مؤشرات الاقتصاد المغربي تكشف زخما استهلاكيا وتباطؤا مقلقا للاستثمار

مؤشرات الاقتصاد المغربي تكشف زخما استهلاكيا وتباطؤا مقلقا للاستثمار
صورة: منير امحيمدات
الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 06:00

رسمت بيانات الحسابات الوطنية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ملامح الوضعية الاقتصادية للمغرب في الفصل الأول من 2026، باسطة “قراءة مزدوجة” تجمع بين مؤشرات إيجابية مدفوعة بالطلب الداخلي، وأخرى تدعو إلى الحذر جراء تراجع وتيرة الاستثمار والأنشطة غير الفلاحية، وفق محللين اقتصاديين.

ويرى زكريا فيرانو، أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن النقطة الأساسية في التقرير تتجلى في استقرار معدل النمو الإجمالي تقريباً عند 4.6%، مقارنة بنحو 5% في الفترة نفسها من العام الماضي.

واستحضر فيرانو، ضمن تصريح لجريدة هسبريس، أن هذا “الاستقرار يخفي تحولاً بنيوياً في بنية النمو، إذ تباطأ الإنتاج غير الفلاحي بشكل حاد من 4% إلى 2.6%، في حين انتعش القطاع الفلاحي بقوة محققاً نمواً تجاوز 18%”. ويقود هذا التباين إلى استنتاج جوهري بأن القيمة المضافة الفلاحية مازالت مكوناً متقلباً وحيوياً يعوّض ضُعف القطاعات الأخرى، وإن كان هذا الانتعاش يحمل طبيعة مناخية بحتة ترتبط بتحسن التساقطات بعد مواسم جفاف متتالية، وليس نتيجة قفزة هيكلية في الإنتاجية.

عودة قوة الصناعات

وفي تفكيكه للناتج المحلي الإجمالي غير الفلاحي يعزو أستاذ علوم الاقتصاد الانخفاض إلى “تباطؤ القطاعات الثانوية وعودتها إلى مستوياتها الطبيعية”؛ فقد شهد قطاع الصناعات الاستخراجية تراجعاً متأثراً بالطلب والأسعار العالمية، بينما يثير قطاع الصناعات التحويلية القلق بانخفاضه بنسبة 1.3% نتيجة ضعف الطلب الخارجي المرتبط بالوضع الاقتصادي الأوروبي وارتفاع تكاليف المدخلات.

كما تباطأ قطاع الطاقة لينمو بنسبة 3.4% فقط جراء تراجع الطلب الصناعي، في حين يعكس استمرار النمو الإيجابي لقطاع البناء تباطؤاً في جدولة الاستثمار العمومي، واستنفاد زخم إعادة الإعمار، بينما جاء الدعم الأبرز للقطاع الثالثي من الخدمات المالية التي نمت بنسبة 7.6% مستفيدة من النشاط الائتماني القوي.

استهلاك الأسر محرك للنمو

تلتقي القراءة التحليلية للأستاذ فيرانو مع الطرح الذي قدمه الأستاذ الباحث والمحلل الاقتصادي محمد عادل إيشو، عند تحليل جانب الطلب، إذ يتّفقان على أن “الاستهلاك الأسري يظل المحرك الأساسي للنمو في هذه المرحلة”.

وأوضح فيرانو أن استهلاك الأسر سجل قفزة هامة بلغت 4.6% مقارنة بـ 1.1% العام الماضي، مدفوعاً بانخفاض معدلات التضخم وتحسن الدخل الزراعي، فضلاً عن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي رفعت الدخل القومي المتاح بنسبة 6.8%. وفي السياق ذاته يصف إيشو ذلك بـ”الشق التفاؤلي”، مؤكداً أن الطلب الداخلي يقود النمو بعد أن سجل 6.5% مقابل 6.4% قبل سنة، لتنتقل مساهمته في النمو الاقتصادي من 5.3 نقط إلى 6.9 نقط، ما يثبت أن السوق الداخلي هو المحرك الرئيسي للاقتصاد اليوم وليس الصادرات.

هذا الزخم الداخلي يمتد ليشمل الدور الحيوي للمؤسسات الرسمية عبر الاستهلاك العمومي، إذ يشير إيشو إلى تسارع نفقات الإدارات العمومية من 3.5% إلى 4.9%، ما يجعل الدولة بمثابة “المثبّت التلقائي” للنشاط الاقتصادي عبر سياساتها الداعمة للطلب الكلي من خلال الأجور والتحويلات الاجتماعية وبرامج الدعم المباشر.

ومع ذلك فإن هذا الإقبال القوي على الاستهلاك الداخلي يترتب عليه أثر واضح على القطاع الخارجي، إذ يذكر فيرانو أن تجاوز الاستيعاب الداخلي لحجم الإنتاج أدى إلى قفزة في الواردات بنسبة 12.7% لتلبية متطلبات الاستهلاك والطاقة والسلع الاستثمارية؛ ورغم نمو الصادرات بنسبة 9.2% إلا أن هذا التفاوت أدى إلى تدهور صافي الميزان التجاري، وهو ما يفسره بفجوة امتصاص وليس بضعف تنافسية الصادرات.

“معضلة الاستثمار”.. جرس إنذار؟

ينتقل التحليل إلى منطقة أكثر حذراً عند فحص معدلات الاستثمار، وهي النقطة البنيوية المقلقة التي أفاض إيشو في شرحها وتلاقت مع تحذيرات فيرانو؛ إذ يوضح إيشو أن الاستثمار يشهد تباطؤاً يطرح علامات استفهام كبرى، بتراجع وتيرة نمو إجمالي تكوين الرأسمال الثابت من معدل قوي بلغ 19.6% إلى 10.8% فقط، ما قلص مساهمته في النمو من 4 نقط إلى 3.4 نقط.

ويرى المتحدث ذاته، في حديثه لهسبريس، أن هذا المعطى كاشفٌ عن “إشكال اقتصادي بنيوي”؛ فالنمو القائم على الاستهلاك وحده يظل هشاً لأن الاستهلاك ينشط الدورة اليومية دون ضمان المستقبل، بينما يبني الاستثمار القدرات الإنتاجية الحقيقية من خلال فتح المصانع وخلق مناصب شغل قارة ورفع التنافسية.

هذا التباطؤ الاستثماري يثير، وفقاً لإيشو، سؤالين جوهريين، يتعلق الأول بمناخ الأعمال ومدى قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على إيجاد السيولة والرؤية الواضحة للاستثمار، بينما يرتبط الثاني بوتيرة تنزيل المشاريع الكبرى والاستثمار العمومي الذي يمثل الشريان الحيوي المغذي لتلك المقاولات.

من جانبه يضع فيرانو هذا التراجع في قطاع الصناعات التحويلية كأبرز نقطة تستدعي الاهتمام، نظراً لتأثيرها على التحول الإنتاجي ومسار الصادرات مستقبلاً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن التمويل الذاتي للاقتصاد المغربي مازال يغطي غالبية الاستثمارات، حيث بلغت المدخرات 31.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل حجم استثمار بلغ 32.9%، ما يترك حاجة محدودة إلى التمويل الخارجي تقدر بـ 1.5%.

تلخص الصورة الكلية للاقتصاد المغربي وجود نمو مدفوع بقوة من جانب الاستهلاك، وهو أمر إيجابي على المدى القصير، كونه يعكس تحسن الوضعية الاقتصادية للمواطنين نسبياً بفضل التحكم في التضخم الذي تراجع إلى 1.1%، غير أنه تراجع قد يحمل صبغة مؤقتة مرتبطة بالعرض الفلاحي، ما يستدعي الحذر النقدي كما أشار فيرانو.

وأجمع الباحثان على أن التحدي الحقيقي والمزدوج يكمن في كيفية الحفاظ على زخم الاستهلاك الداخلي مع إعادة تحريك عجلة الاستثمار عبر تسريع المشاريع العمومية المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد واستعادة ثقة القطاع الخاص، وذلك لضمان عدم الاكتفاء بنمو رقمي عابر، بل ترجمته إلى مناصب شغل مستدامة وتحسين ملموس في مستوى عيش المغاربة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • lamo
    الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 07:15

    الاستهلاك الداخلي يواصل دعم النمو، بينما يفقد الاستثمار جزءاً من زخمه. ولا يعود ذلك فقط إلى ارتفاع الأسعار أو الضرائب، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة تشمل تآكل القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة خلال السنوات الماضية، وارتفاع تكاليف التمويل والإنتاج، وضعف ثقة جزء من القطاع الخاص في آفاق السوق على المدى الطويل. كما أن انتشار بعض مظاهر الفساد والمضاربة غير المشروعة، إلى جانب محاولات الاستحواذ على الأسواق وتركيز النفوذ الاقتصادي في أيدي عدد محدود من الفاعلين بما يفضي إلى نزعات احتكارية، يساهم في إضعاف مناخ الأعمال، لأنه يرفع منسوب عدم اليقين ويشوّه قواعد المنافسة ويجعل المستثمرين أكثر تردداً في ضخ رؤوس أموالهم. لذلك، فإن النمو المدفوع بالاستهلاك والتحويلات المالية لا يخلق بالضرورة حوافز كافية للاستثمار الإنتاجي إذا لم يواكبه تحسن قوي في مناخ الأعمال وربحية المشاريع ومحاربة الممارسات التي تعرقل المنافسة الشفافة وتحد من الاستحواذ غير المشروع على الأسواق. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد المغربي هو تحويل الطلب الاستهلاكي الحالي إلى

  • س شكيب
    الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 07:38

    سوف يتسارع انهيار الاستثمار خلال السنوات القادمة وسوف ينعدم تشغيل القطاع الخاص لانوعدد النقاولات سوف باقلص بحدة ذلك أن الدورة الاقتصادية للبلاد قد أغفلت سياسة النهوض بالاستثمار المحلي والوطني واغفلت محاسبة السياسيين والمنتخبين المحليين عن أسباب انعدام الاستثمارات المتجددة محليا والتي تخلق فرص شغل دائمة و بعد سنة 2030 سوف يتبادل الناس الضرب بالخناجر والسيوف في الازقة لربح قوت يومهم لانعدام فرص الشغل وانعدام الاسواق

  • عيد سعيد
    الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 08:48

    طبعا سيكون الوضع هاكدا في ضل نهج سياسة الدعم دون الجدوى و قوانين غير مطمئنة أو محفزة للمستثمرين و لنا في مجال العقار مثال.

  • س شكيب
    الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 12:22

    أكبر دورة اقتصادي تم إغفالها وتجاهلها عن قصد هي دورة النهوض بالصناعية المحلية التحويلية للموارد الفلاحية وموارد الصيد اللخري وصناعة الخزف وصناعة الجلد وصناعة الخليج البربري والعافية والشمالية والنهوض بصناعات تقليدية صغيرة مستدامة تتوارث من جيل الى جيل بل تم مركزة الموارد البشرية في أيدي للانتهازيين والعقار ايضا سلبوه ونركزوه بين ايديهم والدولة غافلا ناعسة ومستقبل المدن ليس هو اكوام البرطمات الاي تم بناؤها من طرف وزراء سابقين بدون قانون او اكوام شقق المبيت الليلي كلا ولا بل مستقبل المدن هو احباء تتكون من ستين في المية سكن والباقي أنشطة اقتصادية ولقد سقطتم في للامنحان

  • الفلاح العصري
    الأربعاء 1 يوليوز 2026 - 15:54

    حينما يكون معدل الاستهلاك مرتفع أكثر من وتيرة النمو الاقتصادي، فذلك دليل قاطع على أن الشعب يستهلك أكثر مما ينتج ويعيش فوق طاقته؛ هذا السلوك يُعرف في علم الاقتصاد والاجتماع بعدة مصطلحات، أخطرها “الاستهلاك التظاهري” أو “الاستهلاك المفرط بالدين”، ويُسمى أيضاً “الإفلاس المتأنق”، حيث يسارع الناس إلى تقليد المظاهر الاستهلاكية للفئة الغنية التي تبادر وتكدح وتعمل ليل نهار للكسب أكثر، بينما هم غارقون في قهوجيتهم وسلوكهم المتكاسل الاستهلاكي، ويحاولون إخفاء نمط حياتهم البائسة خلف واجهة الرفاهية المزيفة التي يصنعونها بالقروض.
    وتتميّز هذه الفئة بالاستدانة للتباهي: شراء شقة، سيارة، ارتياد مطاعم، السفر للعطل، وشراء ملابس الأبناء من الماركات، كل ذلك بقروض استهلاكية أو بطاقات ائتمان، بينما جهده وعمله ومردوديته الشهرية لا ينتج منها سوى بضعة آلاف من الدراهم، ويصرف أكثر منها من خلال باللجوء إلى الديون مع فوائد تلتهم وترهن مستقبله، وعندما يغرق في الديون يحاول أن يقنع نفسه وأشباهه بأنه ليس هو المسؤول عن وضعه البائس، وإنما: “الشناقة” و”الفراقشية” و”التجار” و”السماسرة” واللوبيات” الذين “يتآمرون” عليه.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش