مجبرون على المغادرة..

مجبرون على المغادرة..
الأربعاء 18 شتنبر 2024 - 09:33

آمالهم معلقة بأوطان خلف الأسلاك، ووراء البحار. إنهم لا يبحثون عن مغامرة، بل عن مخرج أخير من واقع قاسٍ لا يرحم. تصاعدت دعواتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، جعلوا من 15 سبتمبر موعدًا هامًا، لبى الشباب والقاصرون نداء المغادرة، متجمعين في الفنيدق، هدفهم تجاوز الأسلاك الشائكة، أملًا في الوصول إلى الحلم الأوروبي عبر بوابة سبتة المحتلة. الهجرة، ولو بطرق غير شرعية، باتت الخيار الوحيد أمام هؤلاء الذين أغلقت في وجوههم كل سبل العيش الكريم في وطنهم.

إن ما يحدث اليوم على الحدود مع سبتة المحتلة، أو في قوارب الموت عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، هو نتاج سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة، جعلت الشباب يعيشون حالة من اليأس والإحباط، وأدت إلى فقدان الأمل لدى القاصرين في المستقبل. إن الوطن ليس مجرد أرض وحدود جغرافية، الوطن هو الحرية والكرامة والعدالة، فحين تغيب هذه الحقوق يحس الفرد بالاغتراب ولو كان في وطنه. كما عبر عنه الفنان الأمازيغي الرحال مبارك أولعربي “نبا” في إحدى صرخاته الغنائية الشهيرة: “ⴳⴳⵓⵍⵍⵉⵖ ⵜⴱⴷⴷⴰⵍⵖ ⴰⵏⵙⴰ؛ ⴰⴷ ⵏⵣⵍ ⵍⴰⵟⵕ ⵉⵏⵡ ⵉ ⵜⵎⴰⵔⴰ؛ ⵚⴱⵍⵓⵢⵏ ⵏⵖⴷ ⴼⵔⴰⵏⵙⴰ؛ ⵏⴽⴽⵉⵏ ⵢⴰⴷ ⴳⵉⵖ ⵓⴱⵕⵕⴰ”، حيث أقسم أن يغير الوطن ليضع حدًا لمعاناته، وهو الغريب في وطنه.

موجة الهجرة هذه ليست حدثًا عابرًا أو ظاهرة جديدة، لكنها اليوم تزداد حدة، تتصاعد وتيرتها وتتنوع سبلها بين قوارب الموت وطرق البلقان وغيرها من الطرق المحفوفة بالمخاطر. مع تصاعد الإحباط واليأس لدى الشباب الذين يرون في بلدان الغير فرصتهم الوحيدة للنجاة من قبضة الفقر والقمع. لم يعد هؤلاء الشباب يهربون بحثًا عن رفاهية أو حبًا في أوطان غيرهم، بل مجبرون على المغادرة. كما عبر الشهيد رشيد المستور في رسالته المؤثرة قبل غرقه قبالة سواحل ليبيا، وهو على متن قارب موت يحاول العبور، بكلماته: “مجبرون على المغادرة، قبل مغادرة هذا العالم بشكل نهائي”. تختصر هذه الكلمات مأساة جيل بأكمله، جيل أصبح يرى في الرحيل فرصة للهروب من واقع قاتم يقتل أحلامهم كل يوم.

قلة الفرص، تفشي البطالة، التضخم، ارتفاع الأسعار، كلها عوامل تجعل هؤلاء الشباب يجدون أنفسهم عاجزين عن تحقيق أبسط أحلامهم، مهما جدوا واجتهدوا. يرون أنفسهم في صورة “أذربال”، بطل رواية “سيرة حمار”، الذي تحول من إنسان مثقف إلى حمار، يعبر عن صراع وجودي مشابه، حيث قدرته على التفكير وسط حياة الحمير التي أجبر عليها بعد فقدانه لهويته. إنها مأساة شباب يفكرون في غد أفضل، في منظومة سياسية جعلت منهم ضحايا للفقر، والبطالة، والتهميش. كما عبر عنها المستور في رسالته: “مهددون بالقهر من طرف مافيا السياسة”. إنهم يرون أنفسهم محاصرين بين حكومات تتجاهل معاناتهم، يشاهدون تناوب النخب السياسية على المناصب، وتنتقل من منصب لآخر، دون أن تقدم حلولا جذرية.

حين يقول “حمار أوريد”: “الحال أني سوف أعيش وسط الحمير حمارًا، يأتي ما تأتي ويحمل من الأثقال ما تحمل، ويختلف عنها في شيء، قدرته على التفكير”، يؤلمه عدم قدرته على التعبير عن رؤاه وآلامه، ومجبر على التكيف مع ظروف تجبره على الانصياع. فإنه يعبر عن اليأس الذي يشعر به من عجزه عن إحداث أي تغيير في واقعه. هذا العجز يوازي شعور المستور وأمثاله من الشباب الذين يجدون أنفسهم بلا قدرة على تحسين أوضاعهم في وطنهم، ليدفع بهم هذا الشعور إلى اتخاذ قرار الهجرة، حتى لو كان الثمن حياتهم.

من الضروري أن نفهم أن المهاجرين المغاربة الذين يغامرون بحياتهم ليست دافعهم الكراهية لوطنهم، على العكس، هي مسعى لإعالة عائلاتهم في الوطن. وفقا للإحصائيات، الجالية المغربية واحدة من أكثر الجاليات إرسالًا للأموال إلى عائلاتها في الوطن، حيث تساهم بملايين العملات الصعبة، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز الاستقرار المالي. هذا الدعم يؤكد حبهم وارتباطهم بوطنهم. حين قال المستور في رسالته: “لي أم ستشتاق إلي… سأتركها وحيدة… سأترك أيضًا والدي الذي كان يتمنى أن أكون نموذجًا يسد به أفواه أصدقائه، سأتركه يستغله غني القرية مقابل درهم يكسو به أخي الصغير…” فإنه يعبر عن المعاناة الإنسانية التي يعيشها هؤلاء المهاجرون في سبيل لقمة عيشهم وعيش أسرهم.

على الدولة أن تعي أن المقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت مشددة، لن تكون كافية لاحتواء هذه الأزمة، ولا يمكن أن توقف موجات الهجرة أو تعيد الأمل إلى نفوس أرهقها الفقر والتهميش. الحل الحقيقي يكمن في إصلاحات جذرية تمس عمق السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفي إعادة بناء دولة تضمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لمواطنيها، دولة تعطي الإنسان قيمته. على النخب الحاكمة أن تستوعب دوافع الشباب إلى ركوب المخاطر، وتحمل مسؤوليتها التاريخية في العمل بجدية على تغيير هذا الوضع. وإلا، فستظل أصوات الشباب مثل صوت “حمار أوريد”، عندما أراد التماس الشفاعة ورفع صوته، فأخرج منه نهيق لا يحتمل، فاتبعوه ضربًا.

إن قمع الشباب وتجاهل معاناتهم لن يؤدي إلا إلى زيادة السخط، وإجبارهم على طرق غير مشروعة للتعبير عن رفضهم لواقعهم. فما دام صوتهم يواجه بالتجاهل والقمع، سيظل يتردد كالنهيق، دون أن تجد مطالبهم صدى أو حلولا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    السبت 21 شتنبر 2024 - 10:23

    من ناحية التحليل الاجتماعي و السياسي ربما الفقر و الهشاشة تدفع بعض
    الشباب الى فعل اشياء غير قانونية كالهجرة السرية او الاتجار بالمخذرات او السقوط في براتين الارهاب او الدعارة او التشرميل و السرقة او الانتحار او او
    اما على مستوى التجربة الشخصية فالفقر ليس وحده السبب و انما مسألة مبادئ و الصبر و الكفاح و المتابرة و القناعة والتوكل على الله

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟