في هذا المكتوب، الذي ينشر على حلقات طيلة شهر رمضان، دعوة صادقة إلى الإقبال على الحياة. إنه يقول، من خلال سرد أحداث واقعية من حياة إعلامي مغربي قهر المستحيل بقدم واحدة، إن الحياة جهد وعرق وتضحية.. وإنها – قبل ذلك وبعده – جميلة حقا، وتستحق أن تعاش.
أعود إلى طفولتي..أعود إلى ذلك الطفل الذي لم يكبر أبدا.. ولست أراني، على حقيقتي، إلا في عينيه، نظراته قبل ثلاثين عاما معيارٌ في إنسانيتي. في ذلك المساء، كان يتابع زملاءَ الدراسة، يتقافزون في ساحة الرياضة؛ ويعلم الله أنه لم يطرح، يوما، ذلك السؤال البليد على نفسه:
– لماذا لا “أستطيع” اللعب معهم الآن..
ولم تخل حصة الرياضة من تعليقاته على أداء زملائه؛ وإنه ليذكر كيف كان يحدّث المعلم، في ساعة الاستراحة، عن مباريات كأس العالم في ذلك العام، ويبدي آراءه في خطط اللعب ولياقة اللاعبين ومهاراتهم؛ وكان المعلم الطيّب يضحك حتى تبدو نواجده، لكن لذلك المساء طعم آخر.
شدّني أحدهم من ساعدي وجذبني إليه بشدة وهو يقول:
– سابوقا !
وهذه الكلمة تتضمن، باختصار، دعوة إلى السباق.. كان قوي الساعد، على الرغم من نحافة جسده.. وسرعان ما لاحظت أنه يضع كفّه أعلى ركبته كأنه يتكئ عليها، ثم انطلق “كالسهم” يخطر بعرجته في مطاف السباق ويحثني على اللحاق به إن استطعت.
ولحقت به تحت أنظار التلاميذ الذين انطلق صياحهم يدعم المتسابقيْن الفريديْن. قد علمنى هذا الفتى كيف أكون خامّا لم تمتد إليه يد التصنع والتكلف والزيف؛ وكان ذلك أحد مداخلي إلى ارتياد آفاق الفن الواسعة، باحثا عن جوهر الإنسان ومعناه ومنبع جماله.
وصادف أن مدير المؤسسة كان يشرف على خروج التلاميذ من المدرسة، كان يقطع الصفوف المتراصّة جيئة وذهابا، ثم توقف فجأة واستدار نحوي:
– أنت.. آخر مرة.. سمعت..
ولم أعلم عن أي مرّة يتحدث الرجل، فسألته بأدب ظاهر، لكنه نأى بوجهه عني؛ ومن المفارقة أنه كان يحسبني الفتى الذي سابقني، وقد كان فتى مشاغبا وكنت تلميذا نجيبا، على ما يجمع بيننا من الحالة الجثمانية المشتركة.
وكان من كلفي بالمسرح أن جربت العودة إليه، بعد التجارب الطفولية الساذجة، فدعوت أصدقائي إلى أحد الأقسام الفارغة ورتّبنا مقاعد الدرس بحيث تصبح منصة تمثيل، ثم أخرجت أوراقي، وكانت نصوصا مسرحية متفرقة، وشرعت أُملي على الممثلين أدوارهم؛ لكن الحارسة كانت لنا بالمرصاد، وفشلتُ مرة أخرى!
في هذه الفترة، قرأت أغلب ما كتب توفيق الحكيم من مسرحيات. وكانت المكتبة البلدية بلسم جراحي والفضاء الذي أحتفظ له بذكريات في صميم القلب وبين شغافه. كنت أهيم وجدا وأحلق بعيدا إلى حيث لا أرض ولا سماء، وأنا أتصفح مسرحيات الحكيم وروايات نجيب محفوظ وغيرهما كثير.
وقد عاودنا الكرة مرات، وكنا نؤدي أدوارنا في ساحة المدرسة أحيانا وفي فصول الدرس الفارغة أحيانا. وأحدس أن كل ذلك لم يكن سوى لهوا ولعبا وانتهى السؤال.
لكن محاولتي الجادة الأولى كانت بعد ذلك بأعوام؛ فقد شاركنا في ملتقى مسرحي بمدينة أخرى، وكنا فتيانا لم نجاوز السادسة عشرة. لكن الملتقى ألغي ولم يكن في جيوبنا، مجتمعين، سوى دراهم معدودات.
جميل جدا.
اتابعك بشغف خلال هذا الشهر ….استمر
نص سردي ممتع آخر، وبوح صادق يأخذنا الى عوالم أخرى لا يعرفها أغلبنا.. كتابة محترفة، وأسلوب يحتوي على حيوية وحركية وانسجام تام مع المضمون.. تحياتي أستاذ سمير
السلام اخي سمير
عندما اقرأ نصك، اتذكر كل ما امضيناه معا.
سعيد جدا لنجاحك رغم كل العراقيل.
والله إن الطفولة لمرحلة جميلة في تاريخ الإنسان ،نحن إليها كثيرا عند كبرنا، تحية لك أخي سمير