشت عند سيدي الحاج محمد الميلكي، جد الفقيه سيدي الحاج الحسين المشارط فيها الآن، وأخذ عنه المتون الأولية كالآجرومية، وابن عاشر، والمتوسطة كالجمل والزواوي، والرسالة، والمنهج، والكبيرة كألفية ابن مالك، ومختصر خليل، ثم عرج على متون العلوم العقلية كالمقنع المشهور في عرف الطلبة بـ: (تَسْمْلاَلْتْ) وبقي ينهل من معين شيخه أربع سنين متصلة، منذ سنة 1370هـ، إلى سنة 1374هـ، الموافق لسنة 1954.

ثم غادر مدرسة تاكوشت متجهاً إلى شيخه سيدي عبد الرحمان الرسموكي في مدرسة بوتمزكيدا بالأخصاص، وكان هذا الأخير قبل ذلك أستاذا بمعهد بتارودانت، وخريج تاكوشت، وأخذ عنده غالب ما أخذه عن شيخه الأول، وأضاف إليه المقامات وسائر ملحقاتها الأدبية، حتى تفقه في المعقول والمنقول، وبرع في فقه الأدبيات، مع زهد وتواضع جم علماً وسلوكاً، وتأثر به غاية التأثير، وكثيراً ما يلهج بذكره، ويستطرد محاسن أخلاقه وتمكنه العلمي كوصفه بالشاعر المفلق، والأديب الأريب، والزاهد الورع، وما يجري مجرى الأوصاف المذكورة، وجَعَلَه مسك خاتمة شيوخه.

مشارطاته:

شارط الشيخ سيدي الحاج عبد الله في مسجد (المنْزْلَة) بقبيلة هوارة، وهو أول مسجد شارط فيه، وبقي فيه ثلاث سنوات من سنة 1377هـ إلى 1379هـ، الموافق لسنة 1959، ثم انتقل إلى مسجد أيت بلقاسم بأحواز هوارة، وهذا المسجد نسيه المترجم أثناء تقييد ترجمته، وإنما ذكرني به أخوه الحاج الحسْن يوم تعزيته، ثم انتقل إلى تدسي مقر أخواله ناحية إسندالن بعمالة تارودانت وفيها تزوج، وبقي هناك تسع سنوات فتخرج على يديه هناك عدد من الطلبة طبقاً عن طبق، ثم ألقى عصا المشارطة في مسجد لاشالي ببوكرى إقليم اشتوكة أيت باها منذ سنة 1975 إلى أن تقاعد منه أواخر سنة 2020م، وقضى في المشارطة رحمه الله نحو ستين سنة متصلة، أكثر من ثُلُثَيْها (45 سنة) قضاها في مسجد لاشالي ببيوكرى وحده.

وكانت جهوده التربوية والدعوية والتعليمية فيه ظاهرة، حيث اجتمع عنده وقتها غالب تلاميذ بيوكرى، وخاصة الأحياء المجاورة للاشالي ذكوراً إناثاً، وبلغ عددهم في الوهلة الأولى ما بين 30 و 35 وما هو إلا كلمح البصر أو هو أقرب؛ حتى تجاوزوا المائة في أزهى فتراته، وختم عنده القرآن غير واحد، ذكوراً وإناثاً، وكان عددهن يربو على العشرين، وتلاميذه كثر غير أنهم توجهوا للتعليم العصري فأصبحوا أطراً كبيرة في مختلف المجالات والوظائف، فاتفقوا قبل وفاته بسنوات أن يقوموا بتكريمه فأبى رحمه الله.

وعُرف عنه رحمه الله أنه كان لا يُتْعب طلبته ببعض الأعمال، وهو الذي كان يجهز أماكنهم ويرتب ألواحهم، وشوهد غير مرة وهو يكنس الممرات الخلفية المؤدية للمسجد رغم أن المسجد مكتظ بالصبية والتلاميذ من كل صنف.

ومن عادته رحمه الله أنه يعد لطلبته الشاي في نهاية كل أسبوع، يوم العطلة: الأربعاء، مع (تِيرُوفِينْ) (الْكْلِيّة) بالعامية، ويفرحون بذلك فرحاً كبيراً.

واستُحدثت الخطابة بمسجد لاشالي سنة 1983، كما أخبرني سيدي الحاج عبد الله نفسه، وبقي خطيباً فيه إلى أن تقاعد قبل وفاته رحمه الله بخمس سنوات تقريباً، وحل ابنه الفقيه البحاثة المطلع سيدي محمد محله، ولم تنقطع الخطبة فيه إلا في 15 شتنبر 2026، عندما شمل الإصلاح أجزاء كبيرة من المسجد، فبدأت الأشغال في نصفه الأول، والمصلون في النصف الثاني حتى وصلت الأشغال إلى النصف الآخر، فأُعلن عن إغلاقه أواسط شتنبر سنة 2026 وعُطِّلت فيه الجمعة إلى وقت كتابة هذه الترجمة.

وخُطَبُ المترجم حفظه الله رحمه الله مليحة ومؤثرة تخرج من القلب وتدخل إليه دون استئذان؛ فيها حكم جميلة، وفوائد بهية، ونكت ظريفة، محشوة بفقه السلف وفضائل أعمالهم، ومحاسن آثارهم، تكاد لا تمل من سماعها، وكلُّ كلامه مؤثرٌ مُخشِّعٌ، لحسن طويته، وصفاء سريرته، كل هذا مع قلة المبنى واستيفاء المعنى.

ويداوم على سماع خطبه غير واحد ممن يهمه ارتقاء الروح، لأنه يخاطب الوجدان، ويوقظ النفوس، ويقصده الناس من أماكن بعيدة، وقلَّ مَن لا يتأثر به من يحضر عنده، وأحياناً ينوب عنه في الخطابة سيدي الحاج الحسَن أعبو، ثم بدأ ابنه محمد يخلفه أيام طلبه العلم في مدرسة أخريب ببلفاع.

إسناده مهمة الوعظ والإرشاد:

لما استُحدث المجلس العلمي باشتوكة أيت باها سنة 2009، أُسندت إليه مهمة الوعظ والإرشاد سنة 2009، وبقي يعظ الناس ويوجههم أكثر من عشر سنوات، وقد حضرتُ دروسه مرات متعددة فاستفدت منها كثيراً، بل أنقل منه بعض المستملحات اللطيفة والنكت الظريفة فأحاول توظيفها في دروسي الوعظية، ولكن هيهات.

ومن خصائص وعظه أنه يربطه بالواقع ارتباطا ظاهرا، مع البسط في الشرح والعمق في التحليل بأسلوب يرضي أذواق الجميع، ويُنزِّل فقه النصوص ومقاصدها على متغيرات الواقع وتشعباته، فتراه يمثل بأمثلة شلحية جميلة يزيد بها الشرحَ بياناً وتفصيلا، وأحيانا يحكي وقائع حقيقية يزيل بها ما تبقى من غوامض الموضوع الذي اختاره فيزيده وضوحا وبيانا.

ومتى أُصادف درسه أفرح كثيراً وأتقدم أمامه وأتلذذ بسماع وعظه، ولكلامه سلطة روحية قوية، ومثل ذلك يكتسب بصفاء الطوية وحسن السريرة، لا بكثرة الدراسة، وما يسمى بالبحث العلمي، والشواهد المعاصرة، وسمعت غير مرة أنه لا يبحث عن مكافآت الوعظ ولا يسأل عنها عند تأخرها، رغم شدة حاجته إليها، وعُدّ ذلك من خواصه رحمه الله، بل رفع طلباً يطلب إعفاءه منه.

زيارته للشيخ سيدي الحبيب التنالتي:

أخبرني المترجم الفقيه سيدي الحاج عبد الله بن صالح أنه زار شيخ تنالت وعميد مدرستها الفقيه المربي الصوفي سيدي الحاج الحبيب التنالتي ثلاث مرات، فهو بلا شك فقيه الأولياء، وولي الفقهاء، واستفاد من مجالسه الثلاثة بعض الفوائد؛ أهمها:

الأولى: أن الشيخ تكلم في بعض أمور الدنيا، وكيف ينجرُّ الناس إلى لذاتها، وحذر من مخاطر ذلك وتبعاته، فاستخرج آية من القرآن تدل على حال واقعهم، وهي قوله تعالى: “فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”، وشرحها شرحا عجيبا فقال: من تأمل فقه الآية وقارنه بحال هذه الأمة سيدرك لا محالة، أن هذه الآية معجزة.

وأخبرني ابنه سيدي محمد أنه يذاكر الشيخ سيدي الحبيب في بعض الأمور التي تخدم الوطن، لأن المغرب يومها لم يحصل بعد على الاستقلال، فإذا دخل غريب أو بعض من لا يوثق به، يسكت ويحول الكلام إلى موضوع آخر.

وجرى في مذاكراتهما مرة أن الحاج مبارك التدسي زار سيدي الحاج الحبيب وقال له الأخير: قريباً سيأتي عندكم ضيف، وأشار عليه ببعض الإشارات الدالة على استمراره عندهم، وفاتح سيدي الحاج الحبيب المترجم في المشارطة فذهب إلى هناك وتزوج فيه، واستمر فيه تسع سنوات، فما أشار به سيدي الحاج الحبيب قبلُ؛ أصبح حقيقةً بعدُ، فتأمل، وأخبرني بهذا نجله سيدي محمد.

الثانية:

ذكر سيدي الحاج الحبيب التنالتي كلاماً جاء في سياقه:

أستودعُ اللهَ قوماً ما ذكرتُهمُ * إلا تحدَّرَ من عيني ما خَزَنا

أشتاقُكم كاشتياقِ الأرضِ وابلَها * والأمِّ واحدَها والغائبِ الوطنا

فقال له المترجم سيدي عبد الله:

وما وطني إلا بلاد أحبها * ولو شوكا وفي غيرها بر

وكتبت عنه هذه الأبيات كما سمعتها منه، غير أن الأستاذ الفقيه سيدي جمال لكزوم نبهني على أنها مهلهلة، فجبرها وأثبتُّها كما صححها.

الثالثة: أن الشيخ سيدي الحاج الحبيب البوشواري جره الكلام إلى سطوة القياد فذكر قائداً هناك بتنالت يسمى أوكاد، وكان يقول للناس: “من لم يجئ بشرب الليمون، يجيء بحطبه”، وهو مثال أعجب مترجمنا سيدي الحاج عبد الله فبقي في ذهنه، وهو في عمقه دال على العلاقة التي تعارف عليها الناس بين القياد والرعية يومئذ، وخاصة زمن الحماية.

فكانت مجالس أولئك الصالحين عبارة عن مذاكرات علمية، ومجاذبات أدبية، ووقائع محدثة، مع النصح والتآخي، وتوطيد صلات الرحم، وتلاقي الأرواح؛ فما تعارف منها ائتلف.

مقيداته:

أفادني سيدي الحاج عبد الله أنه نسخ عدة مقيدات بخطه، وأراني كتابا مجلدا بخطه يحوي كل المتون العلمية المتداولة في المدارس العلمية العتيقة كابن عاشر والزواوي والجمل وألفية ابن مالك، وكان خطه جميلا جدا مقروءا واضحا وظاهرا، وإن مال إلى خط المبسوط، لكنه ممزوج بقواعد باقي الخطوط المغربية الأخرى.

كما أفادني أنه كتب مصحفا بكامله في مجلد، وأعاد كتابة أجزائه المكونة في اثني عشر جزءاً، (التفريق) وكتبها في أواسط عمره، لأن أخاه سيدي الحاج الحسْن أخبرني أنه داوم على كتابتها ولاسيما بالليل، وكان يستضيء بالشمع في كتابتها؛ ويختار مكاناً طاهراً ويستقبل القبلة، وله غير ذلك من المقيدات الكثيرة تضم تواريخ وأحداثا ووقائع، وغالب تقلبات حياته اطلعت عليها، وكان يطلب تلك الكتب الخطية من ابنه الصغير سيدي عبد الحق ويأتي بها، فأطالعها، ثم أردها حتى تصفحت جملة منها.

مجاهدته في الذكر والعبادة بعد مرضه:

أفادني نجله سيدي محمد يوم وفاة والده أنه رحمه الله يقرأ معه دوماً الحزب الراتب الصباحي والمسائي كل يوم بعد صلاة الظهر، مع أنصبة البردة والهمزية، ويختمون بنصاب رجز ابن عاشر، واستمر على ذلك منذ تقاعده سنة 2020 إلى وفاته سنة 2026.

كما أخبرني ابنه المذكور خطيب مسجد لاشالي الآن أنه كان يقوم بالتهجد لما كنا ندرس عنده أواخر السبعينات قبل صلاة الفجر بساعتين، وكان يوقظني أنا وأخي سي عبد الرحمن لنحفظ القرآن، بينما هو يعكف على الأدعية والتوسلات والنوافل… واستمر على تلكم الطاعات الحسنة إلى وفاته.

مذاكرته تفسير القرآن مع نجله سيدي محمد:

ذكر لي نجله سيدي محمد أن والده اقتنى صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني، وأمره أن يسرده ويشرح فيه ما فتح الله عليه، وأحياناً يقرؤه المرحوم ويعلق على بعض الآيات، وكثيراً ما يشرحه شرحاً إشارياً، فينبه ابنه على مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، والتوجه إلى الله وحده، وعدم التعلق بالخلائق بالجملة، فكانت تلكم الإرشادات بادية على سلوك أبنائه.

ختماته لصحيح البخاري:

أخبرني نجل الفقيه سيدي محمد أن والده سيدي الحاج عبد الله قرأ صحيح البخاري أربع مرات منفصلة؛ قراءة فحص وتمعن، وكانت له رحمه الله نية حسنة فيه، حيث كان يتوضأ، ويستقبل القبلة، ويجلس في مكان طاهر خاص، ويقرأ الحديث ويمعن النظر في فقهه، ويتتبع نكته الحديثية، ويتأمل أسراره، حتى ختمه أربع مرات في حياته.

اتجاهه نحو العزلة:

لزم رحمه الله منزله الكائن بالجنوب الشرقي للاشالي مدة، وكان ابنه الصغير سيدي عبد الحق (مؤذن مسجد لاشالي) يخرجه دوماً بالكرسي المتحرك ويجول به في بعض الأزقة المحاذية للمنزل، ويستروح المترجم بذلك، ويفرح به، وكان يصلي الجمعة في أواخر أيامه مأموماً، ويجلس تحت عمود وسط المسجد، وبمجرد انتهاء الخطبة والدعاء؛ يتزاحم عليه الناس ويقبلون يده ورأسه، وهناك من يريد الجلوس معه ومساءلته، وآخرون يريدون التبرك به والدعاء لهم، وهناك من يُقبِّل رأسه ويمر دون أن يعرفه تلمساً لبركته ورجاء النفع بأدعيته، حتى أحس من ذلك رحمه الله ضيقاً لضعف صحته وعدم قدرته على الكلام المسترسل، فانقطع عن الجمعة اضطراراً لا اختياراً.

واتجه نحو العزلة فلزم داره وبقي على أوراده الكاملة رغم ضعف صحته؛ ويتذاكر التفسير مع ابنه ويقرأ معه دوما حزبين وأنصبة البردة والهمزية مع ابن عاشر، وظل على ذلك الحال حتى توفاه الله تعالى.

خشيته وخوفه من الله تعالى:

رغم السيرة المضيئة التي عاشها المترجم، وصلاحه وورعه شاباً وكهلاً وشيباً، إلا أنه يلوم دوماً نفسه على قصورها في التربية والتعليم وخصوصاً العبادة، حيث يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ويكررها ثم يتأسف ويبكي ويقول: يا إلهي قصرت في الصلاة، قصرت في طاعة الله ويبكي حتى يرفع صوته ويهدئه ابنه محمد قائلاً له: يا أبتِ، ارفق بنفسك فإن الله تعالى يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فقال له: مهلاً يا بُنيَّ يبكيني ما بعدها، إشارة منه إلى قوله تعالى: ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ الله الله يا ابني نطلب من الله المسامحة عن الغفلة، ماذا سنقول؟ بماذا سنجيب؟ وغير ذلك من الآلام النفسية التي تكاد تظن وكأن المصاب بها يشعر بالقصور عن العبادة والفتور عما يرضي الله بالجملة.

وأخبرني نجله سيدي محمد أن حالته النفسية بعد الانتهاء من الحزب والأنصبة، تكون خاشعة، وغالباً ما يلوم نفسه على تقصيرها، وكأنها موغلة في الانغماس في الملذات، والحال أن الحقيقة هي على خلاف ذلك، ثم تذرف عينه بالدموع، ولا شك أن مثل هذه الخصال الحميدة تضع المترجم في مصاف كبار صلحاء بيوكرى وأوليائها وشيوخها المربين، وإلا فَقَلَّ أن تجد من دونه في محاسبة النفس، فكيف بمثله، فأحرى أن يكون أحسن منه.

ولئن كانت مثل هذه المعلومات العلمية والتاريخية والشخصية حول المترجم متوقعة من أمثاله؛ فإن ما أثار انتباهي هو عدم أخذه للطريقة التيجانية، ولم أعلم بذلك حتى وفاته، لأن المسجد الذي كان يصلي فيه مرتبط دوماً بأقطاب الزاوية الأحمدية ببيوكرى، وعلى رأسهم الحاج محمد مطيع، بل ومن هذا الفرع انطلقت أغلب الفروع الاثنين والعشرين في إقليم هشتوكة، لكنه رحمه الله بقي متجرداً من أي طريقة إلى وفاته رغم كثرة مخالطته لمريديها مصبحين وبالليل، كذا أخبرني ابنه سيدي محمد.

وفاته:

توفي بركة الخلف وبقية السلف، سيدي الحاج عبد الله بن صالح رحمه الله صباح يوم الإثنين 23 ربيع الثاني 1448هـ، الموافق لـ 5 أكتوبر 2026، على الساعة الرابعة صباحاً، عن عمر ناهز 90 سنة، بعد أن ازداد مرضه حتى عافت نفسه الأكل والشرب ليومين متصلين.

واستيقظت زوجته قبل الفجر كما أخبرني ابنه سيدي محمد، فعمت في المنزل رائحة عَبِقة وزكية وصفتها بأنها قوية وشذية لم يسبق أن شمتها قبل، فتعجبت، وما هي إلا لحظات حتى فارق المترجم الحياة وانتقلت روحه إلى عالم البرزخ، وأزيلت تلك الروائح الطيبة، فَعُدَّ ذلك كرامة له، وقرينة على حسن خاتمته.

وصلى عليه الفقيه سيدي الحاج المدني الظريفي فقيه مدرسة علال، واستولى على ظني أنها وصية منه رحمه الله، والحال أن الفقيه سيدي المدني إنما حضر بين المصلين، وقدمه فقيه المسجد سيدي الحاج عبد القادر فنادي لكبر سنه ورجاء البركة فيه، فصلى صلاة الظهر بمسجد الجزولي بمدينة بيوكرى، وبعدها صلى على المترجم، فعلمْت أنه لم يخصص أحداً بالصلاة عليه، خلافاً لمن شاع ذلك، فرحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه، إنا لله وإنا إليه راجعون.

وكتبه الراجي رحمة ربه، الحسين بن أحمد أكروم الساحلي؛ ليلة وفاة المترجم الإثنين 23 ربيع الثاني 1448هـ، الموافق لـ 5 أكتوبر 2026، بعد صلاة العشاء.

-منسق عمل المرشدين بالمجلس العلمي باشتوكة أيت باها

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة