مثقفون ومبدعون مغاربة أمام تداعيات "كورونا" .. عقم وإحباط ومخاض

مثقفون ومبدعون مغاربة أمام تداعيات "كورونا" .. عقم وإحباط ومخاض
صورة: و.م.ع
الأحد 1 غشت 2021 - 13:00

لم تغلق جائحة “كورونا” البلدان والمحال التجارية والمقاهي والمطاعم في الكثير من أرجاء العالم فقط، بل امتدت تداعيات الوباء حتى إلى الإبداع والأدب والكتابة.

وفي المغرب توزع الأدباء والمثقفون حيال التداعيات القاسية للجائحة إلى ثلاثة فرق؛ الأول مثقفون وأدباء تابعوا أخبار الجائحة كما تابعها غيرهم من “بقية الناس”، والثاني أدباء ومثقفون أغمدوا سيوفهم وأعلنوا “اليأس” أمام حالة الإغلاق الثقافي التي استمرت مدة غير قصيرة في البلاد، والثالث أدباء ومثقفون تفتقت قريحتهم ليكتبوا ويوثقوا كتابات إبداعية عن “كوفيد”.

عطالة ثقافية؟

و”تجمد” أدباء ومثقفون مغاربة أمام الحدث الجلل الذي هز أركان العالم بتفشي جائحة كورونا التي قتلت ملايين من البشر، إذ إن كثيرين منهم “لم يظهر لهم أثر”.

واستمرأ أدباء ومبدعون مغاربة حالة “الإغلاق” التي ضربت البلاد شهورا مديدة، وواصلوا هذه “العطالة” حتى بعد الفتح (الجزئي) للقطاعات الحيوية في البلاد التي تضررت كثيرا بسبب الجائحة، ومنها الإبداع وكافة الصناعات الثقافية.

وهناك من يبرر هذه الحالة بكونها فترة “تأمل” قد تستغرق وقتا غير معلوم، وبأن التأمل الإبداعي والثقافي أمر طبيعي يحصل في الأحداث الجسام، وفيروس كورونا أحد هذه الأحداث التي ألجمت الألسن وأخمدت الأقلام.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب والأديب المغربي مصطفى لغتيري، لجريدة هسبريس، إن جائحة كورونا فاجأت العالم بأسره، وطال تأثيرها كل الفئات الاجتماعية، وامتد أثرها في الزمن لفترة لم تكن متوقعة.

وذهب لغتيري إلى أن الجائحة “أثرت بشكل كارثي في كل مناحي الحياة بشتى تجلياتها؛ ولم يكن الأدباء بمعزل عن هذا التأثير، فلا يمكن لفترة الحجر الصحي التي خضع لها الجميع إلا أن يكون تأثيرها قويا في نفوس الأدباء كذلك أسوة بباقي فئات المجتمع”.

وزاد الأديب ذاته أن “الإغلاق شبه الكامل للمرافق الثقافية، بما فيها المكتبات ودور العرض السينمائية وقاعات الندوات (قبل أن يتم إطلاق سراحها مؤخرا)، لا يمكنه إلا أن يؤثر سلبا؛ فالحياة الثقافية أصابها الشلل التام، ولولا الحركية التي عرفتها الشبكات العنكبوتية ووسائل الاتصال عموما، التي حققت بعض التعويض، لكانت الخسائر التي أصيب بها المجال الثقافي أفدح”.

وإذا كان هناك أدباء ومثقفون تعرضوا للعطالة بداعي “الإغلاق الثقافي” فإن آخرين أعلنوا استسلامهم صراحة خلال فترة الجائحة، بمبررات مختلفة، منها مثلا عدم تحقيق الثورة الثقافية المنشودة في البلاد.

التكيف مع الواقع الجديد

وإذا كان القسم الأول من المثقفين والأدباء اكتفوا بالتأمل والصمت في خضم جائحة كورونا، والثاني مثقفون أغمدوا أسلحتهم وتراجعوا إلى الخلف في انتظار اتضاح الصورة أكثر، فإن أدباء وفاعلين ثقافيين عمدوا إلى التكيف مع تداعيات هذا الوباء، والقفز على الغيمة السوداء التي خلفها، بضمان حضورهم ولو افتراضيا أمام شدة “الإغلاق الثقافي والإبداعي”.

في هذا السياق قال الكاتب المغربي الدكتور إدريس الكنبوري، لجريدة هسبريس، إن هناك أكثر من مستوى لتفاعل المثقف المغربي مع تداعيات جائحة كورونا التي اجتاحت العالم منذ ما يربو عن العام.

واستطرد الكنبوري: “تكيف المثقف المغربي مع هذا الواقع الجديد وحاول أن يُبقي صوته مسموعا رغم انسداد الأبواب والمنافذ العادية للتواصل الثقافي، من خلال الندوات واللقاءات المباشرة والنشر الورقي والمقابلات”.

واسترسل المتحدث ذاته بأن “المثقف المغربي انتقل من الواقعي إلى الافتراضي، للمشاركة في ندوات عبر شبكة الأنترنيت، وعوّض التواصل مع جمهور ملموس ومباشر بالتواصل مع جمهور افتراضي هلامي؛ بل حتى المثقفون الذين لم يكن لديهم حضور في الافتراضي أصبحوا أكثر حضورا فيه بسبب تداعيات كورونا”.

وسجل الكنبوري أن هناك فرقا لمسه من خلال عدد كبير من الندوات واللقاءات عبر الأنترنيت، سواء مع هيئات مغربية أو عربية، إذ وجد أن وباء كورونا كان له جانب إيجابي، وهو أنه أخرج المثقف من ضيق الورقي إلى فسحة الافتراضي.

حالات إيجابية

وعدا الإبحار في يم الشبكة العنكبوتية لتعويض الحضور الميداني “المحظور” في المحاضرة والندوة، فإن أدباء ومثقفين مغاربة تجاوزوا الإغلاق الثقافي، كما تعدوا الشعور النفسي بالإحباط والعجز، ليشكلوا حالات إبداعية إيجابية من خلال الكتابة والنشر.

وأصدر مثقفون وأدباء مغاربة كتبا ومؤلفات خلال فترة الجائحة، معظمها تتعلق بأجواء هذا الفيروس القاتل، وأحداثها ترتبط بتداعياته وآثاره المختلفة والقاسية على الحياة الإنسانية أفرادا وجماعات.

يتحدث الأديب مصطفى لغتيري عن هذا الجانب بالقول إن الجائحة كانت فرصة للبعض لتأمل الذات بشكل عميق، والتفكير في ما يحيط بها من ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية، وزاد: “لعل هذا ما أدى إلى ظهور نصوص أدبية مرتبطة بهذه الجائحة، حاولت أن تتأملها أو تفهمها أو تلتقط بعض ما تسببت فيه على المستوى النفسي والاجتماعي، وفي العلاقات ما بين الدول”.

وأردف لغتيري: “على المستوى الشخصي كانت وطأة الجائحة على نفسي قوية، لأنها جعلتني أفكر في هشاشة الحياة التي كنت أظنها إلى وقت قريب محصنة، فإذا بها أوهن من بيت العكنبوت، يمكن أن تعصف بها مجرد عدوى تافهة، يلتقطها المرء في أي مكان يتواجد به ولو صدفة”.

وأكمل مؤسس “الصالون الأدبي” بأن أجواء الجائحة أتاحت له كتابة رواية استرجع فيها بنوع من الحنين بعض الأماكن التي زارها خلال الطفولة والشباب؛ وسمى الكتاب الذي صدر هذه السنة “شهوة الأمكنة”.

وخلص لغتيري إلى أنه فهم الآن سر ذلك النكوص إلى الماضي؛ ربما لأن الحاضر والمستقبل أصبح مهددا بشكل لا شك فيه، فاحتمى بالماضي من خلال استرجاعه وتدوينه في كتاب.

الإمبراطور وتين ووهان

ظهرت في المشهد الثقافي والأدبي أيضا إصدارات متحت من مأساة الجائحة لتحولها إلى إمتاع ذهني وفكري وذوقي، لعل أبرزها كتاب جديد للإعلامي والباحث المثقف عبد العزيز كوكاس، وجد له عنوانا ساخرا هو “في حضرة الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر”.

واحتفل كوكاس في هذا الكتاب الصادر قبل أسابيع قليلة بكثير من السخرية التي كانت ناضحة في نصوص الكتاب، كما حاول الغوص في خلفيات وشخصيات “الإمبراطور كوفيد” والأقنعة التي أرغم الناس على ارتدائها درءا للفيروس.

وصدرت أيضا في زمن هذه الجائحة أول رواية مغربية (وربما عربية) تلامس جائحة كورونا للدكتورة مريم آيت أحمد، اختارت لها عنوان “تين ووهان”، وفيها سردت قصة سفر مفترض إلى ووهان الصينية التي قيل إن الوباء انطلق منها، ليتحول السفر مع صديقة صينية إلى حصول أحداث ومواقف إنسانية مثيرة.

ويبدو أن وباء كورونا، يقول الروائي لغتيري، “كان وبالا على العالم بأسره، فقد فيه الناس أحبة لهم بسبب العدوى، إلا أنه شكل فرصة سانحة للإنسانية جمعاء من أجل التفكير في صيغ مختلفة لبناء مستقبل أفضل عبر التضامن في ما بين الأمم، كما أنه كان فرصة للأدباء لكتابة نصوص جديدة، قد تضيف للأدب رؤية مختلفة للواقع والحياة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Bnabdou hamud rabat
    الأحد 1 غشت 2021 - 13:29

    جميع فئات المغاربه التي ليس له أجره او تعويضات اوبريمات او متيازات كل نهايه شهر هنا بالمغرب تضررت من الحجر الصحي، والمنزل قرلبه سنتين ونحن نعاني من ضم حقوق واداء ضرائيب وحبيات وتامين وسومه كرائيه حكومة ودوله تنكرت لنا رغم مندفعه طيله 30سنه من انواع ضرائيب اليوم كتير من مقولات وشركات ومستتمرين ومكتري ما ذونبات ومقاهي اعلنو الاسهم وسرحو غدد من عاملات وعمال مماجعل لبطاله والفقر والجريمه وطلاق ولنتحار في تصاعد بالمغرب ارجو من صحقين ومن يروج لإغلاق شامل ان يكقو عن هذا لأن الوضع كارتي اكتر من كرونا اذا كنتم ضامنين اجرتهم وانتم نيام في بيوتكم فكرو في المخلوقات التي تودي ضراذيب من احل ان تتفطحو انتم بالله عليكم ايه صحفي ايته موظفه او موظف الدي يريد أن يبق في منزله نعطوك مقاربه بسيطه 4اشهر بزَدون اجزه ولاتعريض وتلك لحظه تعد من مضحين في سبيل الوطن بسبب الجائحه تعلو شيطان راه شعب وصلاتو لعضم وقرلرت حكومة ملتحيه ازمت الوضع بعد حذف مقاصه وتحرير محروقات وزيادات همجيه في ثمن لغزواد اشطر كهرما وسلع وزيوت طبخ ومل مواد صناعيه ولغدايه ودعائر طرقات وووجنو وصلت لعضم كفى استحمار الشعب صحو باحرتكم 6اشهر.؟

  • زرهوني
    الأحد 1 غشت 2021 - 14:32

    للأسف الشديد.
    من كنا نتهمهم بالجمود والخمول والتخلف من الفقهاء وجدنا لهم بعض الكتابات والمداخلات عبر الصحف وخطب المنابر ووسائل التواصل- بغض النظر من مضمونها – ومثقفوها الحداثيون والتنويريون غابوا عن الساحة كأن الأمر لا يعنيهم، حتى ظنناهم هلكوا بالوباء.
    كما لم نجد للفنانين الذين أخذوا التعويضات الباهضة عن مشاريع وهمية لم نجد لهم لا صوتا ولا صورة ولا لحنا ولا كلمة في توعية الجماهير أو مواساتها في محنتها، والتي طالما صفقت لهم، ومرت أحداث كبيرة على بلادنا قضية الصحراء المغربية ، الأزمة مع الأوروبيين ، قضية الجوسسة، فلم نجد لا لمثقفينا حسا ولا لفنانينا صوتا.

  • abdou
    الأحد 1 غشت 2021 - 16:08

    الوباء كان و بالا على العالم باغلاق المنافد على العالم و أحد من الأحبة و الأقارب أعزاء لهم . لكن كذلك كان صحوة ضمير . ايقظ العالم فجأة بأنه ليس شيءا مهما في هذا الكون بل بل أتغه من التفاهات . وترى الكل يترقب و يستنهظ ما هو جميل فيه ساد التضامن و التكافل كأننا ملاءكة تسكن الأرض . أعطانا الدروس لم نكن نتوقعها او ننتظرها. حتما سبختفي و لو بعد حين كما يجب لكن للأسف لم نعرف المغزى و لم نفهم السؤال ولم نعي فرصته ولن تعوض المحطة لأنها لن نأتي فجأة كما جاءت . الفرص تأتي مرة واحدة ولا تأتي تباعا و تضيع إلى الأبد . بينما الهامة و القامة بادية لكنها لا شيء حتى أن كائن حي لم يرى و غير ملموس قلب رأس العالم على عقبه . فهل أدركنا الحدث لعله جلل.ويرجع منحة إن كان محنة ؟! حلم ..يقضة تمني …

  • ريم نجمي
    الأحد 1 غشت 2021 - 19:50

    تنبيه:
    هناك رواية ربما هي الأولى عربيا التي صدرت ككتاب ووزعت في مكتبات القاهرة في شهر سبتمبر 2020عن للدار المصرية اللبنانية في القاهرة تحت عنوان ” كجثة في رواية بوليسية ” للشاعرة والروائية عائشة البصري الرواية عن الموت في زمن كورونا ..

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟