مذهب الدولة الاستراتيجية

مذهب الدولة الاستراتيجية
الخميس 30 يوليوز 2026 - 23:37

ثمّة خطاباتٌ تُكتب لتُطوى في أرشيف المناسبات، وثمّة خطاباتٌ تُؤسِّس لمرحلةٍ جديدةٍ في مسار الأُمم. والخطاب الذي وجّهه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى شعبه الوفيّ مساء التاسع والعشرين من يوليوز 2026، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلائه عرش أسلافه الميامين، ينتمي بلا ريب إلى الصنف الثاني. فقد جاء هذا الخطاب، في عتبة السنة الثامنة والعشرين من الحكم، بمثابة بيانٍ فلسفيٍّ وسياسيٍّ متكامل، يُشرِّح فيه جلالة الملك تحوُّل المغرب من أُمّةٍ تبحث عن موقعها في سلّم الإقلاع إلى قوّةٍ سياديةٍ صاعدة، تُبحر بثقةٍ راسخةٍ في بحرٍ دوليٍّ تتلاطم فيه الأزمات من كلِّ صوب.

بعيدًا عن لغة الانتشاء والخطابة الاحتفالية، يقدّم هذا الخطاب ما يمكن تسميته بـ «مانيفستو الدولة الاستراتيجية” في صيغتها المغربية. فهو، إذ يتقاطع فيه البُعد الاجتماعي مع الاقتصادي والجيوسياسي، يكشف عن عقيدةٍ للحكم يقوم على ثلاثة أركان: الاستقرار بوصفه سلاحًا مطلقًا، والاكتفاء الاستراتيجي بوصفه عقيدةً تنموية، وكرامة المواطن بوصفها البوصلة التي لا تحيد.

أولًا: تفكيك الأنا الجيوسياسية لصالح العقد الاجتماعي

تصدّر الخطابَ عبارةٌ تحمل دلالةً فلسفيةً عميقة، وتكاد تشكّل قطيعةً مع أنماط الحكم السائدة في المنطقة، حين قال جلالة الملك: «كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم».

في هذه الجملة المكثّفة، يُجري جلالة الملك تفكيكًا جذريًّا لثقافة “الأنا الجيوسياسية” التي طبعت قياداتٍ عديدةً في العالم النامي. فهو يُعيد تعريف الشرعية السياسية لا بوصفها امتدادًا للبروز الدولي أو استعراض القوّة، بل بوصفها تجسيدًا لعقدٍ اجتماعيٍّ متجدّد. إنّ هذه الرؤية، التي تستحضر في جوهرها فلسفة العقد الاجتماعي، لكنّها تتكيّف مع الثوابت الوطنية المغربية، تضع “الكرامة” و”الحرية” في قمّة هرم الأولويات. ومن هذا المنظور تحديدًا، يغدو تعميم الحماية الاجتماعية ليس مجرّد سياسةٍ عموميةٍ عابرة، بل أساسًا أخلاقيًّا للدولة المغربية المعاصرة.

ثانيًا: مذهبٌ في الحكم.. الدولة-الأمة بوصفها إطارًا حضاريًّا

ما يلفت الانتباه في الخطاب هو استحضار جلالة الملك لمفهومٍ دقيقٍ حين قال إنّ المغرب «دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة – أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل».

إنّ الإحالة إلى مفهوم “الدولة-الأمة” ليست مجرّد تعبيرٍ بلاغيًّا، وانما هي إقرارٌ أكاديميٌّ بأنّ المغرب لم يكن يومًا كيانًا مصطنعًا على خريطة الاستعمار، بل هو كيانٌ حضاريٌّ متجذّر، تسبق دولته الحديثةُ أمّتهاَ الثقافية. هذا الوعي التاريخي هو الذي يُفسّر، من زاوية علم السياسة، سرّ صمود المؤسّسة الملكية كحاضنةٍ للوحدة الوطنية، وكرافعةٍ لتجاوز التصدّعات الإثنية والجهوية التي تعصف بكثيرٍ من دول الجوار.

ثالثًا: الاستقرار، من “العملة النادرة” إلى الرأسمال الاستراتيجي

في سياقٍ دوليٍّ تتسم فيه الخارطة الجيوسياسية بعودة الحرب إلى أوروبا، واستمرار التوتّرات في الشرق الأوسط، وتصدُّع البنية الأمنية في منطقة الساحل، يُقرّ جلالة الملك بحقيقةٍ ساطعة: «ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن».

ويُضيف في الجملة التي تليها ما يُشبه تعريفًا اقتصاديًّا للاستقرار: «فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب».

والقراءة الأكاديمية لهذا التأكيد بالغة الأهمّية. فالمغرب لم يعد ينظر إلى الاستقرار بوصفه مجرّد حالةٍ سِلميةٍ ساكنة، وانما بوصفه متغيّر التعديل الاقتصادي الأوّل في معادلته التنموية. هذا الاستقرار هو الذي مكّن المملكة من امتصاص الصدمات الخارجية (الأزمات الوبائية، واختلالات سلاسل الإمداد العالمية) والداخلية (التدبير الاستباقي لفيضانات الغرب والشمال). ويُفصح الخطاب عن أنّ المؤسّسة الملكية تضطلع بدور “المُثبِّت التلقائي” إزاء الاضطرابات الإقليمية، موفّرةً للمستثمرين والشركاء درجةً من القابلية للتنبّؤ تفتقر إليها بشدّة الأسواق الناشئة المنافسة.

ولعلّ من أبلغ الإشارات الدبلوماسية في الخطاب تلك الجملة التي جاء فيها إنّ التنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية «جعل المغرب محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا». إنّها عبارةٌ موجزةٌ تحمل في طيّاتها قراءةً باردةً للجيوسياسية: فكلُّ نجاحٍ مغربيٍّ يُولّد حتمًا ردودَ فعلٍ من خصومٍ يعجزون عن مجاراة نسق الإنجاز.

رابعًا: اقتصاد السيادة، تغيُّر النموذج التنموي

على المستوى الماكرو- اقتصادي، يُؤذِن الخطاب بانتهاء دورةٍ وبداية أخرى. فالمغرب لم يعد مجرّد منصّةٍ للتصدير أو ورشةٍ للتجميع، لقد ولج عصر السيادة الصناعية والتكنولوجية بمعناها الشامل.

والأرقام التي أوردها جلالة الملك ليست مجرّد مؤشّراتٍ إحصائية، بل أعراضٌ لتحولات بنيويةٍ عميقة:

تحول جذري في محرّكات التصدير: يقول جلالة الملك: «إذ أصبحت المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا. وهو ما جعل صادرات المغرب من قطاعات السيارات والطيران، تفوق %40 من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط». إنّها ثورةٌ صامتة، فالعصب الاقتصادي الذي اعتمد عليه المغرب لعقودٍ قد أُعيد تشكيله بالكامل.

الاستباق التكنولوجي: الرهان على البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر يكشف عن رؤيةٍ تتجاوز الدورات السياسية القصيرة. وقد جاء في الخطاب: «كما أن تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية».

سيادة الدفاع: أمّا الإعلان الأثقل دلالةً جيوسياسية، فيتعلّق بـ«إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني»، والتي «ستساهم تدريجيا، في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص التنمية، وترسيخ مكانة بلادنا كقوة إقليمية في هذه الصناعات». إنّها إشارةٌ بالغة الوضوح مبعوثةٌ إلى الحلفاء والخصوم على السواء: المغرب عازمٌ على تأمين بياناته، وحماية بُناه التحتية الحيوية، والتحكّم في مصيره الأمني دون ارتهانٍ حصريٍّ للمورّدين الأجانب.

خامسًا: حتمية الاكتفاء الذاتي والمرونة المناخية

يُبرز الخطاب عقيدةً جديدةً ولدت من رحم الأزمات المتعاقبة: الاكتفاء الاستراتيجي. يقول جلالة الملك: «في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية».

وخير تجسيدٍ لهذا التوجّه، كما ورد في الخطاب، أنّ «الصناعات الغذائية والدوائية، أصبحت تغطي ما يقارب %80 من الحاجيات الوطنية». إنّها أرقامٌ بالغة الدلالة في زمنٍ كشفت فيه الجوائح والحروب هشاشةَ الاعتماد على الخارج في أبسط مقوّمات الحياة.

إلى جانب ذلك، فإنّ الإشارة إلى «الأمن المائي والغذائي» في سياق حملةٍ فلاحيةٍ جيّدة، مقرونةً بالتدبير الاستباقي للفيضانات، تُبيّن أنّ المغرب قد أدمج المتغيّر المناخي لا بوصفه قدرًا محتومًا، بل بوصفه مُعطىً تخطيطيًّا استراتيجيًّا. المملكة تتعلّم أن ترقص مع الطقس، محوِّلةً هشاشتها إلى فرصٍ للابتكار.

سادسًا: عصب المعركة، تعبئة الرأسمال الوطني

من أكثر الرسائل مباشرةً وحدّةً في الخطاب تلك الموجَّهة إلى القطاع المالي. فحين يحثّ جلالة الملك القطاعَ الماليّ الوطني على «مواصلة العمل على مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير»، فإنّه يضع إصبعه على اختناقٍ بنيويٍّ مزمن.

ويذهب أبعد من ذلك حين يُشدّد على «التعبئة المثلى للادخار الوطني، لاسيما المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية». الرسالة واضحةٌ لا لبس فيها: لم يعد في وسع المغرب تمويلُ إقلاعه بالاقتراض الخارجي أو بالاستثمارات الأجنبية المباشرة وحدها. إنّها ساعةُ “الوطنية المالية” وتحديث أسواق الرساميل. جلالة الملك يطلب من المنظومة المالية أن تخرج من منطقة راحتها التقليدية لتغدو محرّكًا حقيقيًّا للتصنيع والابتكار.

سابعًا: الدبلوماسية المتعدّدة الأقطاب، تنويع الرهانات

في فصلٍ جيوسياسيٍّ بامتياز، أعلن جلالة الملك عن توجّهٍ استراتيجيٍّ بالغ الأهمّية: «كما اختار (المغرب)، بكل التزام ومسؤولية، تنويع شراكاته، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا، والرفع من قيمتها في مختلف المجالات».

إنّها صياغةٌ دبلوماسيةٌ راقيةٌ تعني، في قراءتها الاستراتيجية، أنّ المغرب قد تجاوز مرحلةَ الاصطفاف الثنائي (الغرب/الشرق، أوروبا/أمريكا) إلى مرحلةٍ ثالثةٍ هي مرحلة “الندية المتوازنة”.

فالمغرب، كما جاء في الخطاب، «أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا»، وهو ما مكّنه من أن «يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه». إنّها معادلةُ قوّةٍ جديدة: لم يعد المغرب في موقع المُلتَمس، بل في موقع المُنتَقِي.

ثامنًا: استمرارية الدولة في مواجهة التناوب السياسي

تتضمّن خاتمة الخطاب رسالةً سياسيةً دقيقةً لكن حازمةً موجهةً إلى الطبقة السياسية. فبإشارته إلى الاستحقاقات التشريعية المقبلة والحكومة الجديدة، يُذكّر جلالة الملك بأنّ «المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني».

إنّها درسٌ في علم السياسة: الرؤية الاستراتيجية للدولة (“الزمن الطويل”) يجب أن تسبق الزمن القصير للتناوب الحزبي. جلالة الملك يُثبّت هنا البوصلة التي ستوجّه السلطة التنفيذية المقبلة، حين قال إنّ الدورة الجديدة في المسار التنموي سيكون «شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى». إنّها تكريسٌ للنموذج المغربي الذي تضطلع فيه الملكية بضمان استمرارية الدولة واتّساق السياسات العمومية، بينما تُكلَّف الحكومة بأن تكون جهازًا تنفيذيًّا صارمًا ومُسيِّرًا ناجعًا.

خاتمة: مغرب 2026.. قوّةُ التوازن

في سبعةٍ وعشرين عامًا، أنجز جلالة الملك محمد السادس ما لم يُنجزه سوى قلّةٍ من القادة في الجنوب العالمي: تحويلَ بلدِ عبورٍ إلى بلدِ وجهة، وأُمّةٍ هامشيةٍ إلى فاعلٍ محوريٍّ في التوازنات الأورو- إفريقية.

خطاب التاسع والعشرين من يوليوز 2026 ليس خطابَ ملكٍ يتأمّل في المرآة الخلفية، بل خطابُ مهندسٍ يتأمّل الأسس المتينة التي أرساها، ثمّ يشير بإصبعه إلى ورشات السيادة الشاملة التي تنتظر الإنجاز. بعشرين مليون سائح، ونسبة نموٍّ تقارب خمسة في المائة، وصناعةٍ متطوّرة، ودبلوماسيةٍ متنوّعة، ودولةٍ اجتماعيةٍ مُفعَّلة، يؤكّد المغرب حضوره لا بوصفه قوّةَ هيمنة، بل بوصفه قوّةَ توازنٍ وشراكةٍ ومرونة.

وحين يختم جلالة الملك خطابه بالآية الكريمة: «إن الله لا يضيع أجر المحسنين»، فإنّه يُذكّر بأنّ الغاية القصوى من القوّة، في فلسفة الحكم المغربية، ليست المجدَ ولا الاستعراض، وانما الخيرَ العام. إنّها أخلاقُ سُلطةٍ تمنح النموذجَ المغربي، في زمن القوميّات العدوانية والأزمات الكونية، صدىً يتجاوز الحدود.

باحث في العلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا