قل لو تعلمون أهمية التواصل!

قل لو تعلمون أهمية التواصل!
الجمعة 20 مارس 2020 - 22:29

لا يمكن أن يسفه الجهود التواصلية التي تقوم بها الدولة في هذه الأثناء إلا جاحد وناكر لكل شيء جميل. فالدقة والسرعة والمهنية في الاشتغال تنم عن وعي الدولة، والحكومة على وجه الخصوص، بما للتواصل من دور في تليين الأجواء والتحكم في العلامات حتى لا يحدث نوع من التشويش السيميائي في الخطاب الرسمي. كما يدل ذلك أن الدولة أدركت أخيراً أن التواصل ليس مضافاً عرضياً يمكن الاستغناء عنه، بل هو ضرورة حتمية ولا سيما في أوقات الأزمة.

دعونا نقول بقليل من الفرح الممزوج بالمجازفة، إننا لا نقوم بدعاية لأجهزة الدولة، وأننا فقك منبهرون لأنها المرة الأولى في تاريخ الدولة المغربية التي تتواصل فيها بهذا الشكل، وحتى في فترات عصيبة ظهر فيها فيروسات قاتلة كفيروس الأنفلونزا (H1N1) فقد بين الخبراء آنذاك العيوب التي صاحبت استراتيجية الدولة ومنها استعمال الدرك الملكي لجلب المصابين إلى المستشفى. والاجراءات الاحترازية التي تقوم بها الحكومة تستحق الوقوف عليها، مثل تعليق الرحلات الجوية وتوقيف الدراسة وإغلاق المقاهي والمرافق العمومية والساجد، وهي إجراءات أقل ما يقال عنها إنها جريئة ومن صميم السيادة الوطنية…

لعل اللجوء إلى كل السبل التواصلية (المواقع الرسمية، الصحف الورقية والالكترونية، مواقع التواصل الاجتماعي، التلفزيون العمومي، الإذاعات العمومية والخاصة…)، هو لا يريد أن يقول شيئاً سوى التوعية بخطورة فيروس كورونا Covid-19، الذي أحدث زخماً من التواصل لدى الحكومة ووزارة الصحة. وهذا قد يبين قدرة الدولة على التحكم والمراقبة (السبرانية)، فليس من السهل أن تخصص الحكومة، التي لطالما عُرفت بالصمت المطلق، حوارات مع المواطنين باللغة العربية الدارجة والأمازيغية والفرنسية، ثم تقوم بتجنيد كل هؤلاء الفاعلين الإعلاميين بهذا الشكل المهني والاحترافي، وهذا ما زاد من مصداقية الدولة، عبر تقديم تزويد الرأي العام بأرقام الحالات المصابة المؤكدة والوفيات وغيرها.

إن الشائعات التي أضحت تسري في الواقع العمومي الافتراضي كما تسري النار في الهشيم، ليس من السهل بمكان ضبطها التحكم فيها كما قد يعتقد بعض المواطنين، لأن هذا الفضاء انفلت من الرقابة بشتى أشكالها. ومع ذلك لازال الإعلام الرسمي وما يدور في فلكه، يحاول بكل إمكاناته المادية واللوجستية محاصرة الشائعات بآليات تواصلية لم نرها من قبل في إعلامنا الوطني، عبر تخصيص فقرات خاصة فقط ب Factchecking في التلفزيون العمومي، قبل أن ينخرط نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي للتعبئة والمساهمة في نشر البلاغات التكذيبية الصادرة عن مؤسسات رسمية، وهو ما يبين صعوبة الأزمة عندما تجتمع السلطة والشعب ويجمعان على أمر معين، وهذا من يغوص بنا في نوع من الديمقراطية، ودور الفكر التشاركي في خفض الرعب والقضاء على الذعر الذي استولى على الأكوان الافتراضية.

في الأعراف السياسية القائمة على التعاقد، ثمة قاعدة مفادها أن السلطة في خدمة الشعب، ولكنها ربما المرة الأولى في العهد الجديد التي يحس فيها المواطن المغربي أن الدولة موجودة لحمايته وليس شيئاً آخر، بين عشية وضحاها أصبحت “الديمقراطية الرقمية”، التي يتزعمها المواطنون على الأنترنيت، تشيد بالجهود التواصلية للدولة، بل وانخرطوا إلى جانبها في حملة : #عاون_بلادك_خليك_فدارك. ثم إنشاء صندوق تدبير وباء كورونا والذي تمت تعبئته في يوم واحد بعد إطلاقه وفاق المبلغ المحدد له، وكل ذلك بفعل المجهودات التواصلية التي واكبت إنشاء الصندوق.

إننا لا نأمل شيئاً، بعد رفع البلاء والوباء، غيرَ أن تكون هذه السياسة التواصلية هي القاعدة وليس الاستثناء، إن المواطن حقاً يحتاج إلى إجراءات من هذا القبيل، لأنه أثقل كاهله الصمت وكفر بالأحزاب والحكومة والدولة وسَفَّهَ سياستها، ولكن عموماً، نتمنى أن تكون هذه خطوة قد تعيد الثقة إلى المؤسسات الرسمية التي فقدتها بسبب الاستعلاء وغياب التواصل، فالإرادات لا تهمها دائما الحقيقة، وإنما تهمها القدرة على التوافق. بالتالي فغاية اللغة داخل المجال السياسي ليست هي الحقيقة وإنما التوافق الذي يتضمنه وجود السلام كما يقول محمد الهاشمي، إذن دون سلام لا يمكن أن تكون هناك مرجعية للتواصل ودون تواصل لا يمكن أن تكون هناك سلطة.

*طالب في المعهد العالي للإعلام والاتصال

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Amal Eddorhri
    السبت 21 مارس 2020 - 19:54

    أولا كل الشكر والاحترام لسيد علي على هدا المقال الجميل الدي يساهم في توعية وتدكيرالشعب بدور الدولة في هده الأوضاع المزرية ،انا اشركه نفس الرأي، تواصل الدولة مع أفراد المجتمع أمر في غاية الأهمية فلعلها أن تكون دوما .
    #بقاوفديوركم

  • أحمد صديقي
    الأحد 22 مارس 2020 - 00:32

    أصحاب النزعة العدمية فقط هم من لا يقدرون الجهود المبذولة حاليا.
    لدينا العديد من المواقف تجاه الدولة ولكن لا بأس إن قمنا بتأجيل النقد إلى ما هو أبعد قليلا.
    تحياتي سي علي.

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 6

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل