لماذا الحاجة إلى عولمة بديلة؟

لماذا الحاجة إلى عولمة بديلة؟
الإثنين 6 ماي 2024 - 20:06

أصبح من المؤكد، بقوة الواقع الملموس، أنّ العالم في حاجة إلى عولمة أخرى أكثر عدلا وإنسانية. ويبقى السؤال الذي يفرض طرحه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو: لماذا عولمة بديلة؟. ذلك ما سنحاول ملامسته في هذه الورقة، دون ادعاء بامتلاك حقيقة الفهم والمعرفة.

إن قراءة متمعّنة في واقع حال الإنسان في كل أرجاء المعمور منذ سقوط جدار برلين في 1989 ومعه انهيار النموذج السوفياتي إلى الآن، توضّح بجلاء توفّر مجموعة من الحقائق والحجج التي تؤكد نهاية ” صلاحية ” النموذج الراهن للعولمة، وسنركّز على أهمها في تقديرنا.

الحقيقة الأولى، وهي لا تحتاج إلى برهان لأنها ترى اليوم بالعين الإنسانية، بعيدا عن كل خلفية سياسية أو دينية أو عصبية، وعنوانها الساطع: الإبادة الجماعية لسكان قطاع غزة، والتهجير القصري للفارين من الموت، وتدمير البنيات التحتية والطبيعية لجزء من أرض فلسطين، وتدمير المستشفيات (…). ويتم ذلك من خلال تجاوز سافر وضرب واضح لكل القواعد القانونية والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان. إنّه الوجه الوحشي للعولمة الجارفة التي تهبّ رياحها منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي.

ولا شك أن الحقيقة غير المعلنة هي أنّ الهدف من طول زمن الحرب على غزة هو إنجاز المخطط المعدّ له منذ زمان غير هيّن وهو: إعادة خريطة فلسطين ومعها خريطة الشرق الأوسط الكبير، بمقاييس القوى الرأسمالية العظمى برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها التاريخية بريطانيا وباقي الأتباع من الدول الغربية.

الحقيقة الثانية وهي بادية للعيان، حيث إن التاريخ فنّذ، ومازال يفنّذ، دعوات التبشير التي ردّدتها أبواق صناع العولمة حتى في الجامعات، وحاولت شخصيات لها مكانتها في المنظمات المالية العالمية للتجارة والاقتصاد إبرازها ومنها على سبيل المثال ” روناتو روجييرو” الذي كان يشغل منصب المدير العام السابق للمنظمة العالمية للتجارة والذي سنركز على بعض تصريحاته في هذه الورقة.

قال السيد ” روجييرو” في تصريحه أمام قمة لرؤساء دول ” ميركوزور ” لأمريكا اللاتينية، التي انعقدت بمدينة ” أسونسيون ” عاصمة البارغواي في يوليوز 1997 : ” إنّ العولمة لا تعني فقط تحرير التجارة وتنقّل الرساميل والاتصالات والتكنولوجية، وإنما تعني التقارب المتزايد في المصالح والأهداف والتطلعات والآمال، وكذا في تماثل التصور والإدراك والرؤية نحو العالم. إن العولمة لا تعني الاندماج الذي يقتصر على تعميق الروابط التجارية فحسب، بل إنها تعني اندماجا يقضي إلى شبه تماثل في الهياكل التحتية، وإلى شراكة في شبكات الإنتاج والاستهلاك، وإلى نسج روابط متينة في علاقات التعاون عبر الحدود “.

وفي غمرة من التفاؤل ذكر السيد ” روجييرو “: ” أن تصنيع دول الشمال قد تطلّب قرنين من الزمن، بينما لن يتطلب وصول ملايير البشر ( في الجنوب) إلى نفس النتيجة أكثر من جيل واحد ” حسب زعمه.

وقد ارتأى أيضا ” أن الموارد الضرورية لتأمين التماسك والالتحام على المستوى الاجتماعي، ولحل مشكلات التوزيع إنما ستتدفق – حسب رأيه – بإعمال سياسة الاعتماد المتبادل في إطار التعاون المتعدد الأطراف باعتباره البديل لحل تقوم فيه العلاقات على القوة لا على الحق، وعلى الوطنية الضيقة لا على القانون “.

ومنه يتبيّن حسب عباس برادة السني – المتخصص في الدراسات الدولية للبلدان النامية والذي شغل عدة مناصب ديبلوماسية وكان سفيرا للمغرب بدولة قطر. وكان عضوا نشيطا في عدة تنظيمات منها ” اتحاد كتاب المغرب ” و” جمعية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ” و” الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني “…- (يتبيّن) أن مفهوم العولمة الذي سعى ” روجييرو ” لإقناع دول الجنوب بفوائده، إنما يعدّ في رأيه النظام الاستراتيجي الوحيد الذي لا محيد عنه لتحقيق الاستقرار والرفاه في العالم.

والحقيقة في منظور الخبير الدولي عباس برادة السني، بعيدا عن كل محاباة أو تمييز كما يقول، أن تصريحات السيد ” روجييرو ” ماهي إلا ادعاءات تفتقر للمصداقية، ويكذّبها الواقع المعيش في معظم بلدان العالم لا سيما منها البلدان النامية. والدليل على ذلك حسب هذا الخبير الدولي ما يراه ويعتقده فريق من معارضي العولمة، ومضمونه أنّ العولمة لا تسهم في تعميق الفوارق على المستويين العالمي والجهوي فحسب، بل على المستوى الوطني أيضا، حيث تتعايش فئات الفقر والغنى والشمال والجنوب والعالمان الأول والثالث في المدينة نفسها، وأحيانا في الحي نفسه.

أمّا الحقيقة الثالثة، فمفادها تأكيد ما تقدم من انتقادات الخبير برادة السني لتصريحات ” روجييرو”. وتأكيد ما جاء في انتقادات الفقيه السياسي والقانوني الدولي عبد الهادي بوطالب (رحمه الله) لنظام العولمة الراهن ومنها:

أن البحث العلمي الذي أجري على أداء العولمة بدءا من العقد الأخير من القرن الماضي والسنتين الأوليتين من القرن الحالي، كشف أن الغنى الفاحش يزداد تفاحشا، وأن العالم الفقير الجائع العاري المعرض لزمهرير الشتاء وقيظ الصيف يزداد بؤسا وفقرا. كما أظهر هذا الكشف العلمي حسب بوطالب استفادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من حسنات العولمة، وجاءت بعدهما آسيا. أما قارة افريقيا السوداء فقد أصبحت قارة الفقر والبؤس والأوبئة بلا منافس.

ويقول مناهضو العولمة إنها كلها حسنة لفائدة مليار(واحد) فقط من سكان الأرض الذين يستهلكون نسبة 80 بالمائة من المواد العالمية، بينما تستهلك أربعة ملايير من العالم نسبة 20 بالمائة الباقية أو الفاضلة عن حاجيات كبار أقلية المجتمعات الاستهلاكية.

والحقيقة الرابعة في تقديري، ما نراه حاليا ويراه معنا سكان العالم ومضمونها أنه، باستثناء الأرض الأوكرانية التي تضار فوقها حربها مع روسيا، فإن جزءا كبيرا من الوطن العربي وافريقيا هو مسرح للتطاحن بين القوى السياسية المتصارعة من أجل السلطة والثروة. وينضاف إلى ذلك، الحروب الإعلامية التي تشنّها بعض الأنظمة العربية على إخوانها في اللغة والدين والتاريخ في حين أن الحوار والتفاوض الديبلوماسي هما السبيلان الوحيدان لحل كل أزمة بين الأشقاء.

إنّ ما تقدم يؤكد حقيقة واحدة اليوم ومضمونها، أن الدول العربية والافريقية وباقي دول الجنوب مطالبة بتجاوز خلافاتها وتحريك الآلية الديبلوماسية لفتح حوار بنّاء مع القوى العظمى موضوعه البحث في السبل التي تمكّن من نسج عولمة بديلة يتم بناؤها على أسس شراكات اقتصادية وتجارية حقيقية انطلاقا من قاعدة ” رابح/ رابح “، واحترام تام لأديان وثقافات ومعتقدات الشعوب في العالم، وترسيخ لقيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في الوطن الواحد وفي العالم بعيدا عن تضليل الشعوب من خلال الشعارات المزيفة. وقد أتبث الواقع أن الصراعات الطائفية والدينية والعصبية وقتل الأبرياء (…) كلها وغيرها أمور تأججت بسبب عمل صناع العولمة على تنميط الحياة في العالم، وتفحّش ثقافة الاستهلاك لكل شيء مادي، وانتشار قيم الخلاعة والوحشية (…) باسم الحريات الفردية. وما نراه لحد الآن من حرب وحشية على سكان قطاع غزة ما هو إلاّ مظهر من مظاهر موت إنسانية الإنسان في زمن العولمة المتوحشة.

إني أزعم أنّ بناء عولمة جديدة على الأسس والقيم الإنسانية النبيلة ومعها تعدد الأقطاب سيقوي صرح العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، خاصة أنّ صين اليوم ليست هي صين الأمس، فهي شريك حقيقي في نظام العولمة. وما تخفيه القوى الغربية العظمى وخاصة منها أمريكا هو الخوف من أن تنفرد الصين بزعامة العالم.

وختاما، إن العالم يتغير من حولنا بسرعة رهيبة. وسيحتد الصراع أكثر بين القوى العظمى حول الماء، والثروات الطبيعية الموجودة بالشرق الأوسط وافريقيا. ومن تم فالسؤال الذي يفرض طرحه علينا نحن العرب والأفارقة وباقي دول الجنوب: هل نحن مستعدون لخوض معركة التفاوض الديبلوماسي من خلال تكتلات عربية/ عربية، وافريقية/ عربية (…) تكتلات جنوبية بامتياز لأن الاندماج الحقيقي لا يمكن أن يتم إلاّ بين الدول التي لها القوة نفسها اقتصاديا وتجاريا، أما القول بالاندماج بين اقتصادات الشمال والجنوب فهو كذب وبهتان على الشعوب الفقيرة.

وهل نحن مستعدون لإعادة بناء أنظمتنا التعليمية والتربوية من الداخل مع استحضار التحديات التي تفرضها التطورات التكنولوجية والرقمية، لأن التربية والتعليم والبحث العلمي والرقمنة هي المداخل الحقيقية لبناء صرح مستقبل الأجيال الحاضرة والمستقبلية وتحقيق التنمية المستدامة في دول الجنوب.

وعلينا أن نستحضر الدرس التاريخي للزعيم الهندي ” مهاتما غاندي” ومفاده: أنّ أي قرار سيتّخذ في غيابنا فهو سيكون ضدنا.

إعلامي وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام