قوم بني "كولاب"

قوم بني "كولاب"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 14:41

يا سادة يا كرام .. لقد صار اللايك عملة، والمشاهدات رأسمالا، والتشهير وسيلة للارتزاق، وها قد ظهر قوم لا تجمعهم مبادئ ولا توحدهم قيم، بقدر ما توحدهم شهية مفتوحة لالتهام ما تبقى من كرامة الإنسان في سوق افتراضي لا يعترف إلا بالأرقام. إنهم قوم بني “كولاب”، أتباع الريتش، وكولاب هي اختصار للكلمة الفرنسية “كولابوغاسيون” Collaboration، أما الريتش (Reach)، فهو عدد الأشخاص الذين يصل إليهم محتوى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء شاهدوه مرة واحدة أو أكثر، ويُستعمل لقياس مدى انتشار المحتوى.

قوم بني “كولاب” هم الذين اكتشفوا أن الطريق الأقصر إلى الشهرة لا يمر بالضرورة عبر الإبداع أو المعرفة أو الموهبة، بل قد يمر عبر فضح الناس، ونبش حياتهم الخاصة، وصناعة الخصومات، وإشعال الحرائق ثم الجلوس أمام الشاشات لاقتسام غنائم المشاهدات.

هؤلاء لا يحتاجون إلى فكرة تستحق النقاش، ولا إلى عمل يستحق الإشادة، ولا إلى موقف مبدئي يدافعون عنه. يكفي أن يعثروا على شخص مختلف معهم، أو واقعة قابلة للتأويل، أو خلاف قابل للتضخيم، حتى تتحول هواتفهم إلى منصات لمحاكمات شعبية، ويصبح التشهير مهنة، والفتنة محتوى، والإساءة مادة دسمة لجمهور يبحث عن جرعته اليومية من الفضائح.

إنهم مستعدون لبيع ما تبقى من كرامتهم مقابل حفنة من اللايكات، ولتبديل مواقفهم كما يبدلون صورهم الشخصية، ولتوزيع صكوك الوطنية والأخلاق صباحا، ثم الدوس عليها مساء، ما دام ذلك يضمن لهم البقاء في دائرة الضوء. أما المبادئ، فتلك تفاصيل مزعجة لا مكان لها في حسابات الربح والخسارة، وأما الحقيقة، فلا قيمة لها إن لم تكن قابلة للتقطيع والعنونة والاستغلال.

والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء لا يكتفون بصناعة المحتوى المبتذل، بل يسعون إلى احتكار سوق الدعاية والإشهار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الفضاء الرقمي ملكية خاصة ورثوها عن أجدادهم. يريدون إقصاء كل صوت مهني، وكل مبدع يشتغل بجدية، وكل صاحب تجربة حقيقية، ليصبحوا هم الوسطاء والحراس والمعلنين والمؤثرين في الوقت نفسه. إنها وصفة تجمع بين تضخيم الذات، واحتقار المنافس، وتحويل الجمهور إلى مجرد أرقام في دفتر الحسابات.

لكن المفارقة التي تستحق التأمل هي المسافة الشاسعة بين الصورة التي يقدمها هؤلاء عن أنفسهم في المواقع، والوجوه التي يكشفها الواقع بعيدا عن عدسات الهواتف. هناك، في العالم الافتراضي، يتحول الواحد منهم إلى فيلسوف في الأخلاق، وخبير في الشأن العام، وواعظ في الفضيلة، وناطق باسم المجتمع. أما في الواقع، فقد لا يصمد هذا البناء المتقن أمام أول اختبار حقيقي للمواقف، أو أول مواجهة تتطلب مسؤولية، أو أول سؤال بسيط: هل تطبق على نفسك ما تطالب به الآخرين؟

في المواقع، يتحدثون عن القيم وهم يطاردون الترند؛ يرفعون شعار الحرية وهم ينتهكون خصوصيات الناس؛ يدعون إلى محاربة الفساد وهم يمارسون الابتزاز المعنوي؛ ويتحدثون عن المهنية بينما لا يميزون بين النقد والتشهير، ولا بين كشف الحقيقة وتصفية الحسابات. وفي الواقع، تتهاوى الأقنعة كلما غابت الكاميرا، ويظهر الفرق بين من يصنع حضوره بما يقدمه للمجتمع، ومن يصنعه بما ينتزعه من حياة الآخرين.

وليس المقصود هنا مهاجمة كل صانع محتوى أو كل من يشتغل بالإشهار الرقمي؛ فهناك من يقدمون أعمالا محترمة، ويخلقون فرصا للتواصل والتعريف بالمبادرات والمنتجات، ويستحقون التقدير على ما يقدمونه. إنما الحديث عن فئة جعلت من الإساءة استراتيجية، ومن الخصومة وسيلة تسويق، ومن كرامة الآخرين وقودا لمحركات الانتشار.

فالشهرة ليست شهادة حسن سلوك، وكثرة المتابعين ليست دليلا على القيمة، وامتلاء الحساب بالإعلانات لا يعني أن صاحبه صار مرجعا في الأخلاق أو الثقافة أو الصحافة. قد تربح معركة الخوارزميات، لكنك تخسر معركة الاحترام؛ وقد تتصدر الترند اليوم، لكنك لا تستطيع أن تفرض على الناس احترامك غدا.

إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى قوم بني كولاب ليس كم حققتم من المشاهدات، ولا كم إعلانا مررتم عبر حساباتكم، بل ماذا أضفتم إلى المجتمع غير الضجيج؟ وكم علاقة أفسدتم، وكم سمعة خدشتم، وكم حقيقة شوهتم في سبيل بضع ثوان من الشهرة العابرة؟

في نهاية المطاف، ستتغير الخوارزميات، وستتبدل المنصات، وستظهر وجوه جديدة في سباق الريتش، لكن ما يبقى ليس عدد اللايكات ولا ترتيب الحسابات، بل الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. فالواقع لا يمنح شواهد الاستحقاق بناء على عدد المتابعين، ولا يقيس الكرامة بعدد الإعلانات، ولا يغفر الإساءة لمجرد أن صاحبها صار مشهورا.

فما أسهل أن تصنع لنفسك صورة لامعة على الشاشة، وما أصعب أن تكون في الواقع الشخص نفسه الذي تدعي أنك هو في المواقع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05 2

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30 2

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 9

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة