كأس إفريقيا.. القبض على الذاكرة المنسية

كأس إفريقيا.. القبض على الذاكرة المنسية
الخميس 18 يناير 2024 - 13:23

تقديم

كرة القدم بإفريقيا تشبه كثيرا كلام الحكماء المعروف بالغريو Griot، الذي يجمع بين التعبير الشفهي الفصيح والموسيقى، حيث تصبح الجملة تمثيلا بليغا وأصيلا ناقلا لأحلام القبائل والشعوب والدول. لا يمكن فصل كرة القدم بإفريقيا عن السياقات الثقافية المروية والمرتوية من الموروث اللامادي الشفهي الروحي الطْباع والذي سيكتشفه الإنسان الغربي إلا بعدما نهب، واستبد، وطغى…. وباع واشترى!

كان لا بد للموروث الثقافي بإفريقيا أن يصمد ويدين، وللشمس أن تسلط أشعتها لتكشف ما وقع على شواطئ بحر الظلمات طيلة العصر “الحديث”. وكان لا بد للشعر أن يُعبر وللوحة الفنية والرياضية أن تبوح للبشرية جمعاء بـ”الحكمة والجمال”، كما يقول حكيم الأفارقة ليوبولد سيدار سنغور. كرة القدم الإفريقية تأتي هنا كمحاولة لتجاوز سوء الفهم ورفع الظلم الذي تعرضت له القارة السمراء، وظل مقصودا وفي شتى المجالات؛ فكرة القدم التي لم يكن لها أن تحصل – مع مطلع الستينيات – إلا على نصف مقعد بكأس العام “نصف بلاصة!”. وبالتالي، فكأس إفريقيا هي مناسبة للرد على هذه النظرة الاستعلائية للآخر. وقبل أن تكون مسابقة تنافسية بين الفرق من أجل الفوز بالكأس، فهي رسالة جماعية موجهة إلى أوروبا في طابع فني، إبداعي من وحي الذات الجوانية لإفريقيا، لتقول للإنسان “الأبيض”: “… إذا سيطرت على الثروة فإن قلب إفريقيا ليس للبيع…!”. كان لا بد لإفريقيا أن تقول كلمتها عبر وسائط مختلفة، كلمات وحكما في متن الغريو، رقصات مثل رومبا ومابوكا، رسومات وأقنعة، مراوغات حتى يعرف العالم ما وراء القناع، وما وراء رقصة الكبير روجي ميلا…

والتسديدات الهوائية لدروغبا واندفاعاته القوية.

1ـ كرة القدم الإفريقية الثقافة والأصداء

فهمت إفريقيا، منذ القدم قبل مجيء سبينوزا وغاندي بقرون كثيرة، بأن الثورة الحقيقية هي ثورة باطنية وبأن “المرء يمكنه أن يغيّر العالم من خلال تغييره لنفسه”، كما قال فريدريك لونوار متكلما عن “المعجزة السبينوزية: فلسفة لإنارة حياتنا، ص.107 و108”. الاستتيقا الإفريقية هي كذلك كرة القدم على بساط فرجوي. تقدم في هذا الباب بفطرتها طريقتها لتغيير الذات البشرية، تنبه الآخر إلى محدودية أنانيته التي قادته إلى سياسة استعمارية تحت شعار “فرق تسد”، انتهت بجر الإنسان الإفريقي إلى سوق النخاسة. الفرق بكأس إفريقيا لا أعتقد أنها تنافس من أجل الكأس، وإن تبدو كذلك، فهي تواجه غريما آخر يرغب في إحكام السيطرة… تواصل إفريقيا بعث رسائلها منبهة أحرار العالم إلى المعاني السامية للسمراء التي بإمكانها أن تقود إلى الحكمة والسعادة…. فقط اتركوا العاج على رؤوس الفيلة…. فللفيلة ذاكرة لا تنسى…

القناع الإفريقي يطارد الإنسان الأبيض الأوروبي الذي دخل إفريقيا غازيا بنزعة استعمارية؛ غير أن القدرات الفنية التي قيل عنها “بدائية” تغزو العالم، بشكل ناعم. وفنيا، ستعترف المدرسة التكعيبية، مع كبيرهم بيكاسو، بروح الإيحائية والرمزية والسحرية للفن الأسود، بعد محاولة طمس معالم هذا الموروث الفريد ونهب القطع الفنية النفيسة. على هذا المنوال، ستتوالى اعترافات كبار الفنانين الغربيين والباحثين بأهمية الأعمال الفنية الإفريقية وقيمتها الإبداعية والجمالية؛ وعلى رأس هؤلاء نجد فنانين أمثال ماتيس، وغوغان، وبراك، وبول كليه… وجاءت كرة القدم لتبرز جوانب فنية فريدة لا يمكن طمسها معالمها في عصر الصورة والنقل المباشر.

القارة السمراء تتحول إلى قِبلة العالم وهي تحمل، في افتتاح مباريات كأس الأمم الإفريقية في نسختها 34، تمثلات مرسلة من قارة جريحة إلى العالم ناطقة بالروح الرياضية، بالكلمات والأشياء، والأهازيج الشعبية التي تسحر القلوب والعقول… ونعرف ماذا تفعل جماليات كرة القدم بالعقول عندما تمتزج بالموسيقى…

“On sait ce que cela fait”. كثيرة هي الملاحظات التي تأتي عند انطلاق المونديال الإفريقي والتفاعلات التي يخلقها بين المتابعات والمتابعين؛ المتعة مع التمريرات والمراوغات، الحديث عن سحر القذفات، السرديات حول الرقصة خارج وداخل الملعب، فالعروض تخللها لمسات موسيقية ضاربة في عمق التاريخ، وأشعار مرتجلة في لحظتها. ويمكن القول إن كأس إفريقيا تأتي إلينا بالألوان حقا، وبرقصات من وحي الروح المبدعة للمشاركات والمشاركين، هذه هي إفريقيا الفنون كلها في ملعب واحد؛ الأجساد ترقص، والأرواح تستعيد أجنحة الزمن الأول في تداخل بين الإنسان والحيوان، غايتها التحليق والطيران بعيدا لتذكر برقصات السود بأمريكا وأروبا سواء على المسارح وخارجها، وبألوان الجاز والريغي، وما إلى ذلك من إيقاعات وأنغام.

2ـ كأس إفريقيا صيغة من صيغ الحضور

حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم ذكّر من جديد بأهمية الجذور والفنانات والفنانون يعزفون سمفونية الحلم. تحمل المباريات تقاطعات تأملية عنوانها تنوع الاستتيقا الإفريقية من إبداعات قديمة، ومعاصرة متجددة، زنجية، حملتها الدبلوماسية الثقافية بزعامة ليوبولد سانغور، والشاعر إيمي سيزير Aimé Césaire، والملهم أليون ديوب Alioune Diop. ويمكن أن نذكر مثقفين آخرين بقيمة عبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين ومحمد شكري والطيب صالح ونجيب محفوظ وغيرهم من المبدعين الذين أسهموا في إبراز جوانب من الثقافة الإفريقية وحملوها عاليا.

أجل، فاللقاءات الرياضية بين الفرق الوطنية تحيي الحلم بصيغة “أنا إفريقيا” أو “ماما إفريقيا” من زمن الحرية وسط “الأدغال” ما سماه الشاعر والكاتب السنغالي أمادو إليمان كان Amadou Éliane Kane بـ”القبض على الذاكرة المنسية”.

إن كُرة القدم لا يمكن لها أن تصنع التقدم؛ لكن التضامن الإفريقي يمكن له أن يصنع الرقي الحضاري ويؤسس له، ففي تجليات كأس إفريقيا ما يوحي بمفهوم أعمق للتحديث كما عبر عنه الفيلسوف المعاصر رفائيل ليوجي Raphaël Liogier بـ”الرغبة في أن تكون” le mode du désir d’être، أو ما عبرت الملهمة مينا علي من مصر خلال لقاء نظمته أكاديمية المملكة المغربية يومه 26 و27 أكتوبر 2023 على هامش أيام “ماتيس والمغرب.. المنعطف والأصداء” بروح إفريقيا، وهي تبرز أصل الفنون بمصر القديمة. إنه، باختصار، زمن إفريقيا، زمن الانتقال إلى مرحلة أخرى، زمن فرض الذات على العالم حسب رفاييل ليوجي “Provoquer la migration du soi sur le monde” لأن “الفن الأسود ” لم يعد يحتاج إلى تزكية من بيكاسو وكرة القدم – بوصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي – لم تعد تنتظر الاعتراف من أحد.

تخضع إفريقيا الألفية الثالثة لمقولات الحضور والقارة اليوم في أعماق وعيها تعتبر كرة القدم ليست كأسا أو وعاء هو نداء لاستعادة المعنى الجديد للحياة وتأسيس علاقات “فائز – فائز” من غير تعنيف أو ابتزاز. وكرة القدم بإفريقيا وجب أن تفهم انطلاقا من إفريقيا بأساليبها العفوية والجمالية، بتجنب القوالب الجاهزة الغربية عن روحها الخلاقة. تحتاج كرة القدم الإفريقية إلى تخطيط من داخل الثقافة الإفريقية الغنية وليس من خارجها؛ انطلاقا من رقصاتها، من تعبيراتها التشكيلية “البدائية” أو “الوحشية”. إن إفريقيا تدرك من هو الوحشي، ومن هو قاهر الحيوان والطبيعة.

كأس إفريقيا هي مناسبة “لاختبار الفرح الذي لا يزال يسكن الكينونة” التي في إفريقيا، بالتعبير هيدغر، وهو بالمناسبة نفس كلام ليوبولد سانغور بصيغة أخرى. فكأس إفريقيا هي مواجهة الذات للذات العميقة كتعبير مرة أخرى عن نفسها بنفسها؛ فخطاب الغريو، ورقصات رومبا ومابوكا، ونغمات كناوة تختزل حكايات الأولين والآخرين ولن تتنسى أبدا.

الصفحة البيضاء بالنسبة لإفريقيا ليست هي التي يفرضها الإنسان الأبيض، هي هذا التعالي التي ترمز إليه رقصة روجي ميلا، أي الفطرة السليمة والفكرة pensée الخالصة، حتى وإن لعب عزيز بودربالة كأس العالم بضمادةpansement ؛ فاللاعب الإفريقي يقول مرة أخرى إنه هو مستقبل العالم وهو قادم للفوز بكأس العالم الهدف الأول لإفريقيا من أجل إعادة الاعتبار للكينونة الإفريقية وهي تحمل شعار الفيلة، والأسود، والنمور، والفهود، والخيول؛ هي الطبيعة وهي الإنسان. فإذا قال كبير فلاسفة الإغريق بارمنيذيس (القرن السادس ق.م):

“التفكير والكينونة أمر واحد”، فكأس إفريقيا للأمم والجماليات شيء واحد كذلك…. فتجليات إفريقيا في أعماقها وخلف القناع…. ولا بد هنا من البحث عن كل الوسائل المتاحة لصيانة موروث إفريقيا وحمايته من السطو أو باستقدام “خبرات” تجهل مقومات إفريقيا وهويتها وكينونتها الأقرب منها إلى التراب منها إلى الحداثة المزيفة التي انسلخت عن مبادئ الأخوة والحرية والعدالة، فقامت الدول المستعمرة بتقسيم الأرض، وأدخلت الإنسان الإفريقي إلى سوق المزاد العلني وإلى الهجرة من عقر الدار.

خاتمة

كرة القدم الإفريقية في تظاهرة كبرى مثل كأس إفريقيا هي ردة فعل يمارسها الوعي الذاتي والجماعي اتجاه الغرب الذي لم يرحم في وقت من الأوقات الأرض والإنسان، وهي فرصة للاحتفال بين الشعوب المسالمة الباحثة عن استرجاع التناغم الأصلي بين الطبيعة والذات الإنسانية مفجرة المواهب في معارج المنافسة الشريفة بين الفرق. تجدد كرة القدم الإفريقية مرة أخرى الدعوة إلى حياة منفتحة من غير تعنيف، وهي تراهن على حرية الابتكار كمكون أساسي من شخصيتها حتى ولو قيل عنها “بدائية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان