كرة القدم أفيون للشعوب

كرة القدم أفيون للشعوب
الثلاثاء 13 غشت 2024 - 13:59

نعيش، اليوم، في ظل نظام عالمي مهيمن متحكم يمتلك من الوسائل الإعلامية والإيديولوجية والتكنولوجية ما يمكنه من توجيه تفكير الجماهير وتحديد اهتماماتها. وقد أصبحت كرة القدم، دون شك، إحدى أهم الأدوات التي يستخدمها هذا النظام لتدجين الشعوب وتحويلها إلى قطعان مستأنسة، تتنقل بين شاشات التلفاز والملاعب كما تتحرك الأغنام في المراعي.

ولعل كرة القدم، أو كما يصفها البعض بـ”أفيون الشعوب”، أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية لملايين الناس؛ فها هي ذي تشغل أفكارهم وتملأ كل أوقاتهم، بل وتحدد أيضا اهتماماتهم وتوجهاتهم.

وفي عالم أصبح فيه “النجاح الحقيقي” محصورا بين أقدام اللاعبين، يتم تهميش القضايا الحقيقية: التنمية، الحرية، الحق في الشغل، الكرامة، المساواة، تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. كما تُغمر العقول في التفاهة، حيث تتحول الكرة من مجرد رياضة عادية إلى دين عالمي يعتنقه الملايين.

هراء! تفاهة! مشاهدات مليونية عابرة للقارات لا جدوى منها ولا قيمة لها!

لست الوحيد الذي ينتقد سريان السم الكروي في جسم وروح العالم؛ فمنذ عقود قليلة، أشار الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو إلى هذا السرطان المتشح بلباس الرياضة والمنافسة الشريفة، وبيّن لنا كيف استطاع النظام العالمي بنجاح مذهل أن يدجن الجماهير ويجعلها تعيش كرة القدم وتتنفسها على مدار الساعة، إلى درجة أنه استطاع أن يخلق نوعا من الاستلاب الجماعي، أصبحت داخله كرة القدم الوسيلة “نامبر وان” للهروب من الواقع، ولتفريغ الطاقة والهموم؛ بل وطريقة مفضلة لدى الكثيرين لتزجية الوقت دون إعمال الفكر في قضايا الحياة الحقيقية والمعقدة.

ومن الثابت أن امبرتو إيكو يرى في هذا التدجين نجاحا غير مسبوق للنظام العالمي، حيث يتحول الإنسان من كائن مفكر إلى كائن مستهلك، تتحدد اهتماماته وفق ما يريده الآخرون، ويتحول عقله إلى معترك بل مزبلة تتعفن فيها الأهواء والغرائز.

ولكن دعونا نتساءل: هل كان هذا ليحدث دون إرادة الجماهير؟

وهنا، بالضبط، يمكن أن نضع في مساحة الضوء فلسفات المفكرين الكبار؛ مثل سبينوزا ونيتشه وكانط وهيجل وفرويد وكارل ماركس وألبير كامو، الذين حاولوا من خلال أعمالهم الفلسفية تسليط الضوء على كيفية تفاعل الإنسان مع العالم من حوله، وكيفية فهمه لنفسه وللآخرين.

لتكن نقطة البداية سبينوزا، على سبيل المثال، الذي تحدث عن “القوة الداخلية” التي تحرك الإنسان وعن سعيه الدائم إلى تحقيق نوع من “السعادة العقلية”، والتي تنتج عن معرفة الحقيقة والتفكير العقلي. هذه الأفكار عظيمة وطموحة؛ لكنها في عالم كرة القدم تتبخر وتتلاشى كالملح في الماء، إذ يبدو أن هذه القوة قد استُبدلت بقوة خارجية تفرضها الجماهير على نفسها، حيث تصبح الكرة هي الحقيقة الوحيدة التي تُلهي العقل وتبعده عن التفكير العميق في القضايا الوجودية.

أما بالنسبة لنيتشه، بفلسفته التي تدعو إلى التحرر من القيود التقليدية وإرادة القوة، فلو كان حيا يرزق بين ظهرانينا لكان قد رأى في كرة القدم شكلا من أشكال الانتصار الإرادي، حيث تتجسد إرادة القوة في اللاعبين الذين يتنافسون على التفوق والفوز. ولكن، من جهة أخرى، ربما كان قد لاح له في عالم الكرة شغف جنوني للجماهير بقطعة مستديرة من الجلد تتقاذفها أرجل اللاعبين يمينا وشمالا وصعودا وهبوطا، بما يمثل لا محالة نوعا من الانحدار والانغماس في العالم الحسي الذي يبعد الإنسان عن سعيه نحو “السوبرمان ” (Übermensch) الذي يتجاوز ذاته ويحقق إمكانياته القصوى.

أما كانط، الذي عرف عنه التركيز على أهمية الأخلاق والواجب في حياة الإنسان، فلعله لو كان شاهدا على عصرنا المصطبغ بجنون الكرة لكان قد عارض بشدة الفكرة القائلة بأن كرة القدم يمكن أن تكون أكثر من مجرد لعبة؛ لأنه بالنسبة له العقل يجب أن يسود، والانغماس في شغف غير عقلاني قد يؤدي إلى تهميش القيم الأخلاقية. وهكذا، فإن كرة القدم، في هذا السياق، قد تكون بمثابة “العقبة” التي تعوق تقدم الإنسان نحو تحقيق الأهداف العقلانية والأخلاقية.

دعونا الآن نبحر في مملكة هيجل، الذي تحدث مرارا وتكرارا عن “جدلية السيد والعبد”، والمقصود بها عملية التفاعل بين الطرفين في سبيل تحقيق الوعي الذاتي. وفي سياق كرة القدم، يمكن إسقاط هذه الجدلية الهيجلية على العلاقة بين اللاعبين والجماهير، حيث يتبادل الطرفان الأدوار بين السيد والعبد؛ فهنا تعبد الجماهير اللاعبين الذين يحققون لهم الإشباع اللحظي، بينما يحتاج اللاعبون إلى تقدير وتقديس الجماهير لإثبات وجودهم ونجاحهم في الملعب / المعترك.

أما فيما يتعلق بسيجموند فرويد، صاحب الرؤية النفسية العميقة، فلو أعطيت له الكلمة لقال لنا تقريبا ما يلي: “أعتقد أن شغف الجماهير بكرة القدم تعبير حي عن رغبات دفينة مكبوتة، إنه نوع من الإسقاط (Projection) الذي من خلاله يعيش الأفراد خيباتهم وانتصاراتهم الشخصية عبر أداء اللاعبين على الملعب. وهنا، بالذات، تصبح كرة القدم مجالا لإطلاق العنان للرغبات المكبوتة والطموحات غير المحققة، بما يمنح الأفراد شعورا مصطنعا ومزيفا بتحقيق الذات”.

إن كرة القدم يمكن أن تغذي بشطحاتها وجموح لاعبيها وجماهيرها خيال مجتمع واسع من الفلاسفة والمفكرين. ومن ضمنهم، بالطبع، كارل ماركس، الذي تحدث عن “الاغتراب” (Alienation) في المجتمع الرأسمالي. ولو كنا قد أعطيناه الكلمة الآن لكان قد رأى في شغف الجماهير بكرة القدم نوعا من “الاغتراب المزدوج”؛ فبينما يُستغل العمال في إنتاج السلع، تُستغل الجماهير في استهلاك لعبة صُممت لتُلهيهم عن قضاياهم الوجودية، وفي مقدمتها العيش والعمل الكريم والحق في السكن والتعليم والتطبيب. وبالتالي، تغدو كرة القدم أداة للإبقاء على النظام الاجتماعي القائم، حيث يتم تقليل الشعور بالاغتراب في عالم لا يرحم عن طريق توجيه الانتباه إلى كل ما هو غير مهم وغير جوهري.

أما بالنسبة لألبير كامو، الفيلسوف الوجودي، الذي أسهب في التنظير “للعبث” (Absurdism) ومعنى الحياة، فقد يرى في كرة القدم تعبيرا عن عبثية الحياة، حيث تتجسد في اللعبة كل التناقضات والصراعات التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية:

ـ لعبة لا معنى لها في جوهرها،

ـ لعبة تعطي معنى مؤقتا لمن يعيشونها،

ـ كرة القدم في نظر كامو قد تكون استراحة قصيرة من مواجهة العبث، لكنها في الوقت ذاته تأكيد على عبثية الوجود الإنساني.

في الختام، يمكن القول إن النظام العالمي نجح في استخدام كرة القدم كأداة للتحكم في العقول وتوجيه الاهتمامات؛ ولكن هذا النجاح لا يمكن أن يتحقق دون رغبة الجماهير نفسها في الهروب من واقعها إلى عالم أكثر بساطة وأقل تعقيدا. وفي هذا السياق، تتحول كرة القدم إلى دين جديد، حيث يجد الناس فيها ملاذهم من متاعب الحياة، ويهربون من التفكير في قضاياهم الحقيقية إلى عالم مليء بالأوهام والخيالات. وبناء على هذا، يصبح الهروب من الواقع هو الواقع الجديد، ويصبح الناس يتنفسون كرة القدم؛ لأنها تعطيهم شعورا زائفا بالانتماء والمعنى.

ولكن، مهلا، ليس هذا كل شيء. فكما علّمنا الفلاسفة الكبار.. إن هذا الانغماس في الأوهام لا يمكن أن يدوم؛ لأنه سيأتي وقت يعود فيه الإنسان إلى ذاته، ليجد أن كرة القدم لم تكن سوى شاشة دخان حجبت عنه رؤية الحقيقة، وأن الطريق نحو السعادة والتحرر يكمن في التفكير العميق والفهم الحقيقي للذات والعالم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ارتفاع تعريفة الطاكسي في بني ملال
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 09:48 1

ارتفاع تعريفة الطاكسي في بني ملال

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة