مجلس نواب .. بمن حضر

مجلس نواب .. بمن حضر
السبت 26 شتنبر 2026 - 20:04

الاختيار الديمقراطي يعلو ولا يعلى عليه…هكذا تتكلم صناديق الاقتراع…لا مكان للمرثيات البائدة حول تدني نسبة المشاركة (باستثناء أقاليمنا الجنوبية)…رغم ذلك، فتحت أبواب النقاش ليلة الاقتراع لتشخيص الوضع…تضاربت الآراء والمواقف حول سبب هذا التراجع…الأحزاب السياسية أول الجثث المنهوشة…تلتها الهندسة الانتخابية برمتها…فعادت بي حدة النقاش إلى ما حكي لنا عن شعراء سوق عكاظ أيام الجاهلية الأولى…أو نقائض الأخطل وجرير…

الحاصل…أن الملايين لم يسجلوا في اللوائح الانتخابية…والملايين لم يصوتوا يوم 23 شتنبر…والملايين صوتوا في هذا اليوم…إنها ببساطة الديمقراطية…الكل حر في اتخاذ القرار الذي يناسبه…ويبقى الأهم أن النزاهة والحياد والمصداقية حضرت…وأن قلة من أحبة حليمة لم يتركوها، ولم يتركوا عادتها القديمة…

لست في حاجة إلى تفكيك السلوك الانتخابي والنظريات المرتبطة به، فالأمر متروك للأكاديميين الذين قد يعتمد بعضهم على ما ذهبت إليه مدرسة كولومبيا من حديث عن الناخب الاجتماعي، باعتبار الانتخابات فعل وممارسة اجتماعية، أو ما دافع عنه أتباع مدرسة ميشيغان، الذين وظفوا أدوات علم النفس الاجتماعي، لكون الناخب في نظرهم كائن عاطفي، أو ما تداولته المدرسة العقلانية، مع المفكر الأمريكي أنطوني داونز، الذي اعتبر الانتخابات سوقا للمرشحين يعرضون فيه بضاعتهم، والناخب مستهلك يبحث عن البضاعة التي تناسبه وتخدم مصالحه.

ولكن ماذا لو تساءل الأكاديميون-عن حسن نية أو عن سوء نية-أو الهيئات الدولية ذات الاهتمام بشرعية المؤسسات المنتخبة في العالم، عن تفصيلات الفئات التي شاركت في التصويت…كالتساؤل عن الفئات العمرية للمصوتين، وجنسهم، ومستواهم التعليمي، ونسبة الأمية بينهم، وعن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي…أو التأكيد على حذف نسبة الأوراق الملغاة من نسبة المشاركة، باعتبارها لا تعبر عن قرار سليم لفائدة مرشح هيئة سياسية، فهي تعبير عن تصويت أبيض، رافض لواقع الحال، ليس إلا…

هنا أخاف أن تأتي أرقام ومعطيات من شأنها أن تضيع معها كل المجهودات المحمودة التي بدلتها مختلف الجهات المشرفة عن العملية الانتخابية، ويفتح باب التوقع على مصراعيه…إذا كانت الفئة الأكثر تصويتا متقدمة في السن، واستمر الحال على ما هو عليه، قد تتراجع النسبة بعد 10 سنوات-لا قدر الله-إلى ما دون 20 في المائة…إذا كانت أغلبية المصوتين من الأميين، أو لهم مستوى تعليمي بسيط…قد يتساءل البعض عن الشرعية الشعبية للمؤسسة البرلمانية، وللحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات…أو غير ذلك من الأسئلة الحارقة التي تدفع العارفين بأحوال السياسة وأهلها إلى التفكير في إمكانية مراجعة ما يحتاج إلى المراجعة…كلام يبدو متشائما…لكنه صوت غيرة على مشهدنا السياسي…

في الأخير… فاز من فاز وخسر من خسر…وأصبح لنا مجلس نواب بمن حضر…وستكون حكومة بناء على ما ترسب في الثلث الأسفل من الصندوق الزجاجي من أوراق التصويت…لكنها حكومة دستورية منبثقة عن انتخابات تشريعية بمواصفات الديمقراطيات العريقة…حكومة لخدمة من لم يبلغ الحلم بعد…ومن لم يسجل في اللوائح الانتخابية… ومن لم يصوت… ومن صوت…وحتى من عبر عن موقف خارج السرب…

عاد بي تداخل هذه الأحداث إلى زمن الطفولة الجميل…إلى تلك الأوراق ذات الألوان المختلفة التي كانت تقدم لركاب حافلة السوق الأسبوعي، مكتوب عليها “من لم يحضر وقت السفر لا تقبل منه شكاية”…فالذين لم يصوتوا، والبالغة نسبتهم 61.98 في المائة، أو الذين لم يسجلوا أصلا في اللوائح الانتخابية، فهم كالذين لم يحضروا وقت السفر…الحافلة ستنطلق من دونهم…فلا داعي للاحتجاج…سيفتتح البرلمان في أجله الدستوري…وستتكون الحكومة وفق ما ينص عليه الدستور…طويت الصحف وجفت الأقلام…

سيعود نواب كثر من جديد إلى مقاعدهم التي ألفتهم وألفوها…وإلى تعرجات أروقة مقر مجلس النواب التي يعرفونها أكثر من أقربائهم…وأماكن الجلوس التي تعطي فسحة أكثر للكاميرات لتأخذ لهم لقطات حية على المباشر أثناء الجلسات الدستورية، خاصة تلك المتعلقة بالأسئلة الشفوية…وهي مناسبة ليطمئن مناصريه على أن أصواتهم لم تذهب هباء…ربما من النواب من عمر داخل تلك القبة المحترمة ما يقرب من نصف قرن…وما بدل تبديلا…ومنهم من تستمتع بنبرته التي تسافر بك إلى عوالم المثل، إلى أن يكسرها رئيس الجلسة بدون استئذان قائلا: انتهى الوقت السيد النائب المحترم…ومنهم من ننتظره أسبوعا أو أسابيع لنتابع مشاداته الكلامية- التي لا تخرج على اللياقة واللباقة-في إطار نقطة نظام…لنكتشف بعدها أن الزمن البرلماني يهدر في خلسة منا…تنتهي الجلسات الصاخبة والمشادات الكلامية داخل القبة…ويستمر العناق والتصافح وتبادل الابتسامات في الممرات…فالاختلاف أمام الكاميرات لا يفقد للود قضية…لا بد في الأخير أن تسود الروح الرياضية…

أما الجدد فيقدمون رجلهم اليمنى تيمنا بالدخول الأول…يتبعون خطى القدماء من أحزابهم…يكتشفون رويدا ردهات البناية استعدادا للقيام بالواجب وتأدية الأمانة التي أنيطت بأعناقهم خدمة للصالح العام…فهم واعون بأنهم منتخبون بمن حضر…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 2

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة