المغاربة لا يتساءلون أبدا عن سبب استعمالهم للزمن بشكل فضفاض أو غامض، كأن يتفق معك صديق على الموعد بعد صلاة العصر، أو يعِدك رصّاص أو كهربائي بالمجيء صباح السبت دون تحديد الساعة. المدن القديمة في فاس ومكناس ومراكش وغيرها لا تفتح دكاكينها سوى بعد مرور الساعة الحادية عشرة، وبعد صلاة الظهر لا تفتح سوى وراء العصر. لا أحد يحتج على هذا النظام ولا ينتقده.حتى الأمثال المغربية تتبرأ من الدقة في الالتزام بالزمن، لا زربة على صلاح، للي زربوا ماتوا، رخاها الله والعام طويل، وأمثال أخرى تستهزئ “بالمزروبين”.
لهذا السبب نجد الكثير من الخلل في النظام الإداري في البلاد، خاصة في الإدارة العمومية، فلا تجد الموظف في الساعة الثامنة أو الثامنة والنصف، وقد تجد سترته على كرسيه وسط ساعات العمل، وقد يذهب إلى المسجد يوم الجمعة فلا يرجع إلى سترته. والكثير منهم يخرجون لتناول وجبة غذاء خفيفة فيأخذون من وقت المواطنين ما شاؤوا.
حين كنت أشتغل بمدينة بعيدة 30 كيلومترا عن سكَني، كنت أتنقل يوميا، وفي الذهاب والإياب آخذ معي زميلاتي وزملائي الذين قرروا عدم الإقامة مثلي.
كان العرف أننا نتعاون على ثمن المحروقات، 10 دراهم ذهابا وإيابا، أحسن من سيارة الأجرة التي تنقلك بعشرين درهما وتتركك بعيدا عن الثانوية كيلومترين أو أكثر، تقطعها راجلا تحت الرياح والأمطار أحيانا. لكن بعض الأساتذة لم يكونوا يلتزمون بالوقت، وكنت أمهلهم خمس دقائق ثم لا يجدون لي أثرا. احتجوا في البداية واستعطفوا، فكنت أجيبهم “راه شريت السيارة وقاد بها، نمشي وحدي احسن لي من هاد الصداع” وكانوا في الأخير يخضعون لإرادتي ويلتزمون. غير أنهم يظلون على عادة حليمة مع الأساتذة الآخرين أصحاب السيارات. مرة قالت الأستاذة تورية للأستاذة نجاة التي كانت أرهقتها بكثرة التأخير: “مالك آختي ما كا تديريش هاد لفشوش مع سي علي” فترد عليها “اختي ما صبت لو جهد، داير بحال يلا جاي من الجابون، اللهم هو ولا الطاكسيات”.
بل الأغرب من ذلك، أن أستاذا صديقا لي كان يشتغل بثانوية في مدينة أصيلا، وكان يسكن داخل المؤسسة، وكان يتأخر عن إلقاء الدروس حتى يأتي المعيد ويخرجه من فراش النوم.
هذا الاستهتار بالزمن مس التلاميذ أيضا، حيث لا يلتحقون بدروسهم سوى بعد مضي زمن قد يصل إلى ربع ساعة. وقد عشنا نحن رعب الباب المقفل في الموعد في الستينيات والسبعينيات، مع رفض الإدارة استئناف المتأخرين بالدراسة إلا بعد حضور ولي الأمر، وتوقيع التزام صارم بعدم التكرار.
علاقتنا بالوقت أفسدها نظامنا الاجتماعي القديم، الذي لم تدخله العلاقات الاجتماعية الجديدة المعقدة المبنية على الضبط الزمني. كيف كان المغرب يعيش قبل 1912؟ هل كان المغاربة يمتلكون ساعات جيب أو حائط أو غيره؟
سنة 1986 قررت التلفزة المغربية تجديد شكلها وطريقة اشتغالها فيما عُرف “بالتلفزة تتحرك” وذلك لتجاوز الجمود والروتين الذي عرفته منذ إنشائها سنة 1962. وكان من بين مظاهر التجديد، الالتزام بالوقت، فكانت نشرة الأخبار تسبقها ساعة مرقمة ومسموعةُ دقاتِ الثواني، لتشعر المشاهد أن الأخبار ستكون في موعدها. لكن ذلك الالتزام انمحى في القنوات الأرضية اليوم، باستثناء ميدي1 عن طريق عد عكسي قبل الأخبار.
الاستهتار بالزمن دليل على صعوبة الاندماج في المنظومة الحضارية بمعاييرها المتعارف عليها في العالم، وانتقال المواطن المغربي من مستهتر إلى ملتزم يبدو مستحيلا اليوم، لأن التربية على الالتزام بالزمن لا توجد في البيت ولا في المدرسة ولا في الإدارة ولا في الشارع. يجب الإيمان بأن ركب الحضارة لا يلحق به المستهترون بالزمن، قد نصل باقتصاد البلد وعمرانه وبنياته التحتية ومواصلاته إلى أعلى إنجاز ممكن، لكن نظل أضحوكة في عيون الأمم الراقية، إذا كانت مواعيدنا مثل امزجتنا.
“Time is money”
“الوقت هو مال”
(Benjamin Franklin in 1748)
(1706-1790)
“The two most powerful warriors are patience and time”
“أقوى محاربين هما الصبر والوقت”
Leo Tolstoy
(1828-1910)
أشاركك القلق يا أستاذ علي، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يهدر وقته بوعي تام، في حين تسير الطبيعة من حولنا بصرامة وانضباط مذهلين، فمملكة النمل وخلايا النحل تعمل دون كلل أو تضييع لثانية واحدة من دورة حياتها القصيرة لتأمين بقائها. وحتى هذا الكون الفسيح، الذي يملك وفرة من الوقت، لا يسمح بأي عشوائية، فالأرض تدور حول الشمس بدقة متناهية لا تتأخر ثانية واحدة، والشمس تسبح في مدارها المجري بانتظام، والمذنبات تعود إلى سماء الأرض في مواعيدها المحسوبة بدقّة متناهية، مما يثبت أن الانضباط الزمني هو الناموس الكوني الذي شذّ عنه الإنسان وحده، وإن كان هذا الشذوذ لا يشمل البشرية جمعاء، فالشعب الياباني يعمل بقدسية ونظام يشبه خلية النمل، والألمان يقدسون الوقت كآلة سويسرية صارمة، مما يوضح أن المشكلة ليست جينية في جنسنا البشري، بل هي أزمة ثقافة و وعي وقيم حضارية افتقدناها نحن وصنعتها الأم التي تقود العالم اليوم.
ALHOCEIMA
ربما إستمرار تعامل المغربي مع الوقت بشكل مزاجي أساسه هو كون نظام حكمنا أساسه الإنتظار وإعطاء “الوقت” الكثير من الوقت،ولا أعتقد أن من يمتهن “الإنتظار” سيشتكي من الوقت.المغاربة يطرحون تساؤلات كثيرا،لكنهم مجبرون على الإنتظار إلى ما لانهاية له والعيش على سياسة “التقطير” في مرحلة كان منتظرا أن تكون لتدفق الحقوق المدنية والإجتماعية.يمكن أن نحاسب الموظف العمومي على كل شيء،لكن بلادنا لاتُسير بالقانون لِنُجبره على الإلتزام به،يُمكنك أن تُضيع يوما كاملا أو أكثر من أجل الحصول على توقيع “الرئيس” لشهادة أو رخصة،لأن النظام أساسه المراقبة والعراقيل ولا أحد له الحق في التوقيع بدل الرئيس حتى لو أصابه مرض عضال ألزمه التغيب لمدة طويلة ليكون الجواب “ما كينش الرئيس” وعليك الرجوع غدا أو بعده.
التوقيت غير مناسب لطبيعة الثقافة المغربية التي مثل باقي الثقافات المتوسطية تفضل السهر حتى وقت متأخر من الليل ، لذلك لا أفهم سبب بدء العمل أو الدراسة على الساعة الثامنة صباحا او التاسعة ؟! لماذا لا ييدأ العمل على الساعة الثانية عشر ؟! الاوروبيين اخترعوا ذلك التوقيت لأن النهار عندهم قصير و الشمس تغرب بسرعة أما عندنا نحن فلا .
في نظري احسن من يضبط الوقت هو المؤدن للصلاة قعود الوحيد الدي لا يتهاون في إعلان دخول الصلاة في وقتها
عندما يقول حي على الصلاة فهو ضبط الوقت في وقته دون تأخير