مشكلة التعليم .. قضية عالمية

مشكلة التعليم .. قضية عالمية
الجمعة 24 نونبر 2023 - 22:04

“هناك حالات يمكن فيها أن يضعف الإضراب العمال أكثر من خصمهم المباشر” – ليون تروتسكي.

من يتابع أوضاع المغرب من بعيد، كما هو الحال معي، لا بد وأنه يقف مستغربا من درجة التشنج الحاصلة اليوم في العلاقة بين رجال التعليم ووزارتهم الوصية. فالظاهر أن أغلب الأساتذة يعبرون اليوم عن أنفسهم عبر تنسيقيات مع ما يعني ذلك من فقدان للثقة في التمثيليات النقابية. وبدون الدخول في حيثيات الصراع لا بد من استيعاب أن من يدفع ثمن هذا الخلاف هو فئة عريضة من التلاميذ الذين لاخيار لهم سوى اللجوء للمدرسة العمومية وذلك لأسباب اقتصادية محضة. الميسورون لا يعانون نهائيا لأن المدارس الخاصة مفتوحة ومستمرة في تكوين أبنائهم.

كلما عدت إلى المغرب وهو الأمر الذي أقوم به باستمرار خلال السنوات الأخيرة تترسخ لدي فكرة أن بلادنا تتنازعها عقليتان متناقضتان حتى في التعامل مع أبسط القضايا. هناك مغاربة يبنون في بلاد تتطور بسرعة مذهلة وهناك آخرون يحملون معاولهم لهدم كل ما هو إيجابي. بالطبع هذا الهدم يتشح بأروع الشعارات وأكثرها جاذبية كي يبرر قدرته الهائلة على تخريب كل شيء جميل في البلاد. الإضراب المستمر لقطاع حيوي يمس مستقبل البلاد كما هو الحال مع قطاع التعليم هو دليل على انعدام أي مسؤولية لدى كل من يساهم في تمطيطه عوض البحث عن حلول عملية تجنب البلاد كارثة ترك التلاميذ بدون دراسة أو تكوين.

لست هنا لإلقاء اللوم على أي كان أو توجيه أصابع الاتهام للنقابات، للحكومة أو لرجال التعليم و”تنسيقياتهم”. فأكيد أن كل واحد يعتقد بأنه على حق وأن اختياراته صائبة ولكن ما هو واضح ويبدو أن الجميع أغفله في خضم عملية لي الذراع بين ممثلي رجال التعليم ومسؤولي القطاع أن الضحية الحقيقية هم التلاميذ خاصة المتحدرون من الطبقة الفقيرة.

لدي انطباع كذلك أننا في المغرب نعتقد أن مشكلة التعليم هي حكر علينا ناسين أنها قضية عالمية. لا تخلو أي دولة في العالم من صراعات مرتبطة بقضايا مشابهة لما نراه نحن اليوم. الفارق الحقيقي، خاصة في الدول المتقدمة، هو أن الدول الأخرى لم ولا تفرط في تعليمها العمومي كما فعلت وتفعل حكوماتنا المتوالية. كل المجتمعات تواجه المشاكل نفسها مع قطاع يتميز بحيوية منقطعة النظير، كما هو الحال مع قطاع التعليم ولكن بمنطق التعامل مع منظومة متكاملة وليس الوقوف عند بعض المطالب المادية أو بعض الامتيازات “المكتسبة”.

لذلك فالاحتجاجات في الدول التي يجب أن تكون نموذجا يقتدى به بالنسبة لنا تأخذ منحى يتعامل مع تشدد الحكومات بكثير من الروية والحكمة كي لا تكون النتائج عكسية. الحكومة المغربية وعوض حل المشكل، فهي تريد لمعلم المدرسة العمومية أن يفقد تأييد الرأي العام وذلك عبر استمرار التلاميذ خارج أسوار المدارس بكل ما سيولد من استياء وتذمر لدى أولياء أمورهم.

في السنوات الأخيرة، شهدت العديد من البلدان حول العالم إضرابات في قطاع التعليم، وكثيرًا ما أثارت هذه الإضرابات جدلًا حول تأثيرها على الطلاب والعملية التعليمية. لنأخذ بعض التجارب الدولية في التعامل مع إضرابات المعلمين والأساتذة وكيف يمكن أن تكون نموذجا بديلا عن “شدلي نقطعلك” الذي تعرفه بلادنا والذي يبدو أنه يسير بنا نحو الهاوية.

فنلندا مثلا وهي من الدول الرائدة في التعليم. لجأ فيها المعلمون إلى الاحتجاج الرقمي، حيث استخدموا منصات التواصل الاجتماعي للدفاع عن قضاياهم، وهذا مكنهم من الاحتفاظ بدورهم التعليمي مع الاستمرار في التعبير عن مطالبهم.

في كندا أو في إيطاليا يتم اعتماد نهج الإضراب الجزئي. فبدلاً من الإضراب الكامل، يقرر المعلمون الإضراب لفترات محددة، مما يسمح بالتقليل من التأثير على الطلاب ويعطي المعلمين فرصة للتفاوض مع الحكومة.

اليابان وبثقافتها القوية في الحوار والتفاوض، يتم تشجيع الحوار المستمر بين المعلمين والحكومة لحل الخلافات من خلال مفاوضات بناءة دون الحاجة إلى إضرابات مطولة.

في السويد، يتم تنظيم أنشطة تعليمية وتوعوية داخل المدارس لشرح أهمية النضال من أجل حقوق المعلمين وتأثيرها على جودة التعليم. هذا النهج يساعد في خلق تفهم وتعاطف مع قضاياهم.

الأمثلة كثيرة وموجودة حتى في دول أقل تقدما منا يمكن لممثلي قطاع التعليم في بلادنا اتخاذها كمسار بديل عن “تهراس الأسنان” في صراعها مع الحكومة والذي أثبت عدم نجاعته لحد الآن والذي يدفع ثمنه الضعفاء فقط، مثل العادة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • امحيجر
    الأحد 26 نونبر 2023 - 19:39

    يبدو أن الوسيني غير مطلع على نضالات الأساتذة الرقمية و غير الرقمية، قاموا بجميع ما قد يخطر بباله للتعبير عن مطالبهم المشروعة منذ عشرات السنين، لكن لا حياة لمن تنادي. من الخطأ المقارنة بين المغرب حيث عملت الدولة على تدمير التدمير الفائدة القطاع و بين السويد و كندا و فنلندا. هذه الدول يحكمها أناس وطنيون يحبون بلدهم و أبناء بلدهم، اما في المغرب فيحكمه أناس يقاتلون من أجل مصلحتهم الشخصية وملء جيوبهم ولو أدى الأمر إلى دخول البلد في حائط. و ستريك يا الوسيني اي طينة ينتمي هؤلاء.

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 4

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال