حين أمر على مدرستي الأولى التي تعلمت فيها أول حروف الأبجيدية، يستبد بي دون أن أشعر إحساسان متناقضان، إحساس بالشوق الطاغي إلى تلك الفترة المدرسية الغابرة التي كانت تكتنفها البساطة في أجمل تجلياتها، وتهيمن عليه الروح الوطنية الصادقة العميقة في كل صغيرة وكبيرة، وإحساس بالمرارة والخذلان، وأنا أرى القرميد الأحمر الزاهي الذي كان يسقف الحجرات الثلاث للمدرسة قد عوض بقصدير متسلط جاف، بارد في الشتاء، ملهب في الصيف، يصدم العين ويقبض القلب…
هل نحن نسير قدما إلى الأمام أم نتقهقر حثيثا إلى الوراء؟
بالتأكيد، نحن كحشرة الجعلان الوحيدة التي تمشي بالمقلوب وتدفع بقوائمها الخلفية الصغيرة كويرة الروث إلى الوراء…
والدليل بعد هذه المدرسة المشوهة الجريحة، هي فيلا المدير التي كانت في عهد المديرين الفرنسيين موسيو “سوكان” وموسيو “فاكنر”، بسنوات قليلة قبل الاستقلال، بهجة للناظرين من حيث الهندسة المعمارية “الكولونيالية” ومن حيث ما كانت تعج به حديقتها الغناء من مهرجانات صاخبة للألوان المذهلة، يعزف فيها العشب الأخضر المشذوب دائما للأشجار الباسقة سمفونية الربيع المسكرة، وتنشر فيها الورود القانية الحمراء، والفاقعة الصفراء، والساطعة البيضاء، أريجا سماويا كان يلهم حناجرالأطيار بتغاريد مقتبسة من أناشيد الجنة.
أما اليوم، فأصبحت طللا متداعيا تبكي جدرانه المهترئة على بعضها البعض، ويندب القرميد الأحمر حظه بعدما كلح لونه وعلاه غبار السنين،
وتنوح أرجاء حديقته المتصحرة باليأس والقنوط لما حل المعز محل الطيور والذباب محل الفراش…
إنه حال مأساوي يتحدث عن المآل المفجع الذي وصل إليه قطاع التعليم في بلادنا عموما…
أي إهمال وأي تردي وأي تقهقر؟
مدرسة غفساي ومسكن مديرها، هما لوحدهما صورة ناطقة للضياع والإفلاس لا تحتاج لتوضيح ولا تعليق على بؤس المنشآت التعليمية في باديتنا العميقة المنسية.
رحم الله زمنا كانت فيه المدرسة مدرسة والمعلم معلما والمدير مديرا. ثلاثي مقدس كان يكمل بعضه بعضا في تناسق وتفاهم وانسجام مطلق رغم بساطة الأدوات وتواضع المعدات.
إني كلما مررت على تلك المدرسة المنكوبة الحزينة التي أصبحت تسمى اليوم بمدرية المسيرة، أرثيها من سويداء قلبي وأنا أتذكر أستاذي الأول، الحاج الحسن مد الله في عمره، ذاك الأستاذ العبقري الذي كانت روحه تنصهر في الدرس انصهار الرصاص المذاب تحت النار المتأججة، فكان وهو في فورة حماسه وتفانيه وإخلاصه يكاد يرقى إلى مصاف الرسل الطاهرين.
وإني إن نسيت من دروسه في حياتي شيئا فلن أنس ذلك الدرس المدهش المبهر الذي حدثنا فيه ونحن في قسم المتوسط الأول عن نزول الوحي على المصطفى الأمين (صلعم).
لقد كانت عيناه ويداه وصوته وكل تقاطيع وجهه تتفاعل مع بعضها البعض في بطء وسرعة وصعود وهبوط جعلنا نكاد نحس بحفيف أجنحة جبريل عليه السلام وبشخص النبي الكريم وهو يقف أمامنا جميلا طاهرا مذعورا يجيب:
ـ ما أنا بقارئ…
أذكر ساعتها أنني انبهرت مع أترابي انبهارا حادا عميقا ملك علينا فيها شوق حارق رؤية الرسول والملك كل ذرة من ذرات كياننا الصغير.
كما أذكر أني بعد هذا الدرس العظيم بأيام قليلة، طرأت في رأس الطفل الساذج الذي كنته وقتئذ فكرة غريبة كلما استحضرتها قفزت على فمي بسمة عريضة فيها حنين دافئ إلى ذلك الماضي الجميل الغابر.
ذات يوم من أيام الآحاد التي يذهب فيها سكان “الدوار” إلى السوق الأسبوعي، قصدت ربوة ملتفة الأشجار تتواجد بالقرب من منزلنا، فتوضأت من ماء مرج كانت ترد منه مع حلول العصر قطعان كثيرة من الغنم والمعز، واندسست في الغابة الصغيرة إلى أن وجدت شبه غار صخري صغير تعشش على جنباته عناكب كثيرة، فجلست متأملا لحظة طويلة على غرار ما حكى لنا المعلم في قصة نزول الوحي، ثم قمت بعدها وشرعت في تلك الخلوة التامة أصلي بدون انقطاع إلى أن أدركني الوهن، فعدت وجلست وأنا أتأهب للمعجزة العظيمة، معجزة نزول جبريل علي بالوحي…
انتظرت وانتظرت، فخاب أملي ولم ينزل جبريل، وإنما نزلت علي قبضة البرد حينما انتشلتني من نوم عميق في ساعة كان الليل فيه قد أرخى سدوله.
رجعت إلى بيتنا محبطا مهموما، فعاودت الكرة مرات عديدة بعدما أقلعت فترة عن مطاردة الفراخ وعن جميع تلك الشيطة الطفولية التي ظننت أنها هي من حالت دون نزول الوحي علي…
ياألله… كم كانت مدرستي جميلة وكم كان معلمي رائعا رغم قضيب الزيتون الذي لم يكن يفارق يده.
لقد كانت المدرسة معبدا والمعلم شبه رسول يحترم ويبجل، أما اليوم، فأصبحت بعض المدارس ملعبا والمعلم يضرب ويقتل…
والله سيد احمد امتعنا حفظك الله واعدت بنا الداكره الى الزمن الجميل.بالاضافه الى تراجع الدور التربوي للمدرسه فحتى اسر هدا الزمان تخلوا عن ملازمه ابنائهم وتهديبهم وتعويدهم احترام المدرسه والجيران والاكبر سنا.
شموخك في تواضعك شموخك في هدوئك نفس هدوئ كلامتك التي تأخذ
من الوقت مطية وتمشي على إيقاعه لتأخذ منه كل ماأكتسب من الحكمة
والجمال لتأخذ منه كل ماأكتسب لترسم أجمل اللوحات
هاهي كلمات لغتك التي ظنوا أنهم "سيدمرون نفسيتها" لتصبح صراخ
وعويل…لكنها في صمت هادئ تطلع مع الفجر لتحكي حكاية الروح والجمال
ولازالت تحكي بهدوئ ونور
شكرا أخي مرزوقي
خريبكة
je suis de ghafssay aussi et j vous dis Mr EL MERZOUkI que toute la province de Taounate est fière de vous je lis regulierement vos écrits votre style simple me comble de plaisir que dieu vous potège
استاذي و ابي احمد،
احبك في الله وادعو لك من قلبي في هذه العشر الاواخر.
هذا اول تعليق لي في جريدة او في النت، لاني كرهت (ظمة على الكاف و شدة على الراء) في بلدي!!!! اصبحت استحي من جنسيتي.
استاذي احمد اتمنى لقائك لاستزيد من طاقتك و طيبوبتك.
كل كلمة اقولها في حقك لا تفيك ولو شيئا منه.
انت الرجل بالاخلاق، بالشهامة،بالاخلاق الحميدة.
احترماتي ..
التعليم بالمغرب إنهار منذ أيام الحبيب المالكي.. الحاصول الله ياخذ الحق
الله الله على قصة رائعة كتفكرنا في الماضي البعيد…………
شكرا لسي المرزوقي
فعلا هي ذكريات رائعة تبعث الفء في النفس، و تذكرنا على الإقل بزمن كنا نبجل فيه المعلمين و المعلمات بدل أن نهديهم طعنات من السكاكين على أجسامهم كما صار يحصل اليوم. واتناقضاه. أقسم بالله أني ما زلت أخجل، وأنا في الخامسة و الأربعين من عمري، من كل أستاذ أو معلم درسني
أسلوب رائع سلس و مشوق يجعلني أتوق لقراءة مقالاتك. و كما كانت روح أستاذك تنصهر في الدرس، فإن روحك تنصهر في كتاباتك لنعيش الأحداث كما لو عشناها حقيقة.
احمد المرزوقي …العا يد من زمن الغرف الرطبة وصمت الجدران …وخراب الليل ………..لك تحياتي الكبيرة …المجرمون طواهم الموت في قماماته …واصبح الجلا دون مجرد اشباح تهذي …في عزلة قا تلة….انت الا ن جميل بذاتك بروحك….با نسا نيتك..التي ما انكسرت ..رغم مسلسل الرعب….هم الا خرون…الجلا دون..الا احياء منهم والا موات….الكبا ر والصغار……ذرتهم رياح…النسيان…وانت…حاضر…فينا…كا غنية ثورية من زمن جميل…يستعصي على……………………………الرحيل….شكرا اخي….محمود من العيون الصحراء التي تتوسد حلمها…الخاص….
bonne continuation… exellent…..mon lieutenant
ماروعك’ وما اروع كتاباتك التي تمتطي بنا صهوة جواد زمن رحل تاركا دكريات لا تبلى ,
عزيزي احمد حياك الله . رحم الله زمانا كان كل شيء جميلا المدارس الطبيعة الهواء النقي اما الان فكل شيء يجرح العين ويخدش الحياء ولا حول ولاقوة الا بالله
البركة فراسكم . رحم الله التعليم المغربي و اسكنه فسيح جناته
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
بارك الله فيك أخينا المرزوقي، أنا من المتتبعين لمقالاتك الرائعة اللتي أستفيد بها كثيرا.
فقط أريد أن أذكرك و نفسي أنه يجب علينا أن نتأدب مع الرسول صلى الله عليه و سلم حين نذكره، بمعنى عندما نذكر رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم في مقالاتنا يجب أن نكتب الصلاة و السلام عليه كاملة غير منقوصة، كتابة هذه الجملة خير من كل ما كتبناه في حياتتا و من كل ما سنكتبه في ما تبقى من حياتنا، إلا ما كان له علاقة بذكر الله و ما والاه ، عندما نكتب (صلعم) ونتـفـنَّـن في باقي المصطلحات اللتي ترفع مستوى المقال و تعجب القراء، أكيد سننال ما ابتغيناه في الدنيا، وأكيد سوف تعود علينا هذه المصطلحات حسرات يوم القيامة إن أخطأنا النية و تكاسلنا في تصحيحها.
وما من كــاتب إلا سيفنى … ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شىء … يسرك يوم القيامه ان تراه
تحياتي
يالله .. لقد كرتني بأيام طفولتي الرائعة في مدرستي الابتدائية امام علي بالبيضاء .. كانت مدرسة رائعة بمعلميها و أساتذتها .. حيت اني اتذكر استاذ القسم الأول رحمه الله و قد كنت عزيزا و محببا اليه انه في مرة استدعاني و حملني و قد صغير قزم لأتعارك معه في القسم .. كما يفعل اب مع طفله .. و أتذكر اني أخدت ذلك على محمل الجد فتوسخت ملابسه .. و لما مررت الى المستوى الثاني كانت لنا استاذة لم اعرف لها مثيلا في التعامل و الحب مع الأطفال .. اسمها زكية بارك الله فيها هي من علمتني الصلاة و احست و الوضوء و علمتنا اية الكرسي بارك الله فيها و لقد كانت مثل أمي لدرجة انني مرة ي القسم الثالت لم أعرف ان اقوم بعملية فهددتني الأستاذة بأن تحضر لي أستاذتي زكية لترى انني لم اعرف لها و أنا أرجوها ألا تدعوها … ياااااااه أيام مرت و تبقى الذكريات و أنا اليوم باقي لي 3 سنوات لأتخرج مهندس في الكهرباء و الالكتروتكنيك 🙂
للاشارة معلمتي زكية لا زلت ألتقي بها حتى يومنا هذا ^^
شكرا لك اخي و صديقي مرزوقي بارك الله فيك
مراد شواف
يا أخي أحمد ما وقع لمدرستك في غفساي وقع لمدرستي في قرية الزواقين القريبة من غفساي كذلك ، المدارس خربت وشوهت معالمها وتراجعنا سنوات كثيرة إلى الوراء ، تقبل تحياتي وأتمنى أن ألتقي بك لما أزور المغرب ، كما أنه من عندنا كذلك سجين سابق كان معك هو العفياوي .
يا ليت الإستعمار يعود يوما………………………………………………!
حشرة العجران و ليس الجعلان كما ورد في المقال و شكرا
دمت بطلا و قلما غزيرا. فالبطل يموت واقفا.
السلام عليكم
لقد مررت هذا الصباح أمام مبنى المدير. للعلم ما زال المبنى محتلا. وقفت اتأمل هذا الخراب والدمار الذي لحق بهذه البناية .انه لأمر سخيف لما الت اليه هذه التحفة النادرة.لا حول ولا قوة الا بالله
م درستي لحلوا فيها امتلءت البطون المجرذة من الحسد العام
الايام تمضي و اللكمات تبقى قا قا
التعليم صراحة اعطى النوابغ بالمجان و لي قلب خلب على ي منجل يحصدو يلقاه معا للويا يلا كنت عدوي 'العدوه" دوي سينو نسا حتى لشي عام واجي نطبع …..لك موووووه د
Le même sentiment d'amertume m'envahit chaque fois que je visite mon école à Mastassa.
Dans le temps, l'instituteur dépensait une fortune pour le matériel didactique et l'entretien de la classe.
Si Masbahi, Si Hajji, Si Ouhalli, Si Fares…ces hommes qui se sont sacrifié pour instruire une génération de petits campagnards garçons et filles…
Aujourd'hui, les classes ressemblent à des istablat…
Il y a de quoi écrire des romans, malheureusement alkasal almaarifi youhasirona
أنت من الناس الذين سيدكرهم التاريخ, لأنك تعكس واقع المغرب في فترة من الزمن.
اذا كان نيلسون منديلا أقدم سجين في العالم فأصحاب تازمامرت مصنفون كأقسى ضروف قد يعيش فيها سجين و يفلت من الموت.
اتمنى ان لا تغيب عنا كتابتتك, فاذا كنت تقول انك كاتب عمومي. فالله حباك بالقدرة على ان تصبح كاتبا حقيقيا.
أكتب فان الكتابة تنفس عن الروح و تبقى خالدة.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
استادنا نشكرك جزيل الشكر على الكلمات الجميلة و الاسلوب الجميل الدي ياخدنا بين احضانه و الدي من خلاله نسترجع الزمن الجميل و ياخدنا الحنين الى المدرسة الجميلة و المعلم المحترم بكل المقاييس . نتمنى المزيد من التالق.
ام مريم و ايمان
aussi fière de suivre vos écrits Mr Marzouki je vous souhaite tout le bonheur du monde
20 – ابو صلاح الجمعة 02 غشت 2013 – 17:46
حشرة العجران و ليس الجعلان كما ورد في المقال و شكرا
دمت بطلا و قلما غزيرا. فالبطل يموت واقفا.
الصحيح هو حشرة الجعران و ليس العجران او الجعلان.
ومعذرة.
الظلم مؤذن بخراب العمران (ابن خلدون والمقدمة)
سي احمد ….درس ابي رحمه الله في المدرسة التي دكرتها سنوات 57 و58وقد يكون درسك العربية لانه يعرف عائلة مريزق حق المعرفة ويعرفك انت بالضبط لا اريد اعطيك اسمه الكامل واكتفي باسمه الاولي احمد كان معلما في غفساي وكان معه ابن اخيه التهامي
اردت ان اشكرك على تذكرك بالماضي و بالاخص مدرسة غفساي
شكرا لك و اطال الله عمرك و راعاك
ابن عمك