كان للبَغْلة رأي آخر في مؤتمر الصومام الجزائري

كان للبَغْلة رأي آخر في مؤتمر الصومام الجزائري
الثلاثاء 10 ماي 2022 - 23:16

“يا له من بعد نظر خارق أبانت عنه البغلة؛ كأنها كانت تقول للقيادات التاريخية الجزائرية: إن جزائر أخرى قادمة من خارج الحدود، فلا تتعبوا نفوسكم في شواهق الجبال”.

مؤتمر هارب في جبال الأوراس:

في مؤتمر الصومام التاريخي الذي انعقد في 20 غشت 1956، بغابة “أكفادو” قرب بجاية؛ وُضعت لأول مرة خريطة الطريق التي جمعت كل ما تشتت تحت مسمى ثورة 1954.

كما سعت إلى وضع الأسس لعلاقة تكاملية بين الأداءين العسكري والسياسي.

رغم ما عكسته عمليات جيش التحرير الوطني، بدءا من 20 غشت1955، من تنظيم جغرافي وزمني دقيق (تم استهداف 40 مدينة في شمال قسنطينة في توقيت واحد) فإن هيكلة الثورة، بتحديد الأهداف، توحيد الجهود، تقييم المقدرات واستشراف المستقبل، لم تكن قد جاوزت مستوى الرؤى النظرية، المتبادلة بين القيادات التاريخية لأرخبيل الثورة.

في هذا المؤتمر برزت، ربما لأول مرة، الحاجة الماسة إلى تقوية الفعل السياسي حتى يجعل الثورة عقيدة كل فئات الشعب وليس القيادات العسكرية فقط. يقول العربي بن مهيدي:

“ساعدوني على إنزال الثورة الى الشارع، وأنا أضمن لكم نجاحها”.

ولم يكن من الإطناب فقط أن ينص “برنامج الصومام”، في محور الاستقلال على:

“ليست الغاية التي تهدف إليها الثورة الوطنية، التي بدأت في 1نوفمبر 1954، هي استقلال الوطن فحسب؛ بل هي أيضا تأسيس جمهورية ديمقراطية واجتماعية، يستطيع أن يعيش فيها كل جزائري عيشة كريمة يسودها العدل والإنصاف؛ ولذلك يجب من الآن أن نُروض أنفسنا على الخصال المطلوبة للانتقال بسهولة من حالتنا الحاضرة -حالة الحرب- إلى حالة البناء والتعمير.

لقد حل مؤتمر الصومام مشكل القيادة في جبهة التحرير، بنبذه الزعامة الفردية، وإقرار التسيير الجماعي.

يقول توفيق مدني: “لقد كان مؤتمر الصومام صغيرا في حجمه كبيرا في سمعته. كانت مقرراته تشبه ميثاقا وطنيا. أعطى لأول مرة محتوى للثورة الجزائرية. فقد أعطى أكثر مما كان متوقعا؛ حيث أذل فكرة الزعامة وأقر أن الثورة من الشعب والى الشعب”. أما القادة التاريخيون الذين أطروا المؤتمر فهم:

العربي بن مهيدي: ممثل إقليم وهران، وقد ترأس الجلسات.

عبان رمضان: ممثل جبهة التحرير، كاتب المؤتمر.

عمار أوعمران: ممثل إقليم الجزائر العاصمة

كريم بلقاسم: ممثل المنطقة الثالثة..

زيغود يوسف: ممثل الشمال القسنطيني

عبد الله بن طوبال..

تعذر على قيادات الخارج، وبعض قيادات الداخل الحضور، فاقتصروا على بعث تقاريرهم إلى المؤتمر.

محمد الخامس يحضر مؤتمر الصومام:

ومما له دلالة مغاربية أن يورد المؤرخون؛ وهم يستعرضون دواعي انعقاد المؤتمر في20 غشت: “نفي محمد الخامس ملك المغرب يوم 20 غشت 1952 إلى جزيرة مدغشقر، بصفته ممثل الفكر التقدمي الحر في مراكش يومئذ”.

من طرائف الاستعداد لمؤتمر الصومام فرار بَغْلَة مُحملة بوثائق المؤتمر؛ ولم تتوقف مستكينة إلا في إسطبل بضيعة فرنسية؛ مما حمل المنظمين على تغيير المكان لانكشاف الخطط التنظيمية للمستعمر.

يشكل هذا المؤتمر، في تاريخ الجزائر الحديثة، كوكبا مضيئا، ينير سماء البدايات الصافية، التي أفضت إلى جزائر مستقلة، ذات توجه مدني، مؤمن بالديمقراطية، وأَلا سلطة تعلو على سلطة الشعب. جزائر معتزة بجوارها المغاربي ومحيطها العربي والدولي.

هذه الجزائر وُلدت فعلا لكن سرعان ما وأدها الانقلابيون من قادة جيش الحدود؛ أو ما يسمى جماعة وجدة؛ وقد مر معنا هذا في مواضيع سابقة.

وعلى قدر هول هذا الوأد (وقد أثمر، سياسيا، مصطلح الحكرة، الجزائري الشهير) ترسخ أمل الشعب الجزائري في استعادة الدولة التي حلموا بها، والتي استشهد من أجلها مئات الآلاف من المجاهدين والمُسَبِّلين والفدائيين، إضافة إلى عامة الشعب. (هي رتب رسمها مؤتمر الصومام).

ظلت هذه الجزائر سرابَ ماء في صحراءَ؛ أو قُل ظلت هاربة كبغلة الصومام التي أفضت بأسرار الثورة إلى المستعمر، حتى لا تواصل السير حاملة أثقال دولة المستقبل.

وحتى حينما بدا للرئيس المرحوم الشاذلي بن جديد، أن يعيد قراءة وثائق المؤتمر، ولقاء القاهرة ومحاضر الحكومة المؤقتة، ليحقق حلم الشعب الجزائري بأخذ زمام المبادرة بيده، وتنظيم نفسه حزبيا ليمارس حكم نفسه بنفسه، تعاورته الأحذية الثقيلة، لتخرجه من حلبة تَزْعُمها لنفسها فقط، قهرا وغلبة.

من قال إن صناعة الرؤساء، في الجزائر، معادلة تفك مجاهيلها الانتخابات فقط؟

يا له من بعد نظر خارق أبانت عنه البغلة؛ كأنها كانت تقول للقيادات التاريخية: إن جزائر أخرى قادمة من خارج الحدود، فلا تتعبوا نفوسكم في شواهق الأوراس.

لا تزال دولة الخارج الجزائري قائمة؛ ولأنها من خارج الشرعية، فلا شرعية لها غير الاستبداد المسلح.

ولانقلابها على أخوة الدم والسلاح، سَهُل عليها الانقلاب حتى على محمد الخامس، الذي حضر بدوره مؤتمر الصومام، رمزا لكفاح كل الشعوب.

انقلاب على ملك وعلى شعب وعلى خريطة.

اليوم ترسخ القيادة العسكرية للدولة جهل وتهور آخر صنيعة مدنية، الرئيس عبد المجيد تبون؛ في عود أبدي لاستنساخ الفشل الرئاسي المدني؛ حتى تظل الدولة عسكرية، ولا شرعية لها عدا ضعف حاكم المرادية.

استعادت قيادات جزائرية أخرى مبادرة الصومام، تحت مسمى ندوة زيرالدة المنعقدة بالعاصمة الجزائر في 10 يونيو 2014؛ وناب فيها عن المرحوم محمد الخامس، حفيده محمد السادس، من خلال نداء تونس الداعي، ضمن ما دعا إليه، إلى اتحاد مغاربي قائم على أسس جديدة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • citoyen
    الأربعاء 11 ماي 2022 - 12:03

    La fin du conflit du Sahara sonnera la fin des généraux. La disparition des généraux annoncera le terme dudit conflit. Alors qu’est-ce qui précédera l’oeuf ou la poule

  • من مقررات مؤتمر
    الأربعاء 11 ماي 2022 - 12:36

    الصومام تقديم السياسي على العسكري و تقديم عمل وقيادة الداخل على عمل و قيادة الخارج. ولقد كان
    عبان رمضان هو أول شهيد مؤتمر الصومام، و الذي اغتاله بعض اعضاء جماعة وجدة منهم كريم بلقاسم و بوصوف . وقعت الجريمة سنة 1957 في مدينة تطوان شمال المغرب .

  • Amaghrabi
    الأربعاء 11 ماي 2022 - 20:49

    اعتقد سيدي رمضان ان الدولة المغربية بدل ان تستعمل المثل الرائج “جوع كلبك يتبعك “استعملت العكس”سمن كلبك يأكلك” وعن غير قصد وبنية صادقة وبالتالي فالعصابة العسكرية الجزائرية من بداية استقلالها اختارت المغرب ليكون كبش فداء والعدو الخارجي الاول الذي يهدد المصالح العليا للجزائر وليبقى الشعب الجزائري مهتما بالعدو المغربي ومشغولا به ومتابعة ما ينشره السياسيون العسكريون الجزائريون من اكاذيب ومن مغالطات لترسيخ في اطهان الجزائريين ان المغرب هو القضية الاساسية للشعب الجزائري وبالتالي فاموالهم النفطية الخيالية التي تضيع في التوافه ولا يستفيد منه الشعب ولا تستثمر في البنية التحتية الجزائرية بحيث اليوم وصلوا الى ما يسمى بطابرستان بحيث يفيقون قبا الفجر ويصطفون من اجل الزيت والحليب ووو والازمة الاجتماعية والسياسية تتفاقم في الجزائر حتى اصبحنا نرى اليوم الادولة في الجزائر وليس هناك من يحكم في الجزائر وليس هناك اي تفويض للمسؤولين الكبار والصغار ليقوما بمسؤولتهم اتجاه المواطن الجزائري الذي لا يعرف من يحكمه والى اي جهة يتجه ليطلب حقوقه

  • Central Maghreb
    السبت 14 ماي 2022 - 20:47

    ويبقى دجالوا المغرب الأقصى مستميتين في اختطاف والسطو على كل ما تم إنجازه في مغربنا الكبير عبر الأجيال والقرون ونسبة كل مناقبه إلى دويلتهم التي استحوا بعد الاستقلال من أن يحتفظوا باسمها الأصلي مملكة مراكش فحولوه إلى مملكة المغرب باللغة العربية فقط عل الإسم يضفي عليهم بعض المجد غير المستحق، بينما أبقوا إسمها باللاتينية على أصله مملكة المروك أو موروكو لأنهم لا يحترمون إلا عقول اسيادهم الأوروبيين. أقول يبقى هؤلاء الدجالون المتثيقفون مهووسين بتاريخ المغرب الأوسط في الجزائر بالعكوف على دراسته والكتابة عنه بغية تشويهه والنيل من رجالاته لسبب واحد أن أبطال المغرب الأوسط استماتوا في تحرير كل شبر من أراضيهم التي تبلغ مساحتها خمسة أضعاف مملكة مراكش، انتزعوها عنوة من فرنسا القوة العظمى بينما تظل أراضي مملكتهم ترزح تحت احتلال أسبانيا القوة الصغرى منذ أزيد من خمسة قرون.
    فلا نامت أعين الجبناء الحاقدين

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة