بودهان ضد العروي والجابري

بودهان ضد العروي والجابري
الأحد 29 مارس 2026 - 18:02

تم أمس (السبت 28 مارس 2026 ) بمدينة الناظور “حفل تأبين” الكاتب الراحل محمد بودهان. يهمني هنا أن أتناول فكر الهوية المغربية عنده من خلال عنصرين رئيسيين يتعلق أولهما بتفكير ما يعرف بالظهير البربري ويتعلق ثانيهما بمفهوم “التحول الجنسي” أو “المتحولون جنسيا” (نسبة إلى الجنسية لا إلى الجنس) الذي نحته “بودهان” نفسه. ولأن “الظهير البربري حضر بقوة في فكر وعمل الحركة الوطنية المغربية، فإن الغرض هنا هو محاولة بيان كيف أن “بودهان”، في تفكيكه ونقده لما يعتبره “أسطورة الظهير البربري”، ينتج فهما مخالفا لرؤية مفكرين مغربيين بارزين لهذا الظهير هما “الجابري” و”العروي”.

رفض السردية “التخوينية” التقليدية

يندرج تناول “محمد بودهان” للظهير البربري ضمن ما يمكن نعته ب قراءة نقدية أمازيغية معاصرة للتاريخ المغربي، وهو تناول مختلف عن السردية الوطنية التقليدية التي قدّمت هذا الظهير كأداة استعمارية لتقسيم المغاربة. فهو ينتقد بشدة الرواية التي تعتبر الظهير البربري مؤامرة فرنسية لفصل الأمازيغ عن الإسلام والعرب، ويرى أن هذه القراءة تتميز بتبسيط أيديولوجي استخدم لتبرير هيمنة خطاب قومي عربي، فضلا عن أنها ساهمت في “شيطنة” كل ما هو أمازيغي. ومقابل هذه القراءة التبسيطية، يقدم “بودهان” قراءة نقدية للظهير المذكور في سياقه التاريخي والمؤسساتي( القانوني). فلم يكن الظهير “قطيعة” مع الإسلام كما صُوِّر، بل كان يهدف إلى تنظيم القضاء العرفي الأمازيغي (الأعراف المحلية) الذي كان موجودًا قبل الاستعمار واستمر خلاله ولم يكن بالضرورة مناقضا للشريعة، بل مكمّلا لها في بعض المناطق. كما ينتقد أيضا التوظيف السياسي لهذا الظهير، حيث يرى أن النخبة الوطنية، خاصة المرتبطة بالحركة الوطنية في ثلاثينيات القرن العشرين. فإذا كانت تلك النخبة قد استغلت الحدث لتعبئة الجماهير ضد الاستعمار(قراءة ما سمي باللطيف في أماكن محددة)، فإنها قد استغلته أيضًا لبناء هوية مغربية أحادية (عروبية-إسلامية)على حساب التعدد اللغوي والثقافي المغربي.

استنادا إلى هذه القراءة، فإن الظهير يبدو كحدث تأسيسي (بالمعنى الأنتروبولوجي) لطمس “أمازيغية المغرب. ذلك، لأنه (الظهير) تحوّل إلى أداة رمزية في الخطاب الوطني استُخدمت لربط الأمازيغية بالاستعمار مما أدى إلى تهميشها في الدولة المستقلة لاحقًا. هكذا يمكن تلخيص موقف “محمد بودهان” في النقاط الثلاث الرئيسية التالية:

-الظهير البربري لم يكن مؤامرة بالمعنى الذي روّج له.

-الخطاب الوطني حوله كان مؤدلجًا وموجّهًا.

-استُخدم الظهير كحدث تأسيسي لتبرير إقصاء الهوية الأمازيغية بعد الاستقلال.

إذا قارننا قراءة وموقف الكاتب “بودهان” مع موقفي كل من عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري من نفس الظهير نلاحظ اختلافًا عميقًا في المنطلقات الفكرية وفي تصور الهوية والتاريخ بالمغرب.

1. من حيث توصيف الظهير البربري

فبينما يرى “بودهان” أن الظهير لم يكن مؤامرة بالمعنى الشائع وأنه مجرد إجراء إداري لتنظيم القضاء العرفي وأن “أسطرة الظهير” صُنعت لاحقًا لأغراض سياسية، وبينما يتم التركيز في قراءة “بودهان” على تفكيك السردية الوطنية، نلاحظ أن عبد الله العروي يتعامل مع الحدث ضمن تحليله لتشكل الحركة الوطنية، حيث يعتبره لحظة سياسية مفصلية استُثمرت لتوحيد المغاربة ضد الاستعمار. فالعروي لا ينشغل كثيرًا بتفاصيل “المؤامرة” بقدر ما يهمه أثرها التاريخي، وهو ما يعني أن التركيز عنده يقع على وظيفة الظهير في بناء الوعي الوطني. لكن السؤال هو: أي وعي وطني؟ وبالمثل تقريبا، فإن “محمد عابد الجابري” يقدم قراءة يمكن وصفها ب “قراءة وطنية كلاسيكية. فهو يرى الظهير كجزء من سياسة استعمارية لتفكيك المجتمع المغربي ويربطه بمحاولة فصل الأمازيغ عن محيطهم الإسلامي، وهو ما يعني أن التركيز عنده يقع على البعد الاستعماري التقسيمي.

2. من حيث تقييم الخطاب الوطني

يحتكم “بودهان” في تقييمه للخطاب الوطني إلى النقد والتفكيك إذ يعتبره “إيديولوجيا إقصائية”. ذلك، لأن الخطاب الوطني حمّل الأمازيغية مسؤولية وهمية بربطه إياها بالاستعمار. في حين أن عبد الله العروي لا يدين الخطاب الوطني (خطاب الحركة الوطنية المغربية) أخلاقيًا ما دام يراه خطابًا تاريخيًا ضرورياً في سياق مقاومة الاستعمار. فبالرغم من اعترافه ضمنيًا بأنه تبسيطي، فإنه يقر بفاعليته. أما الجابري، فهو يدافع عن خطاب الحركة الوطنية ويعتبره تعبيرًا عن وعي وطني مشروع، ولا يرى فيه إقصاءً، بل يرى فيه توحيدًا.

3.من حيث تصور الهوية المغربية

إذا كان “بودهان” يدافع عن تعددية الهوية (أمازيغية وغيرها) رافضا اختزال المغرب في العروبة والإسلام فقط، مؤكدا على أن الظهير استُخدم لفرض هوية أحادية، فإن العروي يتبنى تصورًا يعد حداثيًا-تاريخانيًا تُعتبَر الهويةُ داخلَه بناء سياسيا حديثا، لكنه يميل إلى اعتبار توحيد الهوية شرطا لبناء الدولة. أما الجابري فيؤكد على المرجعية العربية الإسلامية ويرى فيها الإطار الجامع الضروري دون أن يمنح الأمازيغية أي استقلال رمزي داخله. وبالإجمال، فبينما يفكك محمد بودهان “الظهير البربري” باعتباره أسطورة تستعمل كأداة لإقصاء الأمازيغية، فإن عبد الله العروي يعتبره لحظة سياسية وظيفية في بناء الوطنية، ويراه محمد عابد الجابري تعبيرًا عن مواجهة مشروعة لسياسة استعمارية تقسيمية. وإذا كان هذا هكذا بالنسبة للعنصر الأول المتعلق بتفكيك أسطورة الظهير البربري عند “محمد بودهان” مقارنة بتصوري كل من العروي والجابري، فماذا عن العنصر الثاني في فكر الهوية عند “بودهان” المتعلق بمعنى عبارة “المتحولون جنسيا”؟

المتحولون جنسيا

يعد مفهوم “المتحوّلون جنسيًا” (بمعنى الجنسية) عند “محمد بودهان” من أكثر مفاهيمه إثارة للانتباه، لأن هذا المفهوم لا يصف ظاهرة قانونية بسيطة، بل يشتغل كأداة نقدية-تفكيكية لفهم بنية الهوية في المغرب. يستعمل “بودهان” المفهوم بشكل استعاري (métaphorique). فهو لا يقصد به تغيير الجنسية القانونية فقط، بل يقصد حدوث تحوّل في الانتماء الرمزي والهوياتي من أمازيغي إلى “عربي” (ثقافيًا ولسانيًا وتمثّليًا)، ما يعني أن الفرد قد يكون أمازيغي الأصل لكنه يتبنى خطابًا وهوية تُعرّف نفسها كـ”عربية خالصة”. يدل هذا على أن التحول المقصود ليس بيولوجيًا ولا قانونيًا، وإنما هو تحول في الوعي والتمثّل. فما هو البعد النقدي لهذا المفهوم المبتكر من طرف “بودهان” وانعكاساته على مفهوم الهوية؟

يشتغل هذا المفهوم المبتكر في أولى دلالاته، ضد “الهوية المعلنة”، أي، ضد فكرة أن الهوية العربية في المغرب معطى طبيعي، ويقترح، بدل ذلك، أنها نتيجة عملية تاريخية من التحول والانخراط الإيديولوجي. ومن ثمة، فإن “العروبة” ليست أصلًا، بل هي نتيجة تَبَنّي. كما يشتغل هذا المفهوم أيضا، في دلالته الثانية، كتفكيك لما يمكن اعتباره “آلية الاستيعاب”. (Assimilation)ذلك، لأنه يكشف أن بعض مؤسسات الدولة ( المدرسة + الخطاب الديني) أنتجت نموذجًا معياريًا يرمي إلى ترسيخ: “المغربي = عربي مسلم”. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ضرب من ضغط رمزي على الأمازيغ قد يدفع إلى “التحول” للاندماج. غير أن أهم دلالة يرتبها هذا المفهوم تتمثل في إشارته إلى ما يمكن اعتباره كشفا عن “عنف رمزي”، في تقاطع غير بعيد عن تصور السوسيولوجي الفرنسي المعروف “بيير بورديو” حول العنف الرمزي. ذلك، لأن “التحول الجنسي” الذي يفلسفه “بودهان”، ليس عملية إرادية حرة تمامًا، بل يأتي نتيجة تهميش اللغة الأمازيغية ونتيجة إقصاء ضمني للهويات غير العربية، كما وأيضا نتيجة ربط العروبة بالشرعية الدينية. وهي قضايا “مختلف حولها” فكريا وديموقراطيا.

وفضلا عن هذا كله، يشتغل “المتحولون جنسيا”، في نفس الوقت، ك”أداة مفهومية أنثروبولوجية” دالة على أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية (processus)وليست جوهرًا (essence)باعتبار أن الانتماء قابل لإعادة البرمجة، بحكم أن الفرد يمكن أن يغيّر انتماءه، ليس فقط عبر القانون، كما هو الحال في الحالات السليمة، بل عبر اللغة والخطاب والذاكرة الجماعية في الحالات التي تكون فيها هذه العناصر تمارس عليه نوعا من القهر الاجتماعي. هكذا يبدو الاختلاف بين الأقطاب الثلاثة، ليس مجرد اختلاف حول حدث تاريخي (الظهير البربري)، بل يعكس ثلاث رؤى كبرى: الأولى هي رؤية “ما بعد-وطنية”، يجسدها الكاتب “محمد بودهان” من خلال تفكيك السرديات الكبرى حول الظهير، و”رؤية تاريخانية” يجسدها العروي من خلال فهم كيف تُبنى الأمم، و”رؤية تراثية-وحدوية” يجسدها الجابري من خلال الدفاع عن وحدة الهوية في ارتباطها بوحدة اللغة والثقافية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • KITAB
    الأحد 29 مارس 2026 - 23:52

    إن مجرد محاولة إجراء تقابل بين مفكرين هرميين من طينة الجابري والعروي من جهة وبين بودهان هو تعسف في حد ذاته ، تعسف على الواقع والفكر أيضا ، ذلك أن ما ذهب إليه ، في تناوله للأمازيغية ، يظل حتى الآن قابلا للجدل ، ما دامت مداخلاته كانت تنافح عن اﻷمازيغية بخلفية يستشف منها القارئ أنها كانت مبطنة بشوفينية واضحة ، بيد أن الجابري والعروي في تناولهما لظاهرة (الظهير البربري) ، كانا يصدران عن وعي وطني صادق ، قوامه الوحدة وعدم التفرقة ، أو بمعنى آخر اعتبارهما “البربر” مكونا ، واستكمالا للهوية الوطنية ، وهو ما لا يمكن ااتفريط فيه ، بيد أن بودهان ، إذا جاز لنا عقد مقارنة ، وإن كانت لا تتفق إجمالا، تناول الظهير البربري ليس كمحاولة لإحداث فرق وشرخ في الوحدة الوطنية ، بل كمحاولة لفهم “مغلوط” للتاريخ ، أريد به طمس ليس الهوية الوطنية بل الهوية اﻷمازيغية، سلمات

  • الورزازي
    الإثنين 30 مارس 2026 - 07:58

    مقارنة غير سليمة مع وجود الفارق….
    السيد بودهان لم يأت بجديد. بل شكل خطابه استمرارية لخطاب عنصري ضد كل ما هو عربي مشرقي بدأ من القبايل الجزائرية ثم انتقلت عدواه إلى باقي بلدان المنطقة…

  • عبد الله من المغرب
    الإثنين 30 مارس 2026 - 13:14

    السيد بودهان، و مع احترمنا لشخصه، ليس أهلا لمقارنته بقامات أكاديمة و فكرية مثل الجابري و العروي.
    صاحب المقال من خلال هذه المقارنة أساء لهؤلاء جميعا، بمن فيهم حتى السيد بودهان نفسه.
    إن محاولات النفخ في فقاعات الرموز يمكن أن تعود على أصحابها بعكس مرادهم..، نفخ ينتهي بانفضاح الفقاعات…

  • سعيد المغربي
    الإثنين 30 مارس 2026 - 13:28

    تحية هسبريسية لكاتب المقال ولمن سبقني من المعلقين. لم أفهم المقال على أنه مقارنة بين السيد بودهان وبين العروي والجابري، فلهذين المؤلفين سبق عظيم وباع طويل. لكنني فهمت منه مقارنة بين ثلاثة تصورات لحدث واحد. بطبيعة الحال، لكل تصور حججه. ومع ذلك لا بد من التأكيد على ضرورة المصالحة الوطنية الشاملة، مع أنفسنا وتاريخنا وأصولنا المتنوعة. إن ما دفع السيد بودهان إلى اختيار طريق الأمازيغية دون سواها هو احتكار الفئة الغالبة لخطاب العروبة دون سواها. فالإقصاء لا يؤدي إلى توحيد الصف، بل يؤدي حتماً إلى إقصاء مضاد.

  • amaghrabi
    الإثنين 30 مارس 2026 - 16:17

    شكرا سيدي علي بجراف الذي يذكرني بموطن والدتي رحمها الله وهي قرية طرارة في بني شيكر وهي قرية جميلة جدا منها تحصل مدينة مليلية على الماء الصالح للشرب ومنزل جدي من امي رحمه الله كان قاب قوسين او ادنى من دلك المنبع العظيم الذي يروي أهل البلد ويروي سكان مدينة مليلية ورحم الله الاستاذ محمد بودهان المغربي رغم أنف من يتهمه بالعنصرية ضد العربية التي تتبناها دولتنا اليوم ,وانا اتفق معه في اصالة اللغة الامازيغية وان الهوية اللغوية لشمال افريقيا هي الامازيغية احب من احب وكره من كره اما العرلبية فاصلها الجزيرة العربية من جنوبها اليمني الى اقصى حدود العراق وسوريا مع تنوع لهجاتها من منطقة الى أخرى وما لا أتفق مع المرحوم هو تبني ما يسمة بالظهير البربري الذي ظهر في وقت غير مناسب يعني نحن كنا نبحث عن استقلالنا وطرد المستعمر الفرنسي واذا بقضية مفاجئة ظهرت لتشتيت وحدتنا المغربية اما زيغ وعرب وبالتالي الاستشهاد بالظهير البربري في نظري نقطة سلبية تسجل على من يؤمن بعدالة اصحاب الظهير البربري واقول الظهير الامازيغي لان كلمة بربر لا أحبها وخاصة أن تفسيرها فيه بعض القدح وكلمة امازيغي لها معنى العز والكرامة والن

  • المغاربة اكبر من كل قزم
    الجمعة 3 أبريل 2026 - 15:19

    ٥
    هوية المغاربة واحدة لا تاني لها مغربي وافتخر فقط دون نزعة بربرية عنصرية عرقية قبلية
    هوية الاخوة والتسامح والتعايش و محبة الاخر
    هوية جمعت فوق ترابها الشريف العربي والبربري والوافدون على ارضنا دون أي فرق
    باستتناء العنصرية العرقية و كره الاخر ماهي القيمة المضافة بالبربرية
    كلنا فوق هذه الأرض المعطاة هويتنا
    الله
    الوطن
    الملك

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان