بعد رجوعي للبيت متعبا بمشاغل الحياة، وجدت نفسي محاصرا بزحمة الأخبار، العاجل منها والآجل…إلا أن ما استوقفني، هي تلك الصور والمشاهد من الجلسة الافتتاحية لأشغال الدورة 63 للجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية-الانتربول، التي انعقدت بمدينة مراكش…أحسست بالقشعريرة وأنا أرى تلك الوجوه الحازمة، والنظرات الثاقبة لعيون المسافرة في سكون الصمت بين تقاسيم وجوه توحي لك أنها لأناس من طينة أخرى، غير التي ألفناها في شوارع الحياة العادية…أصابع أيدي أصحاب الصفوف الأولى متشابكة وموضوعة على الركب بنظام وانتظام…السكون والجدية والانضباط يعم المكان…نياشين وأوسمة ورباطات عنق تزيد الحاضرين هيبة ووقارا…إنها الكاريزما بكل تجلياتها…ببساطة كيف لا وهو اجتماع الانتربول…لوحدها هذه الكلمة تشعرك أنك مبحوث عنك…ومبحوث عن ذلك الطفل الذي لم يبلغ الفطام بعد…ومبحوث أيضا عن ذلك الشيخ الهرم الذي ينزوي في ركن مسكن من قش في مكان مجهول من الوطن، رفقة سعال أخلصا لبعضهما الصحبة منذ زمن…تشعرك تلك الوجوه أن القوم يملكون علبا سوداء تحمل لوائح الثعالب والذئاب الشاردة من المجرمين الدوليين والمحليين، الحاليين والمرتقبين، وحتى الذين لم يولدوا بعد…وحين تستمع لتصريحات المسؤولين…يغمرك إحساس بالرغبة في تسليم نفسك، رغم أنك مخلوق مسالم ووديع جدا، كشخصية “بيضة” في إحدى الأعمال المسرحية لكبور بناني السميرس، حين تحدث عن قضية الموت…كما لا يفوت المتتبع تلك الخلفية الزرقاء ذات الأشكال الهندسية المتناسقة التي زادت المشهد رهبة وإجلالا…كيف لا تتزاحم داخلك تلك الأفكار المتناقضة، التي تنسيك تعب اليوم…وتنسيك من يجالسك من الولد والأهل…وتنسيك لون وطعم الطعام الذي انتظرته طيلة اليوم…كيف لا وأنت في حضرة الانتربول…
بعيدا عن هذه المقدمة الشاردة…تساءلت: لماذا اجتمع القوم في وطني؟ كانت الإجابة بديهية…لأن وطني أصبح رائدا في المجال الأمني…ثم تساءلت: ماهي مرجعيات هذه الريادة الأمنية المغربية؟…هل هي نتيجة مجهودات شخصية لمسؤولين أمنيين جاء بهم القدر قدرا إلى المكان المناسب في الوقت المناسب؟…أم أن الأمر يتعلق فقط بحزمة إجراءات وقتية فرضها واقع الحال؟…أم أن الأمر يتعلق باختيارات استراتيجية دقيقة، ممتدة في الزمان والمكان، تعكس إرادة قوية ومسؤولة لجميع الفاعلين في تدبير الشأن العام، وخاصة الشأن الأمني منه…؟
لم أتردد في الرجوع إلى مصنف سبق وأن نشرته سنة 2023، حول المفاهيم والرؤى الواردة في خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم والرؤى المتعلقة بالمجال الأمني…فاتضح أن الريادة الأمنية المغربية لها مرجعياتها العميقة في التوجيهات الملكية…وأن الإشعاع الدولي، والإشادات التي تحظى بها الأجهزة الأمنية المغربية قاريا ودوليا لم تكن وليدة الصدفة…بل تنزيلا فاعلا وفعالا للتوجيهات الملكية…
وفيما يلي بعض الإشارات المتعلقة بالمجال الأمني التي تضمنتها بعض الخطب والرسائل الملكية، كما وردت في التصنيف المذكور.
لقد أكد صاحب الجلالة في العديد من الخطب والرسائل، على ماهية الأمن، وكيفية تحقيقه، وعلاقة الأمن بالتنمية، والتأكيد على تقاسم التجربة المغربية دوليا، والمكانة الاعتبارية لرجال الأمن، وغير ذلك من القضايا ذات الصلة بالمجالات الأمنية، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي.
مفاهيم أمنية
يلاحظ المتتبع للخطب الملكية أنها تتضمن مفاهيم ورؤى مرتبطة بالعديد من القضايا، وفيما يتعلق بالمجال الأمني، تضمنت بعض الخطب والرسائل مفاهيم أمنية، من بينها مفهوم ” الأمن الإنساني الشامل”، الذي تضمنته الكلمة التي وجهها جلالته إلى قمة الألفية، التي انعقدت بمقر الأمم المتحدة، سنة 2000، حيث قال جلالته: “…إن هذا الأفق الجديد للإنسانية ينبني أولا على مفهوم قوامه ” الأمن الإنساني الشامل” بمعنى أن لا يشهد أي مكان في أنحاء المعمور موت طفل من الجوع ولا انتشار وباء ولا حدوث توتر عرقي ولا اعتداء على امرأة بسبب الميز أو امتهانا لكرامتها ولا انتهاكا لحق التعبير ولا معاناة مهاجر لمحنة الإقصاء ولا حرمان إنسان من التربية ولا نزاعا حول مياه مشتركة ولا محنة يعانيها أناس من جراء عقوبة جائرة…”، وهو المفهوم الذي ذكر به جلالته في رسالته إلى المشاركين في القمة الإفريقية الثانية للشباب الرائد، التي انعقدت بإفران، بتاريخ 18 غشت 2005.
كما ورد مفهوم “الأمن الشامل” ضمن خطاب جلالته الموجه إلى المشاركين في “المؤتمر الدولي حول الديمقراطية والإرهاب والأمن” الذي انعقد بمدريد، بتاريخ 10 مارس 2005، وذلك بمناسبة حديثه عن مواجهة ظاهرة الإرهاب حيث قال جلالته: “…بالنظر إلى أن الإرهاب ظاهرة دولية بل وحرب عالمية جديدة، فإننا نعتبر أن مواجهتها رهينة بالتعاون الوثيق للمجتمع الدولي، وفق مقاربة تعتمد الأمن الشامل، بأبعاده الاستراتيجية والاقتصادية والتنموية والإنسانية…”.
وتحدث جلالته أيضا عن مفهوم “الأمن الفعلي”، الذي ربطه بالطمأنينة والاستقرار والتنمية والازدهار، حيث جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المسؤولين والأطر والموظفين بالمصالح الأمنية والإدارة الترابية، بتاريخ 4 مارس 2008، ما يلي: “…الأمن الفعلي ينطلق من انخراط المواطن في صيانته، باعتباره أساس الطمأنينة والاستقرار، والتنمية والازدهار…”.
وعلاقة بالمفاهيم الأمنية الواردة في الخطب والرسائل الملكية، نجد مفهوم “الأمن الحقيقي”، الذي يجعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وبهذا الخصوص قال جلالته في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في الدورة 31 لمجلس وزراء الداخلية العرب، التي انعقدت بمراكش، بتاريخ 12 مارس 2014، ما يلي:”…ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم الأمن الحقيقي، لا يقتصر فقط على معناه الضيق، بل إنه يقوم بالأساس على جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وذلك في إطار شراكة مجتمعية ناجعة وفاعلة، قوامها التكامل بين الدولة والمواطن، والاندماج الإيجابي بين متطلبات الأمن، ومستلزمات التنمية، وصيانة حقوق الإنسان…”.
أمن المغرب المملكة المغربية
فيما يتعلق بأمن المملكة المغربية، فقد وردت عدة توجيهات ملكية بهذا الخصوص، حيث اعتبر جلالته أن “أمن المغرب واجب وطني”، وأن “الأمن شأن المجتمع بأكمله”، وأن الأمن “أمانة عظمى في أعناقنا جميعا”. وفي هذا الإطار، ورد في خطاب العرش لسنة 2007، ما يلي:”…ونود الإشادة بروح المواطنـة المسؤولة، التي أبداها المواطنون والمواطنات. إيمانا منهم بأن الأمن شأن المجتمع بأكمله، واثقين أن الإرهاب المقيت، لن ينال من توجهنا، الذي لا رجعة فيه…”.
وفي نفس السياق، تحدث صاحب الجلالة، في الخطاب الموجه إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2015، عن الجهات الموكول لها الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، حيث جاء في الخطاب الملكي المذكور ما نصه:”…كما نؤكد أن الحفاظ على أمن واستقرار البلاد ليس من مهام الدولة ومؤسساتها فقط، وإنما هو أيضا من واجبات المواطن، في إطار التعاون والتنسيق مع الأجهزة المختصة…”.
ونفس الأمر أكد عليه جلالته في خطاب العرش لسنة 2016، حيث قال:”…فأمن المغرب واجب وطني، لا يقبل الاستثناء، ولا ينبغي أن يكون موضع صراعات فارغة، أو تهاون أو تساهل في أداء الواجب. وإنما يقتضي التنافس الإيجابي، في صيانة وحدة الوطن، وأمنه واستقراره.
فليس من العيب أن تكون الدولة قوية برجالها وأمنها، وأن يكون المغاربة جنودا مجندين للدفاع عن قضايا وطنهم…”، مؤكدا جلالته في نفس الخطاب على أن:”… صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، لا حد لها، لا في الزمان، ولا في المكان. وهي أمانة عظمى في أعناقنا جميعا…”.
تقاسم التجربة الأمنية المغربية دوليا
إن التجربة الأمنية المغربية الرائدة في محاربة جميع أنواع الجرائم، والتدخلات الاستباقية التي تتم بتنسيق تام بين جميع المصالح المعنية، لإجهاض كل ما من شأنه المس بسلامة المواطنين، وسلامة ممتلكاتهم، وتحقيقا للطمأنينة العامة، وإيمانا من صاحب الجلالة بالمستوى المتميز للتجربة الأمنية المغربية، فقد بادر جلالته إلى الدعوة إلى تقاسم هذه التجربة المتفردة مع الدول الشقيقة والصديقة، حيث جاء في الخطاب الملكي الموجه إلى قمة القادة حول مكافحة تنظيم “داعش” والتطرف العنيف، التي انعقدت بنيويورك يوم 29 شتنبر 2015، ما نصه: “…وإن المغرب حريص على تعزيز الشراكات التي تجمعه بعدد من الدول، في المجال الأمني، للتصدي لمختلف التهديدات الإرهابية…”.
وبخصوص رؤية جلالته لأمن واستقرار دول الخليج العربي، فقد أكد على أن أمن تلك الدول من أمن المغرب، وقد تضمن الخطاب الملكي الموجه إلى القمة المغربية الخليجية التي انعقدت بالرياض، بتاريخ 20 أبريل 2016، ما نصه: “…فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا، بل هو واحد لا يتجزأ. فالمغرب يعتبر دائما أمن واستقرار دول الخليج العربي، من أمن المغرب. ما يضركم يضرنا وما يمسنا يمسكم…”.
وفيما يتعلق بالدول الإفريقية، فقد أكد جلالة الملك في الرسالة الموجهة إلى القمة الاستثنائية لمجموعة دول الساحل والصحراء، التي انعقدت بنجامينا، بتاريخ 13 أبريل 2019، على استعداد المملكة المغربية لوضع تجربتها في مجال محاربة الإرهاب والتطرف العنيف رهن إشارة هذه الدول.
رجال الأمن
تميز خطاب العرش لسنة 2017، بتخصيص جلالة الملك لحيز منه للتأكيد على الدور المتميز والفعال الذي يلعبه رجال الأمن من أجل حماية الوطن والمواطنين، داخليا وخارجيا، مفحما أولئك العدميين، الذين يتحدثون عما يسمونه “المقاربة الأمنية”، مشيرا جلالته إلى أنه من واجب المغاربة الافتخار بأمنهم. وبهذا الخصوص تضمن الخطاب الملكي المشار إليه ما يلي: “…في حين أن رجال الأمن يقدمون تضحيات كبيرة، ويعملون ليلا ونهارا، وفي ظروف صعبة، من أجل القيام بواجبهم في حماية أمن الوطن واستقراره، داخليا وخارجيا، والسهر على راحة وطمأنينة المواطنين وسلامتهم.
ومن حق المغاربة، بل من واجبهم، أن يفتخروا بأمنهم، وهنا أقولها بدون تردد أو مركب نقص: إذا كان بعض العدميين لا يريدون الاعتراف بذلك، أو يرفضون قول الحقيقة، فهذا مشكل يخصهم وحدهم…”.
يلاحظ من خلال ما سبق، الحضور القوي للقضايا الأمنية في الخطب والرسائل الملكية، وانشغال جلالته بضرورة تحقيق الأمن والاستقرار، وحماية الوطن والمواطنين، وحماية ممتلكاتهم من عبث العابثين الذين انجروا إلى متاهات الإجرام، وهذا ما يفسر الوضع الرائد للمصالح الأمنية المغربية وطنيا ودوليا، حيث تحرص هذه المصالح كل الحرص على تنزيل التوجيهات الملكية السامية بشكل يستجيب لتطلعات جلالته، وتطلعات جميع مكونات الشعب المغربي، في تحقيق الأمن والطمأنينة، الأمر الذي سمح لهذه الأجهزة الأمنية من تحقيق نتائج باهرة، من خلال تدخلاتها الاستباقية لإحباط كل المحاولات التي من شأنها إلحاق الضرر بالوطن والمواطنين، وذلك في إطار الاحترام التام للمساطر القانونية ذات الصلة، الأمر مكن مسؤولي هذه الأجهزة من نيل إشادات وتكريمات من العديد من الدول.
إلا أنه رغم كل ما تحقق على المستوى الأمني بمفهومه المؤسساتي، إلا أن واقع الحال يفرض مزيدا من العمل من أجل تنزيل الرؤى الملكية المتعلقة بالأمن الشامل…الأمن بصيغ الجمع…كالأمن الروحي، والأمن الصحي، والأمن التعليمي، والأمن المجالي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الثقافي، وأمن التعبير عن الرأي، في إطار القوانين ذات الصلة، والأمن القضائي، والأمن الانتخابي، والأمن المعيشي اليومي، والأمن الأخلاقي، والأمن الضريبي، والأمن الإداري، وأمن التشغيل…وغيرها من صيغ الأمن، التي تنتهي بضمان أمن كرامة المواطن.
الأمن كالصحة تاج فوق رؤوس أصحابه و لا يحس بأهميته إلا من فقده
لهذا فإننا نرفع القبعة للمغرب الذي ينعم بهذا التاج الثمين و شكرا للسيد الكاتب المحترم على هذا المقال الذي يسلط الضوء على الريادة الأمنية المستحقة لبلدنا
إن ما ينعم به بلدنا من أمن و استقرار هو ثمرة جهود جبارة و استراتيجة حكيمة و يقظة مستمرة من أجهزتنا الأمنية تحت القيادة الرشيدة لملكنا الهمام, هذا الاستقرار هو العمود الفقري لازدهار المملكة كل التقدير و التحية لرجال الأمن الساهرين على سلامتنا
هناك من يروجون لفكرة أن الاستقرار المغربي هو نتاج ل “المقاربة الأمنية” فقط, مدعين بذلك قيام “دولة بوليسية” (Police State) و لكن الأمن في بلدنا يعتمد على مقاربات عدة كالمقاربة التنموية و المقاربة الفكرية و الدينية و المقاربة الحقوقية…
المغرب لا يكتفي بمحاربة الارهاب و الجريمة بل يعمل على بناء مجتمع محصن تنمويا و فكريا و قانونيا و هذا سر الريادة الحقيقية