في اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا

في اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا
الأحد 16 مارس 2025 - 09:24

يوم 15 مارس هو اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا، قررته الأمم المتحدة من أجل مواجهة كراهية الإسلام عبر العالم. وهذا أمر إيجابي، لأن كراهية الأديان والمعتقدات الدينية ليست موقفًا نبيلًا أو إنسانيًا. لكن بالمقابل، على المسلمين أكثر من غيرهم أن يعملوا على تغيير صورة الإسلام في العالم، ليس من خلال تفسير نصوصه وأركانه ومضامينه، فهذا عمل لا جدوى منه إذا لم يغير المسلمون سلوكاتهم التي هي أبعد ما تكون عن النموذج الإيجابي. فالآخر – الذي ارتكب بدوره أخطاء كثيرة، وخاصة بعزل الجالية المسلمة في أحياء هامشية – لا يفهم الإسلام إلا من خلال سلوك أهله، وليس ملزمًا بالتعرف على النصوص والمرجعيات. فقد سأل أحد ملوك الصين القديمة الحكيم كونفوشيوس: “كيف يتحقق العدل؟” فكان جوابه: “بطريقة بسيطة جدًا، أن تكون عادلاً أيها الملك”.

فالصورة الإيجابية عن الإسلام ينبغي أن يصنعها المسلمون أنفسهم، سواء من خلال إصلاح أنظمتهم السياسية الاستبدادية ومجتمعاتهم التي ما زالت تكرس التمييز والقهر باسم الدين، أو من خلال تقويم سلوكاتهم في بلدان الغير، والتي يتم تبريرها – ويا للأسف – باعتماد نصوص دينية. ولا داعي هنا لسرد النماذج الصاعقة والأمثلة الكثيرة جدًا، والتي للأسف تمثل المصدر الرئيسي المغذي لليمين المتطرف المتصاعد بشكل مخيف.

لكن تصحيح سلوك المسلمين ستواجهه عقبة كبيرة جدًا، وهي أن ذلك التصحيح لابد أن يمر عبر تصحيح فهمهم وتفسيرهم هم أنفسهم للدين الإسلامي. لأنهم إذا كانوا يعتقدون بأنهم بسلوكاتهم الخاطئة يجسدون “الدين الإسلامي الصحيح”، فمن المستحيل أن يغيروا ما بأنفسهم. وأعتقد أن منطلق هذا التغيير هو تجاوز الفقه الإسلامي التراثي الذي يوقعهم في تصادم يومي مع بعضهم البعض ومع بقية العالم، وإبداع فقه اجتهادي جديد ملائم لعصرنا. كما سيكون عليهم أن يحرروا الإسلام من “الإسلام السياسي” الذي نجح في تسريع وتيرة تشويه سمعة الإسلام عبر العالم، وجعله مصدر خوف حتى داخل البلدان الإسلامية نفسها.

لا شك أن هناك أيضًا عوامل تاريخية ممهدة للإسلاموفوبيا، حيث يعود الأساس الأول لظاهرة الخوف من الإسلام والمسلمين إلى سبب تاريخي هو الحروب الصليبية، التي مثلت لقاء تصادميًا دمويًا بين الإسلام والغرب، لم ينته بنهاية الحروب بل استمر من خلال التمثلات التي غذتها الإنتاجات المكتوبة والشفوية لقرون طويلة.

وتعود الظاهرة أيضًا إلى المرحلة الكولونيالية التي كرست أشكالًا من التعامل بين الإنسان الغربي الأبيض وباقي سكان المعمور، قوامها نوع من التعالي والمركزية الغربية. وقد لعب الإسلام دور اللحام الإيديولوجي بين مكونات المجتمعات الإسلامية في مواجهة الاحتلال وتأطير المقاومة والحركات الوطنية.

هذه العوامل حكمت نظرة الإنسان الغربي للجاليات المسلمة بعد المرحلة الاستعمارية، فأظهر نوعًا من التعاملات العنصرية لم يكن الجيل الأول من المهاجرين يشعر بها، حيث كان يعطي الأولوية لعلاقته بالدولة وللمكتسبات المادية والخدمات الاجتماعية، على العلاقة بالأفراد. ويفسر هذا الإعجاب الشديد الذي كان يعبر عنه أفراد هذا الجيل بالدول الغربية ومؤسساتها مقارنة بواقع بلدانهم المتردي. كما كانت أزمة الهوية الناتجة عن حالة الاغتراب متحكمًا فيها عبر الحفاظ على علاقة وطيدة بالجذور وبالوطن الأصلي وبالتقاليد والعادات الأصلية.

هذه الروابط التي كانت تلعب دور التوازن النفسي سرعان ما شرعت في التلاشي والذوبان مع الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، وذلك بسبب ضعف العلاقة بالوطن الأصلي، وظهور عامل جديد هو تنظيمات الإسلام السياسي، السلفية منها والإخوانية العالمية المتشددة، التي تمتلك شبكات تمويل هائلة، والتي نجحت في استقطاب نسب كبيرة من أعضاء الجالية، حيث أصبحت تلعب دور العزاء النفسي والتعويض عن حالة الاغتراب وفقدان المرجعية بالنسبة لأعضاء الجالية الذين عانوا من ضعف الاندماج. وساهم في ذلك بشكل كبير تفاقم الأزمة الاقتصادية وتزايد البطالة، مما دفع بالعديد من الشباب نحو المساجد التي يؤطرها أئمة، بعضهم لا يكتفي بإمامة الصلاة والوعظ والإرشاد الديني، بل يركزون على تكريس الخصوصية بمعناها المغلق، ونشر ثقافة الممانعة ضد قيم حقوق الإنسان على الخصوص، وضرب ثقافة التعايش في الصميم إلى حد يصل إلى درجة زرع مشاعر النفور والكراهية للمواطنين غير المسلمين، مما يظهر في سلوك أبناء الجالية بشكل عنيف.

وقد كان لأوضاع تهميش الجالية المسلمة، واستعمال القضية الفلسطينية وأخطاء السياسة الخارجية الأمريكية بشكل كثيف، دور كبير في تيسير عملية التأطير المنحرف هذه.

وزاد من تأزم هذا الوضع بشكل كبير انتشار ظاهرة الإرهاب المسلح وظهور القاعدة وفروعها، مما جعل الإسلام مرتبطًا في وجدان الإنسان الغربي بالعنف والدم، خاصة بعد أن تكاثرت الحوادث والوقائع الدموية التي أبطالها إسلاميون وسلفيون في كل من مالي، والجزائر، وليبيا، وتونس، ومصر، والعراق، واليمن، والصومال، وكينيا، ونيجيريا، وأفغانستان، وباكستان، وغيرها من البلدان.

من جانب آخر، كان لتخلف الدول الإسلامية وفشلها في بناء ديمقراطيات ناجحة، وفي تنمية مجتمعاتها، وإفراطها في استعمال الدين في اضطهاد أبنائها وخاصة من النساء وعرقلة تطور بلدانها، تأثير كبير في ترسيخ فكرة ارتباط الإسلام بالاستبداد والقهر والظلم لدى الغربيين.

من الخطأ إذن البحث عن حلول لـ”الإسلاموفوبيا” فقط عبر السعي إلى إقناع الغربيين بتغيير نظرتهم إلى الإسلام والمسلمين اعتمادًا على بعض النصوص، ذلك أن هذه النظرة لا يمكن أن تتغير بدون أن يغير المسلمون سلوكاتهم واقعيًا، سواء في بلدانهم أو في بلدان المهجر. ذلك أنّ الحقيقة التي ينبغي أن تظلّ نصب أعيننا هي أن الغرب لن يفهم أبدًا الإسلام إلا من خلال ما يفعله المسلمون، سواء بأنفسهم وببعضهم البعض أو بغيرهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مواطن
    الثلاثاء 18 مارس 2025 - 02:28

    اليمين المتطرف قاد العالم الى حرب عالمية في عهد هتلر وموسولوني قبل الهجرة وقبل ظهور التيارات السلفية والاخوانية، صعوده لم يكن، ولن يكون مرتطبا بسلوك المسلمين بل هي مجرد حجة زائفة يستخدمونها للتجييش.
    من ناحية أخرى، العنصرية ضد المسلمين او ضد غيرهم غير مبررة اطلاقا، وهذا لا ينفي امكانية محاولة تفسيرها بالتغطية الاعلامية للانحرافات المرتكبة من طرف المسلمين.
    لكن، معاداة المسلمين كانت وستكون ولو كان سلوك 99 في المائة من المسلمين جيدا، لان الوقود موجود ووسائل التواصل موجودة أيضا. الاسلاموفوبيا كانت موجودة في عهد الجيل الاول من المهاجرين، قبل القاعدة وقبل العولمة.
    من الخطأ ربط الاسلاموفوبيا بسلوك المسلمين دون تبيان حقيقة التحيز الموجود في بعض ارجاء العالم.
    مثلا في فرنسا، لبس امرأة لحجاب (اختيارها الشخصي) يعتبر بمثابة سلوك سيئ يستحق الادانة رغم مشروعيته قانونيا ودستوريا، ما الجريمة التي ارتكبتها هذه المرأة؟ لا شيئ، لكن بالنسبة للاسلاموفوبيين الفرنسين هو امر يبرر الكراهية
    معاداة السامية موجودة في مختلف دول المعمور، هي سنربطها بسلوك اليهود أيضا، ؟ ام ان المسألة تتعلق بأسد علي و في الحروب نعامة؟

  • amaghrabi
    الثلاثاء 18 مارس 2025 - 08:06

    صراحة أفعال المسلمين شيء وأقوالهم شيئ أخر فأغلب المسلمين لا يفهمون دينهم ولا يفهمون قرءانهم فتراه يريد أن يدعو غيره الى دينه الذي هو نفسه يجهله وياليته وقف الى هذا الحد بل يدعو الى التشدد وارهاب الاخرين .الاسلام عقيدة روحية تخص الفرد وحده وبالتالي اقحامها في السياسة تقسم المجتمع وتقتل المواطنة التي هي حق لجميع المواطنين والعقيدة حق لصاحبها .وهذا واضح جدا لا يفهمه الى من له شيئ في نفسه يريد من خلاله تحقيق أنانيته لان اليوم كل شيئ واضح .

  • مربط الفرس
    الثلاثاء 18 مارس 2025 - 08:51

    مشكلة الإسلاموفوبيا انها تعمم الكراهية على جميع المسلمين بدون تمييز بين المعتدل و المتطرف و الإرهابي فلا يمكن مثلا للمسلمين جميعا تحمل مسؤولية عمل إرهابي فهناك دائما مسلمين يستنكرون هذه الأعمال الإرهابية و يدعون الى السلام و التعايش و التسامح

  • Lamya
    الثلاثاء 18 مارس 2025 - 09:36

    الإسلاموفوبيا لا تعتبر انتقادا للاسلام و المسلمين و انما هي عنصرية و كراهية و خوف غير عقلاني من الاسلام و صور نمطية واحكام مسبقة سلبية عن المسلمين جميعا (مثلا العنف) وتمييزو اقصاء و خطاب كراهية و استخدام الخوف من المسلمين لاهداف سياسية….
    تتطلب مكافحتها التزاما من السياسة و المجتمع و وسائل الاعلام

  • amaghrabi
    الثلاثاء 18 مارس 2025 - 10:18

    أعتقد أنه في الغرب يوجد الكثير من المهاجرين لهم عقول مقلوبة بحيث لا يبحثون كيف يندمجون ايجابيا في الحياة المعاشة في الغرب وقدرة على فهم الثقافة الغربية واحترامها وانما يبحثون ويطلبون من اهل الدار أن يندمجوا في ثقافتهم التي جاؤوا بها الى الغرب

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36 14

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18 6

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32 9

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 7

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة