كرم نعمة يحذر من "الوعد الزائف"

كرم نعمة يحذر من "الوعد الزائف"
صور: هسبريس
السبت 9 ماي 2026 - 03:22

في كتابه الجديد “الوعد الزائف.. لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق”، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع العام الجاري (2026)، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملا فكريا يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة كبرى للوعي الإنساني نفسه.

الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية؛ بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. في مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة الغارديان عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد “الوعد الزائف” الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال؛ لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكّل محور الكتاب كله، حيث تتحول التقنية إلى مرآة فلسفية تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

في عنوان “لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق”، يستخدم نعمة حكاية السمكة الذهبية من الأساطير الألمانية ليقدّم استعارة دقيقة عن الرغبة البشرية في تجاوز حدودها. كما في الأسطورة، حين طلبت زوجة الصياد أن تصبح إلها فانهار العالم، يرى الكاتب أن الإنسان المعاصر يكرر الخطأ نفسه حين يطلب من الآلة أن تمنحه كل شيء.

هنا تتحول الخرافة إلى أداة تحليل فلسفي: الرغبة التي تُشبع فورا تفقد معناها، والمقاومة التي كانت تمنح الحياة عمقها تختفي في عصر “الاستجابة الفورية”.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج؛ بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل المتاهة بالخوارزمية، والمغامرة بالنتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن “الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع”، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان “استحواذ على ملكيتنا الفكرية”، ينتقل الكاتب من الفلسفة إلى الواقع الثقافي، مستعرضا كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف.

يستشهد بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن “الوفرة الرقمية” قد تتحول إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ولا يكتفي مؤلف الكتاب بالتحذير؛ بل يطرح سؤالا أكثر عمقا: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟ هنا، يظهر أسلوب نعمة الصحافي المتمرس، إذ يوازن بين السرد الواقعي والتحليل الرمزي، في لغة تجمع بين الدقة والتأمل، وبين السخرية الهادئة والقلق الفلسفي.

أما في “بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي”، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم: “هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟” من منظور إنساني لا تقني. يستعرض آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي؛ لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعا عن “الوعي” لا عن “الذكاء”، وعن “الروح” لا عن “الوظيفة”. فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة؛ بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

أسلوب نعمة في هذا العمل يذكّر بكتابات الذين يحوّلون التقنية إلى سؤال وجودي؛ لكنه يحتفظ بنبرة عربية خاصة، حيث تمتزج الفكرة بالأسطورة، واللغة بالذاكرة. فهو يربط بين “ألف ليلة وليلة” والخوارزميات، بين شهريار وشات “جي بي تي”، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة؛ بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعدا أدبيا عميقا، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن “الوعد الزائف” يقدّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية؛ لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملا يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعدا بالخلاص، بل اختبارا جديدا للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالبا بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصا — لأن النقص، كما يقول نعمة ضمنا، هو الشرط الأول للمعنى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الصخراوي
    السبت 9 ماي 2026 - 07:44

    قال أحد الخبراء في خوارزميات الذكاء الاصطناعي(أحاول ترجمته إلى العربية) ليس مشكل اللذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في حياتهم أن يتجاوزهم هذا الذكاء بل أن يتجاوزهم اللذين يستخدمونه. جوهر المشكل يا سادة هو كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في صالح الإنسان.

صوت وصورة
زائرون يشيدون بتنظيم معرض الفرس
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 10:36

زائرون يشيدون بتنظيم معرض الفرس

صوت وصورة
دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 09:23 2

دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة

صوت وصورة
اختتام فعاليات معرض الفرس
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 23:48 1

اختتام فعاليات معرض الفرس

صوت وصورة
طريق الموت بالمناصرة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 21:41 5

طريق الموت بالمناصرة

صوت وصورة
مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:43 1

مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية

صوت وصورة
أزمة الركن تخنق الرباط
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:08 6

أزمة الركن تخنق الرباط