لغتنا بين الإصلاح ودعوات الإلغاء

لغتنا بين الإصلاح ودعوات الإلغاء
الثلاثاء 1 فبراير 2022 - 15:19

لم يفتر النقاش حول تجديد اللغة العربية منذ أن انتقلت من المشافهة والسليقة، إلى التدوين والتقعيد، “من اللاعلم إلى العلم، حيث يعد جمع اللغة وتقعيدها، أول عمل علمي منظم مارسه العقل العربي” (د.عابد الجابري). هذا الجمع الذي اقتصر على منطوق الأعراب، والقبائل العربية الموغلة في البعد عن المدينة، “الموثوق بعربيتهم” (سيبويه)، وتهميش الحواضر وهي على ما هي عليه من نهضة أدبية وفلسفية… مما جعلها “غنية غنى مفرطا في أدوات البدو ووسائل معيشتهم، فقيرة جدا في حاجات المدينة ووسائلها” (أحمد أمين).

استدامة اللغة رهين بتجديدها:

أمام هذا التخشب اللغوي، والجمود الذي أقفل باب الاجتهاد فيها، كما أقفل في الفقه، بذريعة أن “ليس لنا اليوم أن نخترع وأن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسا لم يقيسوه” (ابن الفارس)، جعل أمر إصلاح، وتصحيح تصورنا لقضية اللغة، أمرا مشروعا ومبررا، بل حتميا وضروريا، تفاديا لموتها والتخلي عنها. فاستمراريتها رهينة بتلبيتها لحاجات الأجيال المتعاقبة، الذين تسكنهم هواجس وآمال وأفكار، غير تلك التي سكنت الدولة العباسية وبطانتها الراعية لتدوين اللغة العربية، وهي الفكرة التي إن “استبدت بها اليوم، أعاقت تطورها” (عفيف الأخضر).

إن الإصلاح الذي يُراد للغة، بعدما أصبحت غير مطواعة للتعبير عن مستجدات العالم المعاصر، رغم أنها “على درجة عالية من الرقي من حيث آلياتها الداخلية” (د.الجابري)، وإيمان حافظ إبراهيم بقدرتها على توفير ألفاظ لمخترعات العصر، بعدما وسعت كتاب الله علما وغاية. اتخذ هذا الإصلاح طابع الصراع بين الجديد والقديم، كما هو الشأن في كل المجالات. فيصعب إن لم يستحيل تغيير المألوف والمعتاد من الممارسات، وخاصة عندما يتعلق الأمر باللغة، حيث يعتبر البعض الإصلاح مرادفا للهدم والإلغاء، وهو ما يعني نسخ الذاكرة العربية، ونسف أسس منطقية وعلمية اعتمدها العقل العربي طيلة ردح من الزمن، ناهيك عن تهديد ترسانة قيمية وحصيلة ثقافية، تعد اللغة أفضل وعاء لها.

اللغة بين الوظيفة المعرفية والتصورات المتعالية:

فالثابت أن اللغة حافظة الفكر، ومتن الأدب وما يتضمنه من قيم إنسانية وحضارية، وليست أداة تواصل فقط. فالإصلاح بمعناه الخلاق وهدفه البناء، ينبغي “أن يكون تصرف العقلاء لا السفهاء، فنربط جديدنا بقديمنا” (أحمد أمين). هذا الربط الذي يحفظ لنا كما يحفظ لكل الأمم، تراثها الفكري والفلسفي والأدبي، وعدم إدارة الظهر لذلك المعمار العلمي الذي شيده الأسلاف، وإن كان ليس سمينا كله، لكن حتما ليس غثا كله. وهو ما أكده الكثير من الدارسين، الذين اعتبروا “أن كل لغة تحتوي على تصور خاص بها للعالم” (إدوارد سابير). وهي الفكرة التي يتفق معها بعض مفكري الإسلام، كابن حزم الأندلسي الظاهري، الذي يرى أن اللغة هي ضابطة للكلام والتواصل، أما الفكر فضابطه المنطق، فالثابت أن “كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم” (هردر).

هذه المكانة للغة في تشكيل الفكر والوجدان، دفع العرب كما يذكر د. عابد الجابري، إلى الاعتقاد أن كل من هو غير عربي، فهو عجم، والعجماوات هي والحيوانات سيان. واضح إذن أن العربية في نظر أهلها، تتسامى عن كل اللغات، وبالتالي هي مقدسة عن أن تطالها يد الإصلاح أو التطوير، فهي مكتملة غير ناقصة منذ أن وجدت. نلمس مثل هذا التقديس للغة، عند معاصري سيبويه الذي لم يتسن له وضع عنوان لمؤلفه اللغوي المتميز، فأطلقوا عليه “الكتاب”. وذلك “للتعبير عن عظمة عمل سيبويه، وهو يشير إما إلى القرآن الكريم، وإما كتاب سيبويه الذي يوصف بقرآن النحو” (أبي الطيب اللغوي). فهل معنى هذا الكلام أن تُحفظ اللغة وقواعدها من المس، أو أن تطالها عوامل التطوير والتجديد؟ وقد بوئت مكانة بين ربات المعرفة كالحقيقة والجمال والخير كما يذهب إلى ذلك آدم شاف. والحال أن اللغة كائن حي، تخضع لما تخضع الكائنات الحية، من ولادة ونماء وفناء.

اللغة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية:

يتفق الكثير من المثقفين على أن اللغة لا تسعف حين يتعلق الأمر بالتعبير عن مستجدات العصر، فالعربي “لا تسعفه (لغته) بالكلمات الضرورية عندما يريد التعبير عن أشياء العالم المعاصر” (د. الجابري). ومثل هذه الآراء نجدها تصدر عن كثير من المفكرين والمثقفين، فيضطرون إلى استعمال العامية أو ألفاظ أعجمية، ويزداد الأمر استفحالا حين يكون التعبير شفهيا. الشيء الذي يصيب العربية “بالانفصام” على حد تعبير عفيف الأخضر. وتجاوزا لهذا الانفصام المرضي، دعا رواد النهضة العربية، كرفاعة الطهطاوي مباشرة بعد عودته من بعثته إلى فرنسا، “إلى التعريب والبحث عن مفاهيم ومصطلحات” للتعبير عن ما يزخر به الغرب من تقدم وازدهار طال كل المجالات. فإذا انتصر البعض لثبات اللغة، فإن إيقاع الحياة غير ثابت.

على هذا المنوال ستعرف حركة التعريب اجتهادا متسارعا، شملت كل مجالات الحياة: الاجتماعية، العلمية، الاقتصادية والثقافية وغيرها. ظهر هذا في توسع التأليف المعجمي وتأسيس المجامع اللغوية على طول أرجاء الوطن العربي. استجابة للخصاص اللفظي المتحدث عنه آنفا، ومجابهة للتحديات التي تواجهها اللغة، سواء على المستوى الداخلي، المتمثل في “الأزمة الحضارية والدعوة إلى استبدال لغة الفصاحة بالعامية” (د. نسرين قصي نعمان). وهي دعوة متعاظمة، ولها أنصار كثر، نلمس قوتهم في غزو العامية لوسائل الإعلام والدعاية والإشهار، ليس فقط للمنتجات الاستهلاكية، بل داخل المؤسسات العمومية، والحملات التحسيسية التي تتبناها جهات رسمية. ناهيك عن الحملة المشهودة لمحاولة البعض إلى جعل العامية لغة التدريس، وذلك دقا للمسمار الأخير في نعش العربية، بعدما عمل التدريس باللغة الأجنبية للمواد العلمية نقطة قاتلة، كما يقرر ذلك الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية بلبنان.

أما التحدي الثاني، فيتمثل في التطور التكنولوجي، المعتمد على الإنجليزية وندرة استخدام العربية في التطبيقات، وهي نتيجة طبيعية للأول، فإذا خرجت اللغة من دائرة التداول التقليدي شفهيا وكتابيا، فهل يمكن لها رقميا؟ فرغم العدد الكبير من المستعملين العرب للأنترنت، فإن حضور العربية في فضائه ضعيف جدا.

مسؤولية المؤسسات التربوية في سقوط ونهوض اللغة:

تتحمل المدرسة مسؤولية تنمية اللغة وتجديدها، باعتبارها الفضاء الأقدر والأنسب على تعليم قواعدها وأساليب توظيفها تصريحا وضمنا، من خلال الحصص التعليمية التعلمية، أو من خلال ما تقوم به من أبحاث تربوية وعلمية باللغة العربية، أو تتخذها موضوعا لها. فإليها يرجع الفضل في الإثراء اللفظي والأسلوبي، بما تنتجه المعاهد المختلفة من معاجم وبحوث، بالإضافة إلى كونها الحضن الذي يحتك فيه الطفل واليافع بالنسق اللغوي، والتمرس على توظيفه. وهو الآتي من فضاء عامي اللسان والفكر إلا في ما ندر، مما يفرض على المؤسسة التربوية أن تقوم بمجهود مضاعف، تنقية اللسان الدارج، وإكسابه لسانا فصيحا، يتناسب وقيمة المعرفة العالمة التي هو بصدد التعامل معها، ومن أجلها يتحمل الجميع كلفة التعليم، وأعباء التمدرس.

نستطيع أن نقول: إن المؤسسات التربوية بمختلف مستوياتها، تعمل على توسيع آفاق العربية، وتعد نسبة تداولها والتعبير بها، مؤشرا من مؤشرات جودة ما تقدمه من خدمات تعليمية. فاللغة المهترئة التي تمتح من الشارع والشائع بين الناس بالعادة والألفة، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى كسل الفكر، نتيجة الكسل في التعبير والهروب نحو السهل واليسير وما هو في المتناول من الألفاظ، والمتداول من التعابير اليومية، التي تجري على لسان المتعلمين وغير المتعلمين.

وفي مسعى البعض إلى تسهيل وتيسير التعلمات على الناشئة، يدعو البعض إلى تبنيها لغة للتدريس، بعدما تم تبنيها لغة للإعلام والإشهار والعديد من الإنتاجات الثقافية، بعدما كان محصورا تداولها في الشارع والأسواق. فمن شأن مثل هذه الدعوة، هي ومثيلتها التي تتلهف إلى التدريس باللغات الأجنبية، أن تصيب اللغة في مقتل كما يرى الكثير من الخبراء. كما أنها دعوات تتعارض مع السياسة التربوية للبلاد، التي تحرص على تحسين التدريس بالعربية، وإحلالها المكانة التي هي لها في وجداننا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • سليل غرف تعارف
    الثلاثاء 1 فبراير 2022 - 20:51

    عدوية يغني وهياتم ترقص

    ولدي الحق كله كما يقولون، فلماذا يضيع ثلث العمر بلا فائدة؟ ألا يكفي ما يذهب في طفولة يملؤها الضعف والعجز، وأيضًا ما يضيع في المرض والاستحمام والتبول والتبرز والمناسبات الاجتماعية وممارسة عمل لم اختره؟

    سامح سليمان

  • Thara Youssef
    الخميس 3 فبراير 2022 - 09:21

    شكرا ياأخي على هذا المقال

    (A man who is ignorant of foreign languages is also ignorant of his own language)
    (الرجل الذي يجهل اللغات الأجنبية يجهل أيضًا لغته)
    Johann Wolfgang von Goethe

    إني أتفهم جيدا غيرتك على هذه اللغة الجميلة التى هي اللغة العربية ولكن لا تنسى عقلية وأحلام الإنسان المغربي والموقع الجغرافي لبلده،كل نفس مغربية تأتي إلى هذا العالم مسكونة بِ “إبن بطوطة” صغير يهيئها لُغَوِيّا للسفر والتعرف على الأجناس الأخرى. وكل هذا الرصيد اللغوي يأتي على حساب اللغاة الأم ،فالمغربي مٌجْبر على الإحتكاك بالثقافات واللغاة الأخرى لكي يعيش،ماعلينا إلى أن نرى كيف تصبح شوارع المدن المغربية “مختبر اللغات ” كل فصل الصيف عندما تزور الجالية بلدها.لا يجب أن نعتبر هذا التعدد سلبي بل إنه “لقاح فعال” لمواجهة العولمة. القانون السائد في عصرنا هو إما أن يتطور كل مجتمع مع كل مايعني ذالك من تضحيات وإما أن يموت.

    OSLO
    Norvege

  • brahil
    الجمعة 4 فبراير 2022 - 11:28

    La littérature, à travers une langue, est un lieu et un espace où se bousculent et se recueillent des projets, des déceptions, des espoirs, des secrets, des attentes, des chagrins et des joies, des audaces et des timidités, des avoués et des inavoués…etc. Donc les désirs qui constituent et construisent la vie. La langue ne peut nullement être plaquée sur une formation sociale ; au contraire, c’est la formation sociale qui, dans son fonctionnement est à travers ses rapport sociaux, produit sa langue. La marche de la langue, sa progression, son épanouissement sont liés à la marche de l’économie de la société. Le Marocain, finalement, pour manger un morceau de pain, dans son activité quotidienne, a besoin de parler quelle langue ? La langue « puisée dans la rue et le souk » comme vous dites, avec mépris, est largement suffisante. Je signale, sans provocation, que l’école est à l’intérieur de la société.

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا