كتاب جديد يتتبع "إيديولوجيا الحكام" وتدبير "ثنائية الدين والسلطة" بالمغرب

كتاب جديد يتتبع "إيديولوجيا الحكام" وتدبير "ثنائية الدين والسلطة" بالمغرب
صورة: هسبريس
الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 02:30

تتبع لثنائية الدين والسلطة بالمغرب، منذ العهد الإسلامي الأول، يحضر في كتاب جديد للباحث عبد اللطيف هسوف.

بعنوان “المملكة المغربية.. ثنائية الدين والسلطة / مقاربة تاريخية-تحليلية”، يبحث هذا المؤلف الجديد في تاريخ الوضع السياسي المغربي بدءا من رصد الإيديولوجيات المتصلة بالدين والسلطة التي تبناها الحكام المغاربة عبر العصور، وصولا إلى واقع علاقة الدين بالسلطة في البلاد اليوم.

ويهتم الكتاب بـ”إيديولوجيا الحكام المغاربة” ودورها في تشكل الدولة، ويقف عند محطات من قبيل إنشاء المدارس في عهد المرينيين لإنتاج نخبة دينية تدعم الحكم وأدوار الزوايا عبر تاريخ البلاد، دينيا وسياسيا، ويعرج على “الميولات الاستقلالية للزوايا التي قضى عليها مولاي رشيد العلوي” ووضع المغرب قبل الاحتلال، ثم تسخير المحتل، الفرنسي خاصة، للدين لإحكام قبضته على المغرب، واستغلاله مشتغلين بالدين، مع فشله في استغلال فقهاء سلفيين.

كما يقف المؤلف عند الأدوار المعاصرة لمؤسسة إمارة المؤمنين، وما يرتبط بها من نظام للبيعة، و”حراسة الحقل الديني”، ثم امتداد هذا العمل إلى جنوب الصحراء الإفريقية، والتعاون مع فرنسا. ويعالج الكتاب وقائع يشهدها تدبير المشهد الديني المغربي مثل التعامل الأمني المتشدد مع الخارجين عن المذهب المالكي الرسمي، والعلاقة بـ”التدين الشعبي” و”الحركات الإسلامية”.

ويسجل كتاب هسوف أن المغرب قد دخل في جدلية الديني والسياسي “منذ بدء الدعوة إلى دين الإسلام، أي منذ الفتح الإسلامي الأول”؛ حيث “انتشر الإسلام بين سكان المغرب الكبير تدريجيا بانتشار الفتوحات الأولى، وكان الأمازيغ عماد مذهب الخوارج (الصفريين والإباضيين)، ثم عماد مذهب السنة (دولة الأدارسة)، وأخيرا عماد مذهب الشيعة العبيديين (الفاطميين) في شخص قبيلة كتامة التي كونت العمود الفقري لجيوشهم، قبل أن يستولي على الحكم المرابطون، وهم أمازيغ صنهاجيون، تبنوا المذهب المالكي”.

ويتابع الكاتب: “مثل الأمازيغ الأكثرية الساحقة في هذه الدول، وعصب حروبها، وربما يرجع تنقل الأمازيغ بين عدد من المذاهب في البدايات إلى حداثة عهدهم بالإسلام؛ لكن أيضا إلى تخوفهم من استيلاء العرب القادمين من الشرق على النفوذ والسلطان، فيصبحوا محكومين للغير كما كانوا في فترات من العهود التي سبقت الإسلام -تحت النفوذ الروماني بالأساس- فأرادوا أن يعتصموا بهذه المذاهب، لتكون الدولة بأيديهم”.

ويسطر الباحث على الدور المركزي للدين في تشكيل الدولة المغربية، قبل أن يزيد: “جزء أساسي من تكوين المغاربة يعتمد عليه، خصوصا فيما يرجع للمذهب المالكي الذي اتخِذ منذ العهد المرابطي كمذهب ديني-إيديولوجي. وعليه، فإن كل طالب للسلطة في المغرب كان يعي هذا المعطى ويعمل على استغلاله لاكتساب الشرعية السياسية”.

هذه الفكرة لم تكن غائبة في زمن الاحتلال الفرنسي الذي انتبه إلى أن “الدين والملكية جزءان لا يتجزآن من مقومات الشعب المغربي الثقافية والحضارية والسياسية والدينية”؛ ولذا “عمل منذ تعيين الجنرال ليوطي مقيما عاما في المغرب على خلخلة المشهد الديني لصالحه مستعينا مرة ببعض الشرفاء ومرة ببعض رجالات التصوف”.

وينبه الباحث إلى “تميز النظام السياسي بالمملكة بتداخل السياسي والديني”، حيث “يستند السياسي على الديني ويوظفه في شرعنة القرارات السياسية الصادرة عنه”؛ ومن هنا يفهم “عمل المخزن”، أو نظام الحكم الذي يرأسه الملك على “تشديد المراقبة على مختلف التحركات داخل الحقل الديني غير الرسمي للتحكم في الجماعات الإسلامية التي تسعى إلى الحصول على السلطة أو على الأقل الاعتراف بها كشريك في اللعبة السياسية”.

ويعود الكتاب إلى زمن الاستعمار ليسجل أنه “رغم استغلال المستعمر للدين لإحكام قبضته على المملكة الشريفة، فإن سلطات الحماية الفرنسية مهدت لظهور حكم عصري يعتمد على الدستور والمؤسسات النيابية”، وهو توجه “بدأ يترسخ بقوة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني”.

ويعرج المؤلف على ما عاشه المغرب من “صراعات مريرة بين تيارات الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية”، وضعت البلاد “بين خيارين سياسيين؛ خيار المؤسسة الملكية القائم على أساس ملكية تستمد مشروعيتها من التاريخ ومن مفهوم “إمارة المؤمنين”، وخيار الحركة الوطنية القائم على أساس ملكية تستمد مشروعيتها من الخيار الديمقراطي الذي يمنح نوع من السلطة للشعب”.

ويجزم الكاتب بأن “ما قامت به الملكية المغربية بخصوص عصرنة البلاد جاء نتيجة صراعات أيديولوجية لعبت فيه الحركة الوطنية أولا دورا مهما، ثم ضغط اليسار وحركات المجتمع المدني في فترة لاحقة لتحقيق مكاسب بارزة في مجال بناء المؤسسات، احترام حقوق الإنسان وتكريس مزيد من الحريات الفردية، وإن ظل مفهوم إمارة المؤمنين يخص الملك بمرتبة فوق الدستور وفوق القوانين”.

وأدى هذا إلى “خروج المغرب من ثنايا وضع متخلف أكسب الملكية قوة فوقية تتحكم في عصب السياسة الداخلية والخارجية”، ولو أن هذه القوة “جنبت المغرب مع ذلك هيمنة الحزب الوحيد في شخص حزب الاستقلال في البداية، ثم زيغ أهداف اليسار والعسكر والتدخلات الأجنبية بعد ذلك، وهوس الإسلاميين في فترة لاحقة”.

ويدعو الباحث إلى عدم استعمال “أدوات غربية لتقييم النظام في المغرب والحكم على الملكية أو الحكومة المغربية”؛ لأنه، وفق قراءته: “يقوم الملك بدور محوري في مجال التحكيم والمحافظة على الاستقرار الروحي والسياسي والاجتماعي، ما يجنب المملكة حدة التقاطبات الأيديولوجية أو التطاحنات السياسية. وبالرجوع إلى التاريخ السياسي المغربي، نكتشف أن الحوار والتعاون بين الفرق السياسية، يمينها ويسارها، إسلامييها وعلمانييها، يحصل كلما وضعت الفرق السياسية الإيديولوجيا جانبا، وفكرت بجد في المصلحة العليا للوطن والمواطنين، وسارت وراء الحاكم الفعلي للبلاد”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • صحافي نزيه من تازة
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 03:20

    هناك جدلية وخلاف قائم في العلاقة بين الدين والسلطة انطلاقاً من المفهوم العام الذي يقتضي من الحاكم ان لا يكون طاغيا بل متسامحا نصوحا..
    في السابق وبحسب الكتب الفقهية التراثية القديمة فقد كان الإسلام السياسي معاصرا يعتمد على النصيحة والأعمال الخيرية لإعطاء صورة رائعة عن الإسلام، وبذلك ينخرط فيه عدد من الغير مسلمين لغيرتهم لما جاء به هذا الدين الإسلامي الحنيف، لكن بعد ظهور الحركات السلفية الجهادية وغيرها من الحركات، انخرط معهم عدد من الأميون الذين يفتون في الدين فتكون الكارثة في حال وصول هؤلاء الأميين للسلطة سواءََ عبر جماعات أو أحزاب.
    لهذا فالإسلام المعاصر دين السلام و الإنسانية و هو رسالة رحمانية لا عقيدة طاغوتية كما يريدها البعض أن تكون.

  • الحسن لشهاب
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 09:26

    جاء في المقال:”هذه الفكرة لم تكن غائبة في زمن الاحتلال الفرنسي الذي انتبه إلى أن “الدين والملكية جزءان لا يتجزآن من مقومات الشعب المغربي الثقافية والحضارية والسياسية والدينية”؛ ولذا “عمل منذ تعيين الجنرال ليوطي مقيما عاما في المغرب على خلخلة المشهد الديني لصالحه مستعينا مرة ببعض الشرفاء ومرة ببعض رجالات التصوف” و لم يذكر الكاتب الرجعي الانتهازي العلاقة بين ثقافة الدين و الملكية بصناعة الرعاة و الغقليات الريعية، و الابتعاد عن صناعة المواطنين،اما الجنرال ليوطي فقد فعل عمق مقولة،اذا وجدت الرعية تأكل الحشيش ،فعلى الحاكم المزيد من زرع الحشيش، حتى و ان جاء من بلاد الانوار ،و بلاد حركة الاصلاح الديني،ترك ثقافة الانوار و اعتمد على ثقافة الترييع صناعة الرعاة،

  • omar
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 09:35

    كل الدول التي تشكلت في المغرب انطلقت بدعوة دينية لتغيير المنكر و الجهاد و كل الدول التي نشأت تكونت في البوادي بين قبائل منغلقة على نفسها. كل الدول التي قامت في المغرب دول شيعية باستثناء المرابطين و المرينيين و حينما يدخلون فاس و المدن القائمة يتحولون إلى سنة مالكيين لجلب تأييد علماء القرويين.بعد سقوط المرينيين و بداية الغزو الأجنبي ظهرت الزوايا الدينية في كل المناطق البدوية و التي تمارس التأطير السياسي للبدويين لصالح الدولة أو ضدها و مازالت هذه المراكز الدينية قائمة و تقام لها المواسم لكن سلطتها على البدويين لم تعد مهيمنة كما كانت في السابق. حتى المهمة الذينية ما زالت تتعلق بها الدولة لم تعد فعالة كما كانت في السابق بسبب تطور الوعي السياسي بين السكان بالمهام الجديدة للدولة غير الدين

  • الحسن العبد بن محمد الحياني
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 10:38

    يقول علماؤنا الأجلاء في مسألة الإرتباط بين الدين والدولة :
    ” إن إقامة الدولة الإسلامية من واجبات الدين،باعتبار أن فكرة الدولة الإسلامية تنطلق من مفهوم أن الإسلام دين إصلاح اجتماعي متكامل،فهو ليس نظاماً تعبدياً فقط،بل هو نظام شامل تربوي،سياسي،اقتصادي،وبالتالي فإن الحق الذي جاء به الإسلام لابد له من قوة تحميه؛ألا وهي الدولة؛وقد وردت العديد من الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع على وجوب إقامة الدولة،منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ]سورة النساء: 4/59؛ فإذا كانت طاعة الرعية لولي الأمر فيما يرضي الله واجبة فإن ذلك يقتضي حتماً إقامة ولي الأمر؛ لأنه –كما يقول الغزالي-: “إن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب”، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، …،وبالطبع العدل أساس الملك”.

  • الطنز البنفسجي
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 10:52

    مللي كنتكلمو على ضعف القراءة في المغرب… هااااعلاش..
    تسعين فالمئة ديال الاعمال كلها هكدا… دراسات تحاليل نقد وداااائما تقريبا كنلقاوها متكررة بطرق أخرى أو متباعدة فالمساحة الزمنية الخاصة بالموضوع..
    وحتى مللي كتكون شي رواية كيكون فيها يا زمن الاستعمار والمقاومة أو الحب فالكاريان والهجرة والادمان..أو تملق للسلطة.
    بااااااش بغيتو تربيو الذوق ديال الناس إذن.؟؟
    مللي كنقولو الحقيقة أن المغرب عمرو ماكان عندو الأدب بحال لبنان ومصر وفلسطين وسوريا والعراق والاردن… بل حتى الخليج اليوم احسن منا ادبيا.. مللي كنقولو هاد الحقيقة ماكيعجبكمش الحال.

  • Alibaba
    الثلاثاء 21 يونيو 2022 - 15:42

    كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها

    ونستون تشرشل

  • Mazigh
    الأربعاء 22 يونيو 2022 - 15:39

    كل التقدير والاحترام للدكتور المتعدد التخصصات عبداللطيف هسوف على هذا الكتاب المتميز. قرأنا لك في الرواية، سنقرأ لك في السياسة والتاريخ بنفس الشوق والاستمتاع.

  • احلام
    الأربعاء 22 يونيو 2022 - 16:48

    قرأنا عدة إصدارات للدكتور هسوف واستمتعت بها ومن خلال ما كتب عن هذا الكتاب الجديد عن ثنائية الدين والسلطة بالمغرب سوف أهتم بقراءته فمزيد من العطاء و التألق دكتور تحياتي

  • مريم
    الأربعاء 22 يونيو 2022 - 18:04

    بالتوفيق دكتورنا الغالي عبد اللطيف هسوف ونحو مزيد من التقدم والتألق…..

  • كريمة
    الخميس 23 يونيو 2022 - 11:30

    إن المزج بين السياسة والدين لا يمكن إلا أن يتم تحت إطار إمارة المؤمنين وهي مقاربة مغربية صرفة جنبت الوطن من انتكاسات عديدة فتحياتي لكم دكتور وبانتظار إصدارات جديدة

  • لطيفة المليجي
    الخميس 23 يونيو 2022 - 19:33

    إصدار غني متميز كسابقاته محتوى صحيح يؤكد واقعنا الحاضر . تحية عالية للدكتور عبد اللطيف هسوف صاحب الفكر العميق أطال الله في عمرك وأدام عليك الصحة لنتمتع أكثر ونستفيد من عطائك .

صوت وصورة
مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17 1

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 5

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 3

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة