بعد مضي سنة كاملة على وفاته (14 شتنبر 2013)، يمكننا التسجيل أنه باستثناء ثلة من زملائه وبعض تلامذته، لم يلتفت أحد إلى رحيل سالم يفوت أحد أعمدة الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، أو قل إن هذا الرحيل لم يشكل حدثا هاما أو مادة دسمة للإعلام المغربي بمختلف أصنافه (المكتوب والسمعي البصري…)، هذا في الوقت الذي عهدنا في هذا الإعلام السخاء الكبير حينما يتعلق الأمر ب”أقزام” حقيقية في حالات عدة، إذا ما شئنا مقارنة قاماتها بفقيدنا المفكر الذي كرس جهودا مضنية في سبيل بناء صرح العمارة المغربية الحداثية من جهة الفكر العقلاني النقدي الذي أكسب بلدنا وجها ثقافيا مشرقا سواء في بلاد المشرق أو المغرب، لا سيما وهو الفيلسوف التنويري الذي خدم الفكر المغربي خدمة العالم الصارم الزاهد في كل شيء تقريبا؛ صحيح أن الفقيد يفوت، وعلى غرار طباع الفلاسفة، لم يكن ليعير اهتماما لما يدخل عنده في باب الشكليات التافهة والسلوكات السطحية العديمة المعنى والجدوى، علما أن لحظات العشق الأبدية التي يستعذبها الفيلسوف هي لحظات التأمل والتوجع المبدع حين يكون الناس غارقين في نومهم العميق، بل إن قدر الفيلسوف أن يستطيب العزلة في الحياة كما في الممات؛ لكن ما الذي يمنعنا من إيفاء أمثال هؤلاء الوجوه حقها في التقدير والتكريم المستحقين بكل تأكيد؟ وما الذي يمنعنا من تكريس مثل هذا الوجه المغربي كقدوة لناشئتنا وأجيالنا اللاحقة؟
إنه يحز في أنفسنا أن نجد رجالا من طينة هؤلاء العلماء الشرفاء ولا نكلف أنفسنا حتى عناء دعوة الأجيال لاتخاذهم قدوة في حياتهم، سيما وأنه خلال عقود كاملة من التدريس والتأليف قدم سالم يفوت صورة نموذجية لأستاذ الفلسفة الكفء والصارم والجدي في فكره وسلوكه؛ والحال أننا (كطلبة تتبعنا خطواته العلمية عن كثب في مرحلة زمنية محددة) نجد صعوبة بالغة في تذكر الفقيد وهو يضحك أو يبتسم حتى، إذ كانت قسمات وجهه المتجهمة دوما توحي بمزاج غير رائق وتجعل منه شخصا مهاب الجانب من لدن كافة الطلبة، إلى درجة أنه نادرا ما تجرأ الطلبة على فتح حوارات أو نقاشات في حضرته، في وقت يؤكد فيه المقربون منه بأنه كان طيبا للغاية ولا يرد طلب أحد، لا سيما عندما يرتبط الأمر بما له علاقة بالبحث العلمي والمعرفي؛ وربما نتيجة لذلك، ظلت صورته نقية من غير خدوش وفي حِلٍّ من كل الشبهات التي كانت تعلق بأعناق بعضهم.

وفي ذات السياق، تحضرنا حادثة نحب إشراك القارئ في رواية بعض تفاصيلها، علنا نتمكن من تقريب هذه الشخصية أكثر لمن لم يتعرف عليها قيد حياته… كان ذلك في أواسط التسعينات من القرن الماضي، حين أقيمت ندوة بالرباط حول موضوع “الفلسفة والتسامح” من تنظيم الجمعية الفلسفية المغربية (وكان الفقيد أحد أعضائها الفاعلين) بتنسيق مع الجمعية الفلسفية الفرنسية وتعاون مع منظمة اليونسكو؛ وخلال هذه الندوة التي جمعت كوكبة من المفكرين المغاربة والأجانب، في إطار التلاقح الثقافي والحوار الفكري، وطوال المدة التي استغرقتها أشغال هذه الندوة، طفت على السطح مشكلة سيدة (لا يهم من تكون بالضبط) تدعي أن الفلسفة “خرجت من ضلعها”، فلم تترك فرصة من دون أن تتدخل في كل شيء، مما جعل سلوكها سلوكا منفرا ومتطفلا من دون شك، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحاضرين، ومنهم بالخصوص الراحل سالم يفوت الذي أغضبه الأمر أيما غضب، بحيث لم تفلح نظراته المسننة التي كان يوجهها صوب هذه السيدة كل مرة بغاية الكف عن رعونتها، فكان أن دنا منها في ركن خارج قاعة المحاضرات، وانفجر في وجهها قائلا: “غبري وجهك علينا..راك شوهتينا…سيري بحالك هادشي مشي ديالك…” !!
الواقع، أن فقيدنا يومئذ لم يتطاول على حق المعنية، بل تصرف وفق سجيته المجافية للعبث ساعة الجد، وقد كان سلوكه نابعا من تقديره لمسؤوليته في إنجاح “العرس” الفكري المغربي أمام ضيوف مفكرين من العيار الثقيل لا تغفل عيونهم عن التقاط “الشاذة والفاذة”، وكذا حرصه على ألا يظهر المغاربة في أعين أولئك الأجانب الذين كانوا حاضرين وقتئذ مجرد “حملان” وديعة لا تتقن سوى الابتسام في وجوههم وحمل حقائبهم وسكب الشاي في كؤوسهم … ومن ثم غير قادرين على إبداع وإنتاج المعرفة الفلسفية والعلمية…وطبعا فهذه هي أخلاق الفلاسفة المخالفة لما جرت به العادة عند جمهور المتحذلقين المنافقين.
وعليه، نرغب في لفت انتباه المدبرين والفاعلين والمهيمنين على الشأن الثقافي والإعلامي المغربي ليفكروا مليا في الأسس التي ينبغي أن تبنى عليها ثقافة المغاربة المشكِّلة لمستقبل وطنهم، وذلك بأن يختاروا بين صورتين أو نموذجين متناقضين: نموذج الفقيد سالم يفوت ومن سار ويسير في فلكه، من قبل ومن بعد، من الوجوه المغربية الكثيرة التي شرفت وتشرف المغاربة في كل زمان ومكان؟ أو نموذج أصحاب “الشفوي الخاوي” من المتحذلقين الذين باتوا يملأون مختلف الفضاءات بضجيجهم الذي لا يُظفر من ورائه بشيء يذكر.. فتراهم يفتخرون بزعيقهم ويتبجحون بحديثهم عن غير علم، ويتباهون بادعائهم ما ليس فيهم.. وبما لا يملكون…؟
أستاذي. أترحم عليه و أحيي كاتب العمود الذي لم يجانب الصواب في وصفه لشخصية الراحل التي كانت تغلب عليها الجدية و الصدق.
وا ما لقيت ما نقول ليكم غر باز بالدارجة
اين هم جميع فلاسفتكك الاحياء منهم والاموات من الدكتور العملاق المهدي المنجرة الذي انعش بعلمه مدرجات اكبر الجامعات العالمية من اقصى الشرق الى غربه ما عدا بلاد التي ما لقي منها الا النفيان من جميع المنابر اعلامية كانت ام علميه لا اظن ان احدا من المفكرين المغاربة لقي هذا الطيف من الظلم . ورحم الله دكتورنا و اسكنه فسيح جناته.
رحم الله الفقيد
من أهم ما قرأته عن سالم يفوت مقال للدكتور علي صديقي
وهو مقال جامع مانع
salem yafout était un certain temps professeur de philosophie au lycee Imam Malik c'était durant les années 1972-1973. Ce n'était pas mon professeur car j'étais en 5eme année secondaire (une année avant le Bac) mais celui de mon ami et je me rappelle avoir copié tout son cours à la main et j'avais gardé cette copie comme référence pendant plusieurs années ,c'était un cours tellement fascinant capivant moderne et scientifique . Je me rappelle encore que ce personnage illuminé n'avait pas pu terminer l'année scolaire suite à la visite des visiteurs de nuit (en arabe zouars lile) et n'a réapparu que quelques années plus tard pour commencer à écrire dans le journal Al Mouharrir
الشكر موصول للأستاذ سعيد الغزواني الذي ذكرنا-إن نفعت الذكرى- بأحد الرجال الكبار الذين عاشوا بيننا في تواضع إبداعي ثم رحلوا تاركين على رفوفنا المنسية بصمات خلاقة و راقية جدا و سبيلا واضحا في درب حداثتنا المستعصية…سالم يفوت الفكر و السلوك الدالان على عمق الإنسان معرفة و وجودا و عبرة..
فمتى نتعلم كيف نتعلم من كبارنا؟أو وكيف نوفيهم حقهم على الأقل؟.
حتى لا يقال عنا إننا أمة ناكرة للمعروف و أن لاوعينا الجمعي يقصي عن سبق إصرار و ترصد، كل "المشاغبين الذين يفسدون على الناس حفلاتهم التنكرية" حسب القولة الشهيرة لبورديو.