لغتيري يُبدد "أوهاما تركية".. هوية مشتتة وفجوة بين "الحلم والحقيقة"

لغتيري يُبدد "أوهاما تركية".. هوية مشتتة وفجوة بين "الحلم والحقيقة"
السبت 10 ماي 2025 - 04:00

رصد الكاتب مصطفى لغتيري، في مقال له، تحوّل نظرته إلى تركيا من “صورة ذهنية مشبعة بالتناقضات إلى واقع ملموس يكشف الفجوة بين الحلم والحقيقة”، متأملا في العلاقة المعقدة بين الأتراك والعرب، قبل أن يكشف عن هوية تركية متأرجحة بين الانتماء الإسلامي والطموح الغربي، حيث تسقط الأوهام أمام تفاصيل الحياة اليومية وسلوك الإنسان التركي.

نص المقال:

دوما تشكلت تركيا في مخيلتي كفكرة هلامية صعبة على التحديد تتجاذبها مشاعر متناقضة، وتغذيها تناقضات التاريخ، الذي يقدم لنا هذا البلد بشكل مرتبك، خاصة في علاقته بالعرب والمسلمين عموما. فتركيا جزء من كيان إسلامي كبير يترعرع في عقول الكثيرين كاحتمال ممكن، فيما يتشكل في أذهان الباقين كبلد غاز، حاول طمس البعد الهوياتي للبلدان التي هيمن عليها.

أما في عصرنا الحديث فهذا البلد يقدم نفسه، على الأقل إعلاميا، بشكلين مختلفين متناقضين، أولا باعتباره دولة أوربية الشكل شرقية الروح، استطاعت الحفاظ على توازن ما لتخلق تنمية اقتصادية واجتماعية، تجعل منها نموذجا يحتذى من طرف البعض، كما أنها تشكل في الآن نفسه تركيبة سياسية غريبة، تجمع ما بين الطابع العلماني الذي رسخه مصطفى كمال أتاتورك، الذي أطاح بدولة الخلافة، وبنى في المقابل دولة حديثة، تسعى إلى الالتحاق بالركب الحضاري الأوربي المتقدم، وبين النموذج الحالي الذي يتزعمه طيب رجب أردوغان، الذي يقدم نفسه على أنه ذو طابع إسلاموي بمعنى تمثيله للإسلام السياسي، الذي يحاول إثبات نفسه وتصوراته للسياسية انطلاقا من طروحات دينية معينة، دون المساس بعلمانية الدولة.

هذه الأفكار المتناقضة لا يمكن إلا أن تحفز المرء على زيارة هذا البلد، حتى يكون فكرة واضحة حول هذه “التركيا”، فـ”ليس من رأى كمن سمع” كما يقال.

الوصول إلى تركيا يبدد الأوهام بسرعة، وشيئا فشيئا يكتشف المرء الفرق الكبير بين الوهم والحقيقة، بين الحلم والواقع، وبالتأكيد فالرفقة الطيبة والجميلة والواعية تزيد من ترسيخ هذه الأفكار، لأنها تساعدك على المقارنة والتحليل والاستنتاج.

أقصد مقارنة البعد الإنساني لما يمكن أن يتخيله المرء وهو بعيد بآلالف الكيلومترات وبين ما هو واقعي وملموس، حتى إنه قد يتملكه الوهم من أنه ينتمي مع هذا البلد إلى كتلة واحدة، فإذا المعايشة تكشف الحجب؛ فهذا البلد الجميل بعمرانه الحديث وبطبيعته الخلابة وبنيته التحتية القوية يخبرك هو بنفسه بأنه لولا صوت الأذان ومناظر المساجد المتناثرة هنا وهناك بشكلها الجميل، الذي يحفزك على التقاط الصور أكثر من أي شيء آخر، لما عرفت أنك في بلد إسلامي، كما لا يتردد أهله في إخبارك، دون أن يكلفوا نفسهم التفوه بعبارة واحدة، من خلال نمط عيشهم وسلوكاتهم وتعاملهم معك كضيف عربي أو إفريقي أو مسلم، وكأنهم يقولون للضيوف: أيها الزوار الغرباء لا شيء يجمعنا بكم سوى مسجد الفاتح أو آية صوفيا أو ميدان تقسيم، فاذهبوا إلى هناك واستمتعوا بالمكان، والتقطوا الصور، ولا تحدثونا أو تقتربوا منا، وإياكم أن تفكروا في أننا نشبهكم، ثم عودوا لبلدانكم بأسرع ما يمكن.

هذا الانطباع ترسخ لدي شيئا فشيئا حتى أصبح قاعدة قوية تأكدت منها من خلال انطباعات جل المشاركين في هذه الرحلة الاستكشافية الجميلة، فقد شعروا جميعا، وهم أساتذة تخصصات مختلفة، ومن أجيال متباينة، بأن وهم الانتماء إلى الهوية والثقافة نفسهما صعب ملامسته هنا.

الإنسان هنا نموذجه هناك في ألمانيا وبريطانيا وأمريكا، وحلمه الوحدوي كذلك هناك، وفي نظرته تشعر بأنه لم يتخلص بعد من تلك النظرة المتعالية تجاه العربي، الذي كان تابعا لدولته العثمانية سابقا.

وفي الحقيقة، ومن جهة أخرى هذه المرة تتمتع بكثير من الإشراق، فلولا وجود هذا العربي الممثل تحديدا في الشعب السوري لكانت هذه الرحلة فاقدة للمعنى تماما، فما سجلته من انطباعات حول الإنسان التركي هو تحديدا ما اتفق معي فيه جل أولئك السوريين الذين يمكن للمرء أن يزور تركيا من أجلهم وهو متأكد أن له إخوانا هنا، في انتظار أن يتعافى بلدهم الجريح، ويعودوا إليه، فلا أكرم للمرء من بلده.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • ZAKARIA
    السبت 10 ماي 2025 - 06:39

    إن تكوين نظرة دقيقة عن الشعب التركي لاتكون عبر الزيارات السياحية فلو أن سائحا أجنبيا تجول في بعض الأحياء الراقية في الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش مثلا فإنه سيكون نظرة بعيدة عن حقيقة الشعب المغربي كيف لا ونحن أبناء الوطن نشعر بغربة فكرية وثقافية في تلك المواقع ونرى أصنافا من البشر بلا لغة ولا هوية ولا انتماء لذا فالحكم على الشعوب يتم عبر العيش بينهم وسبر أغوارهم بالدراسة والتحليل

  • مراقب
    السبت 10 ماي 2025 - 06:55

    مقال جميل ومفصل وواقعي وحط النقط على الحروف
    نعم انها الحقيقة التي يجهلها الكثير حين يتباهون بتركيا وبافلامها .
    أنا مقيم بالمانيا واعرف الأتراك جيدا فهم متحدين بينهم ومنتظمين ومساجدهم نقية ومنضمة كمساجد البوسنة عكس المسلمين العرب مع الاسف ولهم غيرة راديكالية زائدة على بلدهم ولكنهم منقسمين بين التيار الاردوغالي والعلماني
    ولكن مايجمعهم هو الاستعلاء على العرب والمسلمين
    ممكن ان تجد فئة قليلة من المسلمين لها اتجاه اخر ومنفتحة ولكن يصعب التفريق بينهم

  • مواطن
    السبت 10 ماي 2025 - 08:13

    فلا أكرم المرء من بلده . جملة اختصرت الكثير من الأفكار والكلمات والأحاسيس . لا زالوا يحلمون ببسط نفوذهم على بلاد المسلمين والعرب هم و حكام بلاد فارس ، فلا غرابة مما يحصل اليوم من تمزيق لصفوف المسلمين والعرب منذ عقود غير قليلة بسبب ما تحيكه دولتا الفرس والترك في الشرق الأوسط وكافة بلاد المسلمين من مؤامرات ودسائس جلية وواضحة لكل ذي بصيرة وعقل راجح .

  • سائح
    السبت 10 ماي 2025 - 08:21

    مقال في الصميم، فهذا ما لمسته في زيارتي لهذا البلد المشتت الهوية والملامح الجسدية فظاضة في التعامل من المطار إلى الفندق بنيان أوروبي ومساجد لا تصلح إلا للزيارة وإلتقاط الصور لكن في المقابل بنية تحتية قوية

  • mre
    السبت 10 ماي 2025 - 08:29

    درست و اشتغلت في عدة دول عبر العالم و لم أجد أحسن من دول شمال إفريقيا و سوريا و الأردن و لبنان و العراق في حسن معاملة المقيم.
    الأتراك (عدا الأكراد) أعرفهم بأوروبا، قوم منافقون نصابون يتظاهرون بحب العرب لكنهم يكرهونهم و يعيشون على أمجاد الدولة العثمانية، مكروهون من طرف الألمان لأنهم يعرفونهم.

  • سعيد
    السبت 10 ماي 2025 - 09:57

    كذلك ومثال عندما يأتي سائح أجنبي للمغرب ويتجول في الأحياء الراقية بمختلف المدن المغربية مثل طنجة والرباط والدارالبيضاء ومراكش وأكادير أو حتى الصويرة وسيرى المغاربة يعاملونه بتملق وتزلف ودروشة ومودة ورحمة وكرم منقطع النظير سيكون نظرة بعيدة كل البعد عن المغرب والمغاربة كما وقع للسياح البريطانيين في طنجة الذين ذهبوا للأكل في أحد مطاعم المدينة وصدموا بإعفائهم من دفع الحساب وكما وقع لسائح كوري في الدارالبيضاء ذهب عند حلواني لشراء حلوى فأعطاها له بالبائع بالمجان وكما وقع لسائح فرنسي وزوجته وقع عطل لسيارته فأخذه شخص لإصلاح سيارته في كراج على حسابه وضايفه في بيته طيلة مدة إصلاح السيارة واكل شارب نائم واشترى له ولزوجته الملابس والهدايا حتى أن السياح يتهيأ لهم أن المغرب جنة والمغاربة ملائكة لأن الصورة التي يحاولون تسويقها عن أنفسهم لاتوجد في أي مكان بالعالم مما يجعلها صورة مثالية بينما إبن البلد لايتوارع المغاربة عن إظهار له وجههم الحقيقي بدون نفاق ولاتزييف يتم معاملته بعنصرية ونعته بالبراني إذا كان قادما من منطقة أخرى وتتم إساءة معاملته والنصب عليه وحتى شربة ماء إذا طلبها من أحدهم لايعطونها له

  • مغربي
    السبت 10 ماي 2025 - 10:27

    كلام في الصميم
    و التناقض الغريب أن ابتعاد الشعب التركي عن النمط الشرقي والاسلامي ازداد بشكل كبير مند صعود الإسلاميين. وقد لاحظت دلك خلالها زياراتي اهداف البلد
    الغالبية لا تصوم رمضان الاكل في المقاهي بالعالي في يوم رمضان
    اما العنصرية اتجاه العرب والمسلمين فحدث ولاحرج

  • Prof biologiste
    السبت 10 ماي 2025 - 11:14

    نحن نترفع كمغاربة عن نظرة الأتراك المتعالية اتجاه العرب فهذا لا يعنينا و هم يعرفون هذا.فالتاريخ يذكر أننا الوحيدين الذين هزموهم شر هزيمة بمعركة وادي اللبن و لم يتمكنوا من وضع أقدامهم بأرض المغرب.

  • Abd1
    السبت 10 ماي 2025 - 12:36

    اول شيء هو ان يعرف المرء من يكون ثم يبدأ في محاولة معرفة الشعوب الأخرى فالمشكلة ليست في الشعب التركي فهو يعرف نفسه ولا يدعي كونه غير ما هو عليه بل المشكلة هو في هذا الزائر الذي يظن انه ينتمي الى قومية لا علاقة له بها ما عدا انه يتقن التحدث بلغتهم فلو كان الامر هكذا لكان نصف سكان القارة الأفريقية فرنسيين والنصف الاخر بريطانيين لاكن الهوية ابدا لا تحدد باللغة ولا بالدين وهذا الامر استوعبه الاتراك

  • محب للجميع
    السبت 10 ماي 2025 - 12:40

    كل ما ذكر في التعاليق عن شخصية الأتراك تقريبا كلها صحيحة، لكن لا ننسى أن أكثر من 90 % من الأتراك مسلمون، لذلك تجمعنا معهم كلمة الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونحن أصحاب أخلاق رفيعة، وتاريخ وعلم وحضارة إسلامية إنسانية ولا فخر في ذلك، علينا أن نكون القدوة في كل ذلك

  • hor
    السبت 10 ماي 2025 - 13:30

    من حق الاتراك الدفاع عن ثقافتهم و التعامل مع الكيانات حسب المصالح كما يدافع العرب مثلا في الخليج عن قبائلهم وانسابهم و ثقافتهم وكما يتعاملون مع امريكا و الغرب وغيرهم و ايضا نفس الشيء ينطبق على الفرس
    الاوروبيون سئموا ايضا من لعب الايادي المفتوحة لكل من هب و دب
    ومن لم يعجبه ثقافة او فكر شعب ما فما عليه الا اي يقعد في بلده او قبيلته

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''