مضيق جبل طارق أو ما بعد أزمة جزيرة ليلى

مضيق جبل طارق أو ما بعد أزمة جزيرة ليلى
الثلاثاء 24 ماي 2022 - 22:07

لقد استرعت انتباهي مقالة بجريدة الباييس الإسبانية في 7 أبريل الأخير تحت عنوان: “نصف قرن من العلاقات المغربية الإسبانية موسومة بخمس أزمات”[ Medio siglo de relación entre España y Marruecos marcado por cinco crisis] ؛ عدّد فيها كاتبها تلك الأزمات التي حصلت بعد وفاة فرانكو وإرساء الديمقراطية بإسبانيا في: المسيرة الخضراء, أزمة جزيرة ليلى, زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليليه المحتلتين سنة 2007, اعتراض الحرس المدني للقارب الملكي في 7 غشت 2014، واستقبال إسبانيا لرئيس الجمهورية الوهمية “بن بطوش”.

واعتبر الكاتب في مقالته أن المغرب فاز في جميع الأزمات المذكورة، باستثناء أزمة ليلى. وقد وددت من خلال سطوري هذه أن أبين أن المغرب، وخلافا لما ورد بالمقال المذكور، فاز في كافة الأزمات المذكورة؛ بما فيها أزمة جزيرة ليلى، باعتبار أن أطوار هذه الأخيرة وإن كانت جد محدودة من حيث الزمان فإن تداعياتها ما زالت مستمرة من جراء انبعاث وعي بالحفاظ على الأمن والسلام بمضيق جبل طارق.

مما لا شك فيه أن أزمة جزيرة ليلى كانت بمثابة انطلاقة لتحولات جيوسياسية جنوب القارة الأوروبية جعلت من المنطقة مختبرا مثاليا لدراسة العلوم السياسية والقانون الدولي بوجه عام وقواعد قانون البحار على وجه الخصوص؛ فقد أريد لهذه الصخرة غير المأهولة والتي لا تتعدى مساحتها 13 هكتارا ونصف الهكتار أن تتبوأ مكانة تخطت حجم مساحتها صباح يوم 18 يوليو 2002 حينما شنت عليها إسبانيا عملية عسكرية كبرى – تحت اسم روميو سيرا – بواسطة وحدات من قوات خاصة مدججة بأسلحة ثقيلة وطائرات وغواصات استهدفت ستة أفراد من القوات المساعدة المغربية عزل – بضم العين وفتح الزين – في تجاهل تام للدبلوماسية في معالجة الوضع بالرغم من وجود العديد من الاتفاقيات الثنائية, علما بأن إسبانيا لم يسبق لها أن مارست على الصخرة سيادتها[ ESPAÑA Y MARRUECOS EN EL ESTRECHO DE GIBRALTAR: EL STATU QUO DE PEREJIL Luis PÉREZ-PRAT DURBÁN]. واستنادا إلى السجل العقاري لمنطقة الحماية الإسبانية في المغرب[BOE 1949/1/24 – Juan Carlos Pereira (57p 2003)] , ناهيك عن غياب السند القانوني لإسبانية الصخرة خلافا للجانب المغربي الذي يتوفر على أرشيف عمومي وخاص على المنطقة؛ وهو ما أفرز واقعا جديدا على المنطقة ككل .

م تدم الأزمة طويلا, فسرعان ما انتهت بطريقة التي لم تكن تتوقعها أو ترغب فيها إسبانيا حينما أفرزت – الأزمة – واقعا جديدا تمثلت بعض مظاهره في:

1 – أن المغرب تعامل مع القرار المتسرع باستخدام القوة من قبل إسبانيا بهدوء وروية بحيث شكل مناسبة لإقناع المنتظم الدولي بكونه ضحية دولة مستعمرة تحن إلى حقبة عفا عليها الزمان من جهة وفي البدء غداة نهاية الأزمة في تقوية بنيته التحتية مع تركيز ملحوظ في الأقاليم الشمالية من قبيل ميناء طنجة المتوسط وشبكة الطرق السيارة وتحديث خط السكة الحديدية وغير ذلك من المنجزات من جهة أخرى، وكذا لإثارة موضوع سيادته على أقاليمه الشمالية المحتلة أمام المحافل الدولية[ Moira García de Frutos1 Radio Televisión Española.] وهو موضوع يقض إثارته مضجع إسبانيا.

2 – حرمت إسبانيا من تحقيق ما كان يرمي إليه مهندسو العملية العسكرية البليدة حينما فقدت ما كانت تعتبره سيادة فعلية على الصخرة؛ ذلك أن الاتفاق المغربي – الإسباني لسنة 2002 المبرم تحت رعاية كولين باول الذي أنهى الأزمة لم ينص على إعادة الأمور إلى سابق عهدها كما توخته إسبانيا، بل نص على انسحاب جميع القوات والموظفين سواء كانوا بزي رسمي أو غير رسمي مع تغييب كافة الرموز السيادية على الجزيرة La Vanguardia, 24 de julio de 2002 باعتبار أن رسالة كولين باول كانت تقضي بأن يعمل الجانبان على التحضير لمناقشات مستقبلية لتحسين العلاقات الثنائية بشروط فرضت على الطرفين المغربي والإسباني, وهي في الحقيقة انتكاسة إسبانية وبشهادة العديد من المنابر الإعلامية الإسبانية نفسها[ Remualdo Bermajo García, «Algunas cuestiones jurídicas en torno al islote del Perejil» en Análisis del Real Instituto Elcano, http://www.realinstitutoelcano.org/analisis/40.asp. Se observará que los argumentos ofrecidos por María Rosa Madariaga, en su artículo «El falso contencioso de la isla del Perejil», El País, 17 de julio de 2002 para defender la no españolidad de la isla o son inexactos.]

لقد حرم المغرب إسبانيا من تأكيد سيادتها على الصخرة أو على الأقل في التشكيك في سيادتها عليها، بعد أن كانت قبل الأزمة سيادة إسبانية قائمة من حيث الواقع كنتيجة لاتفاق سري محتمل بين المغفور له الحسن الثاني والجنرال فرانكو فيما اصطلح على تسميته بروح بارا خاص سنة 1963. فقد كانت النوايا المغربية تصب في كون الاجتماعات المقرر انعقادها نهاية الأزمة تسمح ببدء المفاوضات على الأقاليم الشمالية، وهو ما قوبل بالرفض من الجانب الإسباني؛ ما أدى إلى عدم انعقاد الاجتماع المشترك الذي كان مقررا في 23 شتنبر 2002.

3 – أن الأزمة أماطت اللثام عن واقع طالما تجاهلته إسبانيا ومن ورائها أوروبا، وهو أن مراقبة الحدود الجنوبية الخارجية على مضيق جبل طارق لها طبيعة خاصة تختلف جذريا عن تلك التي مع الجانب الأوروبي وأنها تحتاج إلى تصور مغاير للحدود الأخرى.

4 – أن الأحداث الراهنة التي تقع شرق أوروبا شبح الحروب المحتملة التي تتهدد أوروبا برهنت وبالملموس على أن لا بديل لإسبانيا عن التحالف مع المغرب والعكس صحيح في ظل استحالة إحياء المغرب العربي الكبير نتيجة إصرار حكام الجزائر على مواقفهم المعادية للمغرب، والتي تمثلت بمساندة الحكام الجزائريين للموقف عوض التضامن العربي طمعا في التحالف مع إسبانيا في مواجهة المغرب حينما اجتهدوا – إعرابا عن حسن نواياهم اتجاه إسبانيا غداة انتهاء الأزمة – في إعطاء دفعة قوية لبناء خط أنبوب الغاز الذي يربط بين وهران وليفانتي إسبانيول Levante español دون المرور بالتراب المغربي استعدادا لتهميش الخط الذي يمر عبر المغرب؛ إلا أن خططهم باءت بفشل ذريع أبان عن قصر شديد في النظر وعن أخطاء في الحسابات.

إن المتتبع الحريص للعلاقات المغربية الإسبانية سيلاحظ لا محالة أن أزمة جزيرة ليلى، وإن كانت فشلا ذريعا بالنسبة للأهداف التي توخاها الجانب الإسباني آنذاك فقد ساهمت في انبعاث صحوة ساهمت بقدر كبير في خلق تصور جديد ومواقف شجاعة ستسفر لا محالة في بناء مجتمع سلم وثقة ومصالح متبادلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بصفة عامة ومضيق جبل طارق بصفة خاصة؛ ذاك هو المكسب الذي يستحق الإشادة به.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • فريد
    الأربعاء 25 ماي 2022 - 05:29

    الخاسر الأكبر في أزمة جزيرة ليلى هي تلك السيدة،رحمها الله،التي كانت تستغلها مرعى لمعاعزها وبعد الواقعة منعت من ذلك.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة