انطلاقا من أن الديمقراطية منظومة لها أهداف، والأهداف تقوم على قيم، وتحييد القيم يفضي إلى بيئة جانحة تنتج نخبا وقادة شبابا دون بوصلة، ولا يتميزون بحس المواطنة، يصبح الشرط الأساسي للفاعلية (Agency) هو احترام مصفوفة من القيم متوافق عليها دستوريا ومجتمعيا؛ فنحن لسنا بصدد مهارات وقدرات تلقائية تنضج وتتغذى من المعيش اليومي (“التشلهيب” و”التقوليب” و”القفوزية” و”العياقة” و”السوكان” والتنمر و”التسنطيح” و”السلوكية” و”الرجولة” و”الجبهة” و”التغوفيل” و”الشهرة” و”الظهور” و”التشرميل” و”التفرعين” و”البوز” و”الغش” و”التمقليع” و”كوبي كولي”، وظواهر “اكشوان اكنوان” و”إحساس” و”العميقين”…)، تمكن الشاب أو الشابة من اكتساب موقع متميز وظرفي داخل المجموعة.
ولأن هذه مهارات وقدرات يمكن اكتسابها من خلال تنشئة عفوية غير مؤطرة فإننا في حاجة إلى ريادة إيجابية وفاعلية نوعية، تتحدد وترسم من خلال مسلمات ديمقراطية تمكن من تأطير وتكوين جيل من الشباب يختلف في تمثلاته وانتظاراته عن جيل الرواد السابقين (النخبة الحالية)، لهذا تبدو مصطلحات “نخبة ناشئة” أو “نخب المستقبل” الأقرب للمعنى والجدوى للإمساك وضبط مفهوم “الفاعلية ” في علاقته بتصور النموذج التنموي المنتظر؛ فمن الضروري إذن الأخذ بعين الاعتبار تمفصلات ثنائية النخبة الرسمية والنخبة الرمزيةIncumbent elite vs Symbolic elite)) لما يمثله الفرق بين فاعلية الأولى وفاعلية الثانية من جهة، وجدوى تكامل تمثلات النخبتين حول مشروع النموذج التنموي الجديد خدمة للمجتمع المغربي.
ما يهم في هذا السياق، أي سياق الترصيد والتمكين لفاعلية الشباب بالمغرب في إطار المشاورات حول النموذج التنموي الجديد، هو اشتغال النخبة الناشئة (الرمزية) مع النخبة الرسمية، لأن الأولى في حاجة ماسة إلى التأطير والمواكبة من خلال تكوين واقعي تنفيذي ((Learning by doing يعتمد على الممارسة والاستكشاف والتجريب؛ لاسيما لتطوير ثقافتها السياسية. وهذه المواكبة والتأطير يجب إخضاعهما لبعض المحددات، منها لا للحصر: التمكين الفردي من قضايا التداول المجتمعي وصقل السلوكيات الديمقراطية (الاختلاف – الندية – المعارضة– التحدي الإيجابي …)، ونبذ ثقافة الكراهية والتنافر والمشاركة عبر فاعلية قيمية وخطابية، وتعميق ممارسة المبادرة الديمقراطية (Challenge) ورأسملة الرصيد السياسي الافتراضي.
تجدر الإشارة إلى أن فحوى المعنى والجدوى من الانكباب على مقولة “الفاعلية”، فاعلية الشباب خاصة، تكمن في كونها تشكل الحجر الأساس لفهم واستشراف النموذج التنموي الجديد. ومن هذا المنطلق يستحب التمييز بين ثلاثة أنواع من الفاعلية: خبراتية وإيديولوجية ورمزية . وللتوصيف الموضوعي والعلمي لمعنى وجدوى الفاعلية عند الشباب بالمغرب يتوجب على الباحث والملاحظ رصد تمثلات الشباب الواقعية والرقمية حول ذاته وموقعه في المنظومة المجتمعية وضبط إدراكه لماضي وواقع ومستقبل مجتمعه وتحديد نجاعة تأويلاته ووقع فعلها على محيطه. كل هذه العناصر ترتبط بمدى مفعول وكاريزما الريادة الشبابية وتجدرها في بيئتها للانخراط والمشاركة في بلورة مشروع النموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية.
ففي سياق راهن المملكة المغربية يبدو أن فاعلية الشباب ومستقبل إسهامه في النموذج التنموي الجديد يتأثر بصورة مباشرة بإقبال المغاربة على الهواتف الذكية، وتوفر 22.5 ملايين مغربي على هواتف ذكية، وهو ما يمثل 75.7 في المائة من المغاربة المتوفرين على هاتف متنقل. كما أن عدد المتوفرين على هاتف ذكي يرتفع سنوياً بمقدار 1.2 مليون شخص، وأن 92.4 في المائة من الأفراد البالغين أكثر من خمس سنوات يمتلكون هاتف ذكي. وبموازاة هذه الإحصائيات كشف كذلك البحث السنوي حول مؤشرات تكنولوجيا الإعلام والاتصال لدى الأسر والأفراد، الذي أنجزته الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، أن معدل الأفراد المتوفرين على هاتف متنقل في أسرة واحدة يصل إلى 3.9 أفراد، فيما تتوفر كل الأسر على هاتف متنقل بنسبة 99.8 في المائة، سواء في الوسط الحضري أو القروي. ومن بين النتائج اللافتة للنظر، اعتبر البحث نفسه أن الأفراد بين 5 سنوات و39 سنة هم الأكثر تجهيزاً بالهاتف الذكي بنسبة تتراوح بين 80 و88 في المائة. وتستعمل نسبة كبيرة من هذه الشريحة التي تمثل شريحة الشباب التطبيقات المحمولة، وتصل إلى 94.7 في المائة.
ففي المعنى والجدوى وسوق النخب الناشئة، وفي خضم الانتقال من مجتمع التواصل (Communication) إلى مجتمع الاتصال (Connectivité) ومع راهنية إحصائيات الأنترنيت والرقمي سالفة الذكر، كيف يمكن إذن في الحالة المغربية ضبط وتحديد وملائمة المنظومة القيمية المؤطرة لفاعلية الشباب في أفق استشراف المضامين المستدامة والمرجعيات المستقبلية للنموذج التنموي الجديد؟.
باسم الله الرحمن الرحيم،
أولا، بارك الله فيك على هذا التحليل النابع من أبحاثك الجدية و التي اعتدنا عليها معك.
تطرقتَ لعدة نقط مهمة و قمت بتلميعها بأمثلة ناشئة في قلب مجتمعنا و ذلك راجع إلى، كما تطرقت إليه، الإنتقالية العفوية التي عرفها المغرب و هذا الأمر يحتاج إلى تأطير لجعل هذه الطاقات تُنعِش هذا التيار الجديد بقفزات إيجابية و ليس بتعثرات واهية.
و الأنسب لكل هذا هو الدعوة إلى العمل التشاركي كما ترغب فيه. من الواجب الوطني أن يُؤخَذ مثل هذا الكلام بالجدية من طرف المعنيين به و أن يصل إلى من يرغب في المشاركة و وضع البصمة التاريخية لتغيير أو تحسين أو تأطير هذا المنبع الذي يشرب منه كل من انتقلوا من المجتمع التواصلي إلى المجتمع الإتصالي.
فكيفما كان الحال، هو عالم يجب أن يكون له مسار نظيف يعود على كل الأطراف بالتقدم مع تحقيق النجاعة الفرذية الراقية للفرذ داخل إطاره الإتصالي.
مع أطيب التحيات و التقدير.
فَلَاط فوزي