قراءة في دراما أمازيغية: مسلسل "مَغْريضو"

قراءة في دراما أمازيغية: مسلسل "مَغْريضو"
الثلاثاء 25 ماي 2021 - 02:40

توطئة

لا شك في أن مسلسل “مغريضو” يشكل إضافة نوعية إلى الدراما المغربية عموما والناطقة بالأمازيغية على الخصوص؛ وذلك سواء من حيث البنية الدرامية أو من حيث الخطاب المُعْلَن والمُضْمر. فبهذا العمل الجديد يواصل محمد بوزكو، كاتب السيناريو والمنتج المنفِّذ، مشروعه التحديثي للدراما الأمازيغية مُخَلِّصا إياها مما ارتبط بالأمازيغية عموما من صور وتصورات نمطية مغلوطة ومغرضة لا تخرج عن نطاق الفلكلور أو ما يسمى تبخيسا بـ”الثقافة الشعبية”، ومُدْرِجا إياها في مضمار الحداثة بأبعادها السوسيو-ثقافية والتقنية.

وإنَّ عملا له هذا الطموح يغري بإبداء الرأي فيما تحقق من هذا الأخير.

العنوان

استعار محمد بوزكو من التراث الشفوي الأمازيغي صورة الطائر الخرافي “مغريضو” عنوانا لعمله الدرامي. حدّثني مؤرخ الريف وذاكرته الدكتور مصطفى الغديري أن الأمر يتعلق بمعتقَد شعبي كان شائعا في الريف مفادُه أن روح المقتول ظلما تتمثَّل طائرا لَيْلِيا يهتف في أهل القتيل حاثّا إياهم على الأخذ بثأره. ولهذا الكائن الخرافي نظير في مختلف الثقافات فيما يُعْرَف بـ”العائدين” (Les revenants)؛ وهو في تراث العرب “الهامَة” أو “طائر الصدى”. وسيضطلع صدى الصوت المُغَيَّبِ الذي يُرجِّعُه “مغريضو” بَشَريٌّ في التخييل الذي نحن بصدده بدور بِنائِيّ محوري في البنية الدرامية من البداية الى النهاية؛ بحيث سيتردد عبر كل حلقات المسلسل مُوجِّها الأحداث والشخصيات الوجهة المنتظرَةَ، المُتَضَمَّنَةَ فيه، باعتباره يشكل برنامجا سرديا قائم الذات (الجريمة والعقاب).

ملاحظات أولية

سَأَسوقُ في الفقرات اللاحقة جملة ملاحظات عَنَّتْ لي أثناء مشاهدتي الأولى لحلقات المسلسل. فهي أقرب إلى الانطباعات منها إلى أحكام القيمة.

بين الحبكة والخطاب

أولى كاتب السيناريو أهمية بالغة لبناء الحبكة؛ بحيث برع في صناعة قصة متشابكة الخيوط، قائمة على جهاز تحفيزي تعليلي فعّال، مبنيٍّ إلى مدى بعيد على فتوحات العصر في ميدان تكنولوجيا المعلومات والاتصال، من جانب، وعلى تقنية “الصدفة المبرْمَجَة” من جانب آخر. وقد بلغ التحبيك والتشبيك مبلغا من البراعة جعلهما يقتربان، غير ما مَرَّةٍ، مما يمكن اعتباره “رياضة فنية” خالصة، الغرضُ منه الأخذُ بأنفاس المشاهدين عن طريق برمجة آفاق انتظار متعددة، مع ما يرافق ذلك من تشويق رُبما أنسى المشاهدَ الرهانات المجتمعية للصراع الدرامي ذاتها، التي هي في صُلْب الميثاق المبرَم مع المشاهد. ففي الحوارات التي أُجريت مع محمد بوزكو في إطار الدعاية للمسلسل، كما في الأغنية المرافقة للجنيريك، تَبْرُزُ القصديةُ المجتمعيةُ (l’intentionnalité sociétale) بقوة باعتبارها الحافز على إنتاج العمل (تعرية أوجه الفساد المستشري في مؤسسات تدبير الشأن العام، مافيا العقار، شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، تَغَوُّل المتنفذين على الفئات المستضعفة من الشعب…).

وإذا كان التحبيك الجيد شرطا أساسيا لقيام العمل الدرامي ونجاحه، فإن معيار التناسب (La proportionnalité) بين التقنية والقصدية المجتمعية المعلَنة هو المُحْتَكَمُ إليه في تقييم مدى وفاء المؤلف للميثاق الذي أبرمه مع المشاهد المحتمل. وقد بدا لي أن الميزان قد اختل إلى حد ما لصالح الحبكة والتحبيك؛ مما بدت معه الإشكاليات المجتمعية في بعض الأحيان مجرد خلفية للحبكة. أما إذا تركنا معيار التناسب ذاك جانبا، واقتصرنا في حكمنا على العمل على النجاعة الدرامية، فلا شك في أننا سننتهي إلى أن مسلسل “مغريضو” يضارع الأعمال الدرامية الناجحة التي تبثها كبريات المنصات والقنوات عبر العالم.

بين الحبكة والممكن

يرتبط بما تقدم ارتباطَ النتيجة بالسبب مظهرٌ آخرُ من مظاهر هذا العمل الدرامي: أعني به نزوع الحبكة إلى مفارقة الممكن (Le vraisemblable) السوسيو-ثقافي الذي يندرج فيه العمل الدرامي. إذ يبدو كما لو أن حاجة السيناريست الملحة إلى التحبيك والتشبيك والتعليل والتحفيز جعلته يضحي أحيانا بمعيار الممكن مجتمعيا (أي ما هو مقبول ومحتمل الوقوع لدى المجتمع المرجعي للمسلسل)؛ وذلك لكي يستطيع الجهاز السردي الاستمرار في الاشتغال. ومعلوم أن التعليل (Motivation) السردي لا يكون مقنعا إلا إذا كان من جنس ما يشترك فيه عالم التخييل مع العالم المرجعي: أي منظومة القيم والأحكام التي تشكل ما يمكن اختزاله في عبارة “الرأي العام”؛ وإلاّ كان ربطا تقنيا، آليا اقتضاه تأمين استمرارية الحبكة ليس إلاّ. وقد ترتب عن إغفال كاتب السيناريو لهذا المعيار ما يجعل المشاهد يشعر أحيانا بنوع من فك الارتباط بين الدرامي والمجتمعي.

مرةً أخرى: لا معنى لهذه الملاحظة إلا بالنظر الى العقد الذي أبرمه صاحب العمل مع المشاهد المحتمل. وهذا العقد أو الميثاق الذي أومأت إليه من قبل يتضمن وعدا بالالتزام بالواقعية الاجتماعية اختيارا جماليا. وإلاّ فإن للسيناريست الحق المطلق في بناء الحبكة التي يريد، بالتعليلات والتحفيزات التي يشاء، إذا كان همه النجاعة الدرامية وحدها. ولكن بعض الألفة التي أزعم أنها لدي مع أعمال محمد بوزكو تجعلني أستبعد هذه الفرضية استبعادا مطلقا. فإنتاجاته في جميع الأجناس الفنية التي مارسها مطبوعة بهاجس نقدي حاد يجعله أبعد ما يكون عن اعتبار الفن لعبا بدون رهان (Un jeu sans enjeu). وأغلب الظن أن الأمر يتعلق بمجرد اختلال نسبي في التوازن بين متطلبات التخييل ومقتضيات “الواقعية”.

عنصر التجريب

إن المتابع لأعمال بوزكو يلاحظ أن التجريب خاصية ملازمة لها. فهو لا يخشى مثلا استدعاءَ العجيب (Le merveilleux) والغريب (L’étrange) والفنطازي (Le fantastique) والحُلمي (L’onirique) لاتخاذها مرايا يعكس عليها تناقضات الواقع ومفارقاته أو عوالمَ موازيةً يُتاح فيها ما تمنعه قوانين العالم العياني ومواضعاته… هكذا نجده يدمج في العمل الذي يشغلنا هنا ما يبدو أنها مشاهد حُلمية يجتمع فيها الأخوان المتعاديان (صارَحْ و بويْفِرانْ) في وضع بدائي (أو لعله ابتدائي) خارج زمن العالم المُمَثَّل. وقد جعل من هذه اللقاءات التي “تقع” خارج زمكان القصة مناسبة للتصريف الحُلُمي للوعي الشقي للأخوين الناشئ عن ممارساتهما اللاأخلاقية داخلَه. وكأن السيناريست أراد بهذه الحيلة الأصيلة التعويضَ عن غياب أي أثر للوعي الشقي لدى الشخصيتين في الواقع التخييلي، حيث لا تساورهما فيه شكوك ولا تنغص عليهما “نجاحاتهما” وخزات ضمير؛ وهو ما كان من شأنه إضعاف السُّمْك الإنساني فيهما وتسطيحُ هويتيهما بجعلهما أحاديتي البعد. وهذا ما تفاداه جزئيا بتلك المشاهد التي يظهر فيهما الأخوان المتنافسان وقد تجردا من الحيثيات “المهنية” والاجتماعية الطارئة عليهما في واقع القصة.

لغة الحوار

أ. التصريح أم التورية؟

حتى لا أبدو كمن يدافع عن “ستاتيكو” مجتمعي بمعنى الإبقاء على الوضع القائم في نمط العيش والتفكير والتعبير في المجتمع الريفي، أسارع الى القول: إن ما سيأتي بخصوص لغة الحوار مَبْنِيٌّ على شروط إنتاج وتَلَقّي العمل الدرامي الذي نحن بصدده؛ إذ يتعلق الأمر بِـ “دراما عائلية” رمضانية، تُبثُّ بُعَيْدَ الإفطار الرمضاني، أي وقتَ ذروة المشاهَدة. وهذه الظروف الخارجية (التي تتحكم في زمنية العمل ذاتها: ثلاثون حلقة موزعة على الثلاثين يوما المكونة لشهر رمضان) تحدد طبيعة التعاقد اللغوي بين كاتب السيناريو والمشاهدين المحتملين. فبناءً على سياق التلقي، نستنتج أن هؤلاء يتكونون من جيلين مختلطين فأكثر. وإذا كان الجيل الحالي من سكان المدن المتعلمين وشبه المتعلمين ومقلديهما من الأميين يقبلون-وقد يمارسون-لغة التصريح والمباشرة في التعبير عن الموضوعات ذات الصبغة الحميمية (الحب، العلاقة بين الرجل والمرأة بمختلف تجلياتها السوية والمنحرفة…) أقول: إذا كان الأمر كذلك فيما يخص الفئة المذكورة، فهو مختلف عند سابقاتها التي قد تشاركها مائدة الإفطار… وشاشة التلفزيون أيضا!

إن الممارسات اللغوية التي موضوعُها الحميميةُ والعلاقات بين الجنسين تقوم عند الجيلين السابقين عن الجيل الثالث الذي قد يساكنهما على قاعدة التورية (La périphrase): هذه الحيلة البلاغية التي تَشِفُّ ولا تكشف، توحي ولا تفصح. إذْ خلافا لما هو شائع بين الأوساط المتعلمة من أن المجتمع التقليدي مجتمع صَموتٌ، لا يقول الحميمية، فإن الحقيقة أن هذا المجتمع المحافظ قد بلور شفراتٍ وسننا لغوية بلاغية هي من القوة التعبيرية بحيث لا تُقارَنُ باللغة “النحوية” الصريحة المباشرة. مصدر هذه القوة الطاقةُ الايحائيةُ التي للتَّوْرِيّة؛ ذلك أن الإيحاء أقوى تعبيرية من الإفصاح إطلاقا؛ فضلا عن أنه أنسب لمجتمع يحرص على الإبقاء على نوع من الغموض الشفاف (Le clair-obscur) بخصوص الموضوعات ذات الحساسية الخاصة كالعواطف والمرض والموت… فهو لا يريد تسمية الأشياء بأسمائها ويفضل، وهذا حقه، أن يغلفها في عبارات تقريبية تجعل وَقْعَها على قائلها ومتلقيها ألطف وأخفَّ.

ومهما يكن، فإن الفصل في هذا الموضوع كما في غيره، ينبني على القصدية الأيديولوجية لكاتب السيناريو. إذا كان يسعى الى الدفع بالمجتمع الريفي الى تغيير نمط التفكير والتعبير السائدين عنده، فذلك من حقه طبعا؛ وعندئذ عليه أن يقبل بالتضحية بجزء معتبر من المشاهدين المحتملين الذين لا يشاركونه هذه الغاية، أو على الأقل بالتفريق بين الأجيال، بحيث يستقل كل جيل بِلَوْحَتِه الالكترونية أو هاتفه الذكي لمشاهدة حلقات المسلسل بطريقة مؤجَّلة، بدلاً من المشاركة في طقس المشاهدة الجماعية التي يقتضيها الميثاق المبرَم بين السيناريست والمشاهدين المحتملين. وفي ذلك خرقٌ للميثاق الضمني الذي يمليه سياق البث.

ب. “لغة النحو” أم لغة الثقافة؟

أعني بـ”لغة النحو” أو “اللغة النحوية” هذه الملفوظات الصحيحة نحويا لكن الفقيرة بلاغيا بسبب افتقارها إلى تلك الاشعاعات الدلالية التي ترسلها الكلمات والعبارات ذوات الحمولات الثقافية. فما سيأتي إذن توسيع وتنويع عما جاء في الفقرة السابقة. يتعلق الأمر دائما بلغة الحوار، ولا تنصرف الملاحظات الواردة فيه الى هذا العمل خاصة، وإنما هي توجيهات عامة تتوخى الحيلولة دون فقدان اللغة لذاكرتها. لقد رأينا كيف أن الأمازيغية، كغيرها من اللغات، وجدت في التورية حلا لإشكالية التواصل بشأن الحميمي. وعلى النهج نفسه المتمثل في تطويع اللغة لمقتضيات القول المختلفة اختلاف القائلين وأوضاع القول، بلورت الأمازيغية سجلا وافرا من التعابير التي تتلاءم ومختلف الأحوال التواصلية وتتمتع بشحنة تعبيرية قوية لا تتوفر في تعابير “اللغة النحوية” المباشرة. لنتصورْ مثلا الوضعية التلفظية التالية (Situation d’énonciation): شخصان بينهما عداوة مستحكمة، يتوجه أحدهما إلى الآخر مهدِّدا بالقول: أَ(ذْ)شَكْ نْغَغْ! (سأقتلك!)؛ فإن هذه العبارة أقل وَقْعًا بكثير من هذه الأخرى: أَذْ أشْ أويغْ ثَمْنَّوْثْ! (سأزهق روحك!)؛ بينما العبارة الثالثة الآتية: أَ(ذْ)شَكْ أويغْ خَ(فْ) يِري إينو! (سأضطر إلى اقتراف ذنْبِ قتلك!) تضيف إلى القوة التعبيرية التي تزخر بها العبارة الثانية بُعدا تلفظيا آخر، هو التعبير عن الشعور المأساوي الذي يرافق الإقدام على اجتراح فعل محرم دينا ولكن “ضروري” واقعا. إنه تعبير استباقي عن أثر فعل القتل.

هكذا نرى أن التعبيرية درجاتٌ: ففي العبارة الأولى نحن إزاء الدرجة الصفر من التعبيرية (حسب أوضاع القول قد تتولى “لغة الجسد”، من ملامح الوجه وحركة الجسد ونبرة الصوت، شَحْنَ العبارة بطاقة تعبيرية ما، لكن هذه تبقى إمدادات خارج-لغوية (Extralinguistiques). وفي العبارة الثانية نحن بصدد نوع من الإمعان في القتل، وذلك عن طريق التصريح بنتيجة فعل القتل التي هي إزهاق الروح. بينما نجد أن العبارة الثالثة تستحضر البعد الديني (الذنب المترتب عن ارتكاب المحظور دينا).

إلى مثل هذه الطبقات الدلالية والايحائية أشير بالعبارات التقريبية: “لغة البلاغة” (مقابل “لغة النحو”)، “ذاكرة اللغة”، “اللغة الثقافية” (الحاملة لقيم ومرجعيات منغرسة في الوعي واللاوعي الثقافيين).

ويلاحظ أن محمد بوزكو قد استحضر هذا البعد البلاغي-الثقافي في بعض المواقف التلفظية، مما يدل على إدراكه للطاقة التعبيرية الخاصة التي تزخر بها التعابير المسكوكة في صيغة توريات واستعارات وتشبيهات بليغة وتحيينات تلفظية للأمثال والأقوال السائرة التي تحيل على مختلف ظروف القول وأوضاعه… إن هذه التعابير المسكوكة التي تحيل على أوضاع تلفظية تبلورت فيها تلفظات فردية لا حصر لها تُمِدُّ القول الراهن (في الدراما) بزخم تعبيري لا يقاس في كثافته وعمقه وقوته بما للعبارة “المحايدة” التي لا ذاكرة لها ولا إيحاءات ولا ظلال. ورغم وعي السيناريست بهذه الخاصية، ظلت استفادته منها محدودة فيما أرى.

ج. الاستنساخ المعجمي-التركيبي

أنتهز مناسبة الحديث عن لغة الحوار في المسلسل لأعيد التنبيه إلى ما سبق أن حذرت منه في لغة الإعلام الأمازيغي: أعني استنساخ الأبنية النحوية للغات المجاورة للأمازيغية في بناء الجملة. إن النحو أو التركيب هو جهاز مناعة اللغة، ومتى عجز عن مقاومة العدوى التركيبية الآتية من اللغات المهيمنة دخلت اللغة في مرحلة الاحتضار. وإذا كانت لغة المسلسل سليمة من هذه الآفة على وجه الإجمال، فإنها لم تَخْلُ من بعض أعراضها. فقد سمعتُ إحدى شخصياته تقول لِأخرى متأفِّفَةً: “شَكْ رْحَجَّثْ لْوَحيدَه إِغَ ثَكّْذْ (بالكاف المثلثة) هِيَ أَذْ أيْ ثَجّْذْ…” (الشيء الوحيد الذي عليك فعله هو أن تتركني…). وهذا بالضبط ما قصدته بالاستنساخ المعجمي التركيبي الذي يهدد حياة اللغة، لأنه يهيئ المجموعة اللغوية للانتقال الى اللغة المستنسَخة. وإذا أراد المتكلم أن يعبر عن معنى الجملة المذكورة مع الوفاء لروح اللغة الأمازيغية، فسيقول مثلا: شَكْ مارّا مِنْ غا(ذْ) ثَكّْذْ، أذْيِ ثَجّْذْ…

كلمة في الإخراج والتصوير والتمثيل

لن يكون كلامي في هذه الفقرة أكثر من وصف ذاتي لتجربة التلقي الشخصي للعمل الدرامي “مغريضو”. إذ الإخراج والتصوير حِرَفتان تقنيتان بقدر ما هما فنيتان، ولن أدعي أن لي كفاءات كبيرة أو صغيرة بالجانب التقني للحرفتين. ولكني إنما آتيهما من منظور أثر التلقي. أمّا وقد أدليت بهذه الاحترازات (التي ليست مجرد احترازات بلاغية)، فإني أستطيع أن أجزم مُطْمَئِنًّا بأن الدراما الأمازيغية قد تَخَطَّتْ، بهذا العمل وفي ظرف وجيز، مرحلة التكوين لِتَلِجَ بدون عُقَد مرحلة النضج والامتياز. فلم نقف على بياضات سيمائية ولا تأثيث حشوي لزمن القصة ولا مَشاهِد اثنوجرافية لا لزوم دراميا لها… وإنما وجدنا تظافرا قويا بين مكونات المُرَكَّب السيميائي المتمثلة في السيناريو والإخراج والتصوير والتمثيل. وبخصوص التصوير تحديدا، يجدر التنويه بما أُنْجِزَ في مجال إدراج الفضاء الريفي في شبكة السّمْطَقَة (Sémiotisation) والتدليل التي ظل خارجها إلى وقت قريب. هكذا صار بمقدور المشاهد الريفي أن يتعرف على فضاءات وأمكنة كانت مألوفة لديه، لكن باعتبارها فراغاتٍ غيرَ مسكونة بالمعنى، ما دامت لم تَلِجْ شبكة التدليل التي تنسجها الإحالات الأدبية والسينمائية والصباغية وغيرها من أجهزة إنتاج المعنى.

وأما التمثيل فقد جاء مقنعا إلى أبعد الحدود. خَدَمَتْه ثلاثة أجيال من الممثلين يَتَتَلْمذُ اللاحق منها على السابق. حيث أضفى الحضور الواثق للجيل الأول على المسلسل، بطريقته في شَغْل فضاء الشاشة، قدْرا معتبرا من “الاحتمالية” (La vraisemblance)؛ فيما منحه الجيل الثاني صِدْقِيَّة مَرَدُّها العفوية الطبيعية عند البعض و”المخدومة” عند الآخرين. اما الوجوه الجديدة فقد بذلت جهدها في تقمص الأدوار التكميلية، لكن الضرورية! التي أسندت اليها.

وبعد…

يُشْهد لمحمد بوزكو أنه أرسى دعائم الفن الدرامي الأمازيغي الريفي سينمائيا وتلفزيونيا. ورغم حداثة هذا الفن ضمن المجال الثقافي المذكور، فقد استطاع، باعتباره منتجا كذلك، أن يبلغ به مرحلة متقدمة من الجودة والتميز. هذا فضلا عن أن مقاولته الإنتاجية وأعماله الشخصية غَدَتْ مَشْتَلا لاستنبات المواهب المحلية في فن التمثيل، إلى جانب مَنْحِ فرص التألق والاستمرار التي تتيحها لِثُلَّة من الممثلين الأكفاء. وقد قَدِمَ الى الصناعة الدرامية من الكتابة؛ حيث كتب القصة والرواية والنص المسرحي والسيناريو، مما يجعل منه منتجا صاحبَ رؤية فكرية وفنية. وهو ما يفسر كون أعماله تُتَلَقى على الدوام باهتمام نقدي وجماهيري كبير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Amaghrabi
    الأربعاء 26 ماي 2021 - 11:11

    شكرا سيدي امسبريذ المحترم على الملاحظات القيمة والتي انا شخصيا موافق على ان الانتاج الامازيغي”باللهجة الريفية “هو انتاج في المستوى اصبح ينافس الانتاج المغربي بالدرجة المغربية التي لها بعد طويل وتجربة طويلة و حتى الممثلين صراحة ابهروني رغم انني رأيت بعض الحلقات القليلة لانني لا اشاهد التلفزة كثيرا وحتى زوجتي المبلية بالمسلسلات العرية والتركية اصبحت تهتم اهتاما كبيرا بالمسلسلات الامازيغية الريفية وصراحة من شدة ادمانها على المسلسلات العربية اصبح لها ذوق رفيع لتمييز الجيد من الرديئ.صراحة الانتاج الامازيغي اصبح يفرض نفسه ويجب ان يشجع اقليما ووطنيا شعبيا ورسميا وتحياتي لك استاذي امسبريذ المحترم

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''