مات النقد، اشنقوا الناقد

مات النقد، اشنقوا الناقد
الأحد 19 يناير 2025 - 11:00

نعرف أن النقد الأدبي لا يتماشى مع الإنتاج الأدبي؛ بل يمكن أن نتمادى ونقول إن النقد غير موجود، ونعلن الخبر: مات الناقد.

لكن، ثمة وجه آخر للقضية: لنفترض أن النص النقدي متاح، النص النقدي الأحق بأن يوصف بذلك، هل سيكون القارئ، قارئ هذا الإبداع النقدي الموازي للنص الإبداعي، موجودا؟

رأيي أن اختفاء الناقد جاء بعد اختفاء القارئ. توقف الناقد عن إنتاج النص النقدي بعد أن اختفى القارئ المفترض لهذا النص. ويكمن التفسير في مشكلة الوفرة، مشكلة “فرط المعلومات”، أو بالأحرى “الضجيج المعلوماتي”، أي ظاهرة الإغراق بالمحتوى التي عززتها الإنترنيت.

كان القارئ، من قبل، يذهب إلى الناقد. منصات النشر معروفة ومحدودة. مجلات ثقافية شهرية وبضعة ملاحق صحافية أسبوعية. عدد النسخ محدود والقارئ يعرف أنه إذا لم يسارع إلى اقتناء المجلة أو الملحق سيخسر فرصته. الملهيات الجانبية كانت قليلة، وقارئ المجلة يبدأ قراءتها فور اقتنائها.

اليوم ماذا لدينا؟ ملهيات كثيرة تتنافس على سرقة الاهتمام، وعشرات من منصات النشر الإلكترونية التي تبث محتواها الثقافي المفترض أنه موجه إلى القارئ النوعي؛ لكنها خلال سباقها المحموم لتغطية المساحات الإعلانية تخسر الكثير من جودة المنشور مقابل أوهام كمية لتعزيز وتضخيم عدد الزيارات… ولدينا “فيسبوك”، منصة نشر ديمقراطية من جهة؛ لكنها وبسبب السباق المحموم نفسه للربح من نشر الإعلانات، عبر الإمساك بالقارئ مسمرا أمام الشاشة أطول وقت ممكن (صار الآن مجرد مشاهد سلبي) ابتكرت خوارزميات لتمنح المستهلك المزيد مما يحب ولا شيء مما لا يحب. المحتوى الحقيقي الذي يتطلب قراءة فعلية يدفن في الأعماق تباعا دون أية فرصة للقراءة، لصالح الصور ومقاطع الفيديو.

إشباع متطلبات الدماغ من الدوبامين صار هو الأساس وظهرت أدوات كثيرة، يفترض أنها بغاية زيادة الإنتاجية والتحكم في الوقت؛ لكن كل ما فعلته هو تعزيز التشتت والسعي نحو الاستهلاك السريع. حين تصادف منشورا طويلا على “فيسبوك” تفكر: لا حاجة إلى قراءته فورا، لديك خاصية “احفظه للقراءة لاحقا” وواصل تصفح الصور الطريفة ومقاطع الفيديو. إذا صادفت مقالا طويلا في موقع ما: لا حاجة إلى قراءته فورا، يمكنك ترك الصفحة مفتوحة على المتصفح أو بنقرة واحدة احفظ المقال في المفضلة إلى وقت لاحق. وقت لن يأتي أبدا.

الأمر نفسه مع الكتب. منذ سنوات كان القارئ يقرأ أي كتاب يقع بين يديه، مع قلتها، واليوم الكتب متاحة للاقتناء بيسر أكبر وقراءة أقل. آلاف الكتب متاحة بسبب/ بفضل القرصنة الإلكترونية والقارئ يراكمها كلها عنده؛ لكن لا حاجة إلى قراءتها. إنها مخزنة بأمان، ولسان حاله يقول: المهم أنها متوفرة.. يوما ما، يوما ما، سأقرأها؛ لكنه لن يقرأها، وكذلك هو حال الدراسات النقدية، أو بالأحرى حال كل المحتوى النصي المعرفي الذي يتطلب جهدا للقراءة.

اليوم نقول إن النقد مات، وغدا سنقول إن القراءة نفسها ماتت، وما هذا الغد ببعيد.

(*) قاص وروائي مغربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح