عقد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الاثنين، ندوة مشتركة بين المجلس ورئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات، حول موضوع “تخليق الحياة العامة.. مقاربات متعددة”؛ وذلك في إطار فعاليات الدورة التاسعة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، المنظم بالرباط، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.
عبد اللطيف طهار، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس لجنة الأخلاقيات ودعم استقلال القضاة، قال إن تخليق الحياة العامة هو خيار استراتيجي للدولة، وكل مؤسساتها معنية بذلك؛ وهو ما يظهر من خلال استقراء مجموعة من المبادئ الواردة في دستور المملكة.
وأوضح المتحدث ذاته أن الفصل 36 من الوثيقة الدستورية في فقرته الثانية أوجب على السلطات العمومية الوقاية – طبقا للقانون – من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها والزجر عن هذه الانحرافات. ونص الفصل 154 من الدستور أيضا في فقرته الثانية على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور. كما أوجب الفصل 155 على أعوان المرافق العمومية ممارسة وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة.
وأضاف عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن هذا الأخير باعتباره المؤسسة الدستورية التي تشرف على القضاء، كسلطة مستقلة كما نص على ذلك الفصل 107 من الدستور، لم يكن بمعزل عن هذه الدينامية التي تعرفها بلادنا تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.
لأجل ذلك، أورد المتحدث ذاته، تبنى المجلس استراتيجية لعمله على المديين القريب والمتوسط (2021-2026)، وهي عبارة عن خارطة طريق وبرنامج عمل يحدد أولويات اشتغاله وكيفيات وطرق التنفيذ؛ وذلك بهدف اضطلاع القضاء بدوره في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وحماية الحقوق والحريات ودعم الاستثمار، وترسيخ قيم الديمقراطية والحكامة الجيدة والنزاهة والشفافية، وموضوعُ التخليق كان حاضرا بقوة في هذا المخطط الاستراتيجي الذي اعتمده المجلس.

وفي مداخلة ثانية ضمن أطوار هذه الجلسة، التي ترأسها محمد زاوك، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أكد جلال الأدوزي، مفتش بالمفتشية العامة للشؤون القضائية، أن هذه المفتشية تعبأت، منذ دخول القانون المتعلق بها بتاريخ 3 أكتوبر 2021 حيز التنفيذ، للاضطلاع بالمهام التي أناطها بها هذا القانون، تنزيلا لمقتضيات المخطط الاستراتيجي للمجلس الذي سطر ضمن أولوياته تعزيز النزاهة والشفافية.
وتبرز مساهمة المفتشية العامة للشؤون القضائية في مجال التخليق، أضاف المتحدث ذاته، من خلال مباشرة اختصاصاتها التي حددت في المادة العاشرة من هذا القانون، والمتمثلة في التفتيش القضائي المركزي لمحاكم المملكة، رئاسة ونيابة عامة، وتنسيق وتتبع التفتيش اللامركزي والإشراف عليه، ودراسة ومعالجة الشكايات والتظلمات التي يحيلها الرئيس المنتدب، والقيام في المادة التأديبية بالأبحاث والتحريات التي يأمر بها الرئيس المنتدب، وتتبع ثروات القضاة بتكليف من الرئيس المنتدب، وتقدير ثروات القضاة وأزواجهم وأبنائهم بتكليف من الرئيس المنتدب وموافقة المجلس.
وفي مداخلة حول دور النيابة العامة في تخليق الحياة العامة، شدد صالح تزاري، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، على أن تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد المالي يعتبران من أولويات السياسة الجنائية بالمملكة المغربية، مستندا إلى ما أكدته الخطابات الملكية؛ ومن بينها الخطاب الملكي السامي للملك محمد السادس، بمناسبة ثورة الملك والشعب (سنة 2014)، حيث أكد أن “اللحاق بركب الدول الصاعدة لن يتم إلا بمواصلة تحسين مناخ الأعمال، ولا سيما من خلال المضي قدما في إصلاح القضاء والإدارة ومحاربة الفساد، وتخليق الحياة العامة، التي نعتبرها مسؤولية المجتمع ككل”.
واستعرض تزاري التوجيهات التي تصدرها رئاسة النيابة العامة، عبر دورياتها، بهدف تخليق الحياة العامة وحماية المال العام ومحاربة الفساد، وتعقب مختلف جرائم الفساد، وتعزيز ثقة المواطن في قدرة العدالة الجنائية على مواجهة تلك الانحرافات، وحماية الاستثمار والمستثمرين، من آثارها السلبية.
من جانبه، اعتبر هشام مكروم، رئيس المجلس الجهوي للحسابات لجهة الدار البيضاء-سطات، أن تخليق الحياة العامة يعد أمرا محوريا لتعزيز ثقة المواطن في علاقته بجميع مناحي حياته، في المؤسسات وفي تيسير الولوج إلى الخدمات والمرافق العمومية.

وأضاف مكروم أن تخليق الحياة العامة يخلق البيئة السليمة الحاضنة للاستثمار المثمر والكفيل بخلق فرص الشغل، والمساهمة الفعالة في تنشيط الدورة الاقتصادية؛ ما ينعكس على الدولة بتحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية، وعلى المواطن بتحقيق العيش الكريم.
وقال يوسف غلام، نائب وكيل الملك لدى المجلس الجهوي للحسابات بجهة الدار البيضاء سطات، إن المجالس الجهوية للحسابات تتولى مراقبة مجالس الجهات والجماعات الترابية وهيئاتها، وكيفية قيامها بتدبير شؤونها، ويعاقب عند الاقتضاء على كل اخلال بالقواعد السارية على الهيئات المذكورة.
وأورد غلام أن الوظيفة العقابية تظهر كنتيجة وتكملة للأعمال الرقابية الأخرى لهذه المحاكم المالية، بما يحقق التكامل في اختصاصاتها بين ما هو قضائي والغير قضائي، أي الجمع بين السلطة الرقابية وبين السلطة العقابية في احترام تام للمعايير الدولية في هذا الشأن.
أما أحمد أجعون، عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، فأكد، في مداخلة له، أن الأخلاق هي صمام الأمان والدرع الواقي في حياة الأفراد والأمم والشعوب.
وأضاف أجعون أن تخليق الحياة العامة يعد ركيزة أساسية للحكامة الجيدة وضمانة للنزاهة والشفافية، ولا يمكن أن يتأتى هذا التخليق إلا من خلال مقاربة متكاملة وشمولية ومتعددة الركائز؛ فهي قضية مجتمعية.
وقال عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة إن الجامعة هي مجال للتنشئة والتكوين في مجال تخليق الحياة العامة، وهي فضاء للنقاش والحوار والبحث العلمي المرتبط بالتخليق؛ وذلك عبر وضع مجموعة من البرامج التي تعالج مواضيع الأخلاق والقيم ووحدات قانونية وتدبيرية.
ولفت العميد ذاته، في مداخلته خلال هذه الندوة التي تناولت موضوع “تخليق الحياة العامة.. مقاربات متعددة”، إلى أن التكوين المشار إليه يمتد ليشمل مجال الرقمنة والحكامة الرشيدة، وتفصيل اختصاصات جميع المتدخلين في تخليق الحياة العامة؛ من سلطات قضائية وإدارية ورقابية وسلطات إنفاذ القانون وغيرها.
تابعت جانبا من اللقاء برواق المعرض الدولي..خاصة عرض الاستاذ الشاب عبد اللطيف طهار الذي قدم بأسلوب شيق حصيلة المجلس الاعلى في مجال التخليق، ولم يتوقف عند الايجابيات وانما قدم ايضا التحديات.. نتمنى ان يكون التشبيب هو العنوان البارز للمرحلة المقبلة، ونتمنى ان يصبح التخليق واقعا نعيشه في جميع مناحي الحياة العامة، بالقضاء ، بمرفق الصحة، بالجامعة وفي كل المجالات.
ندوات المجلس الاعلى مناسبة للتواصل مع زوار الرواق، وكانت ندوة التخليق ناجحة جدا، خاصة حينما تم تقديم حصيلة المجلس الاعلى في مجال المقاربة التأديبية والوقائية واستعراض أمثلة للاحكام القضائية، وقد تولى الاساتذة الافاضل التجاوب بكل اريحية وصراحة مع أسئلة الحضور وغالبيتهم من طلبة الجامعة، وهو مايؤكد الحاجة الماسة للتواصل.. نتمنى ان ينفتح المجلس بشكل أكبر وينظم مزيد من مثل هذه اللقاءات.
أنا طالبة في سلك الماستر وجئت وأعد رسالة ماستر حول دور القضاء في تخليق الحياة العامة، تابعت باهتمام العروض القيمة التي تفضل بها الاساتذة الكرام سواء من مجلس السلطة القضائية وخاصة الاستاذ طهار الذي قدم توصيات مهمة أشار فيها إلى ضرورة استكمال ورش اصلاح القوانين باخراج القوانين التي ماتزال عالقة، كما تابعت عرض الاستاذ المفتش العام الذي قدم وصفا شاملا لعمل المفتشية، وكذلك عرض قضاة المجلس الاعلى للحسابات، الذين عرفوا بهذه المؤسسة، ولاول مرة نعلم انهم قضاة وان لديهم هم ايضا مجلسا أعلى يراقبهم.
نتمنى ان يتم نشر المداخلات كاملة تعميما للفائدة ونتمنى تنظيم مثل هذه الندوات والمحاضرات في قلب الجامعات المغربية
نشكر السيد رئيس لجنة الاخلاقيات على العرض القيم الذي اعطى نظرة شاملة عن استراتيجيه المجلس الاعلى للسلطة القضائية في مجال التخليق.
وقدم ارقاما لأول مرة عن حصيلة الاستراتيجية خاصة في المجال التأديبي.. واختار نماذج واضحة من قرارات التأديب التي تبين وجود إرادة حقيقية في التخليق، كما يقول المثل المغربي “اللي حصل يودي”..الندوة عرفت كما هائلا من الاسئلة خاصة من طرف طلبة الجامعة وهو ما يؤكد التعطش للتعرف على نشاط هذه المؤسسة الدستورية. ونشكر مسير اللقاء الدكتور الجليل محمد زاووك الذي كان متساهلا مع المتدخلين في اتاحة الفرصة لابداء رايهم، وهذا هو المطلوب من ندوات المعرض الدولي للكتاب التي تعد فرصة للانصات وللمناقشة.
أحسن حاجة قيلت في ندوة رواق محكمة النقض هو كلام الاستاذ الطهار: انتم كمتقاضين عنصر اساسي في التخليق، وهذا كلام صحيح..
ينبغي العمل على تخليق الحياة العامة بشكل موازي لتخليق القضاء..
هناك قضاة من معدن اصيل من أمثال الاستاذ الجليل عبد اللطيف طهار، كان قبل سنوات قاض في مركز أكنون وكان يتمتع باخلاق عالية، يأخذ بأيدي الضعفاء ويرشدهم، ويطبق القانون دون ان يخاف في الحق لومة لائم، فرحت كثيرا بعدما عرفت أنه وصل الى هذا المنصب السامي، ويترأس لجنة الاخلاقيات، الحمد لله انها من المرات القليلة التي تسند فيها الامور الى أهلها، ونجد الانسان المناسب في المكان المناسب. نتمنى ان يكثر الله من القضاة الشرفاء حتى تعود الثقة للمتقاضين في القضاء..
تخليق الحياة العامة تستوجب الصرامة في تطبيق القانون، وان يطبق القانون بدون تمييز بين الفقراء والاغنياء وان يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة.
شكرا لهسبريس على هذه التغطية الرائعة والمتكاملة، كنت من الجمهور الذين حضروا هذا اللقاء في رواق محكمة النقض.. وتابعت باهتمام مداخلات القضاة المحترمين.. اعجبتني كثيرا مداخلة السيد رئيس لجنة الاخلاقيات السيد الطاهر عبد اللطيف الذي تكلم بصراحة وبدون لغة الخشب، وقدم خبرا سارا لكل المواطنين الشرفاء بنشر قرارات التأديب المتخذة في حق من يخالف القانون وأخلاقيات المهنة، وكذلك مداخلة السيد المفتش العام السيد جلال الاردوز.. الذي قدم حصيلة المفتشية.. والتي نتمنى ان يتم تعميمها على كافة التراب الوطني، ولما لا فتح مفتشية على صعيد كل مدينة تتولى افتحاص المحاكم.
كما اعجبني التفاعل الذي وقع بعد فتح باب المناقشات بين الحضور والذي يؤكد ان تخليق الحياة العامة هو حلم كل مغربي.. لأنه لا تقدم بدون أخلاق.
الاستاذ عبد اللطيف الطهار كفاءة واخلاق عالية، وقد راكم تجربة مهمة في مجال تدريس وتاطير مادة الاخلاقيات القضائية بالمعهد العالي للقضاء، حيث يجمع بين الجانب النظري ويدعمه بنماذج من الواقع العملي، مما يجعل المادة العلمية التي يقدمها سهلة في التلقي، نتمنى ان يتم تدريس هذه المادة لطلبة الجامعات في اطار شراكة بين المجلس الاعلى للقضاء والجامعة المغربية، خاصة طلبة الماستر وسلك الدكتوراه