مغارة فريواطو أسطورة عشق

مغارة فريواطو أسطورة عشق
الإثنين 17 فبراير 2025 - 00:55

بقدر ما هو عليه تراث المغرب المغاراتي/ الكهفي من تنوع وامتداد في الزمن والمكان، بقدر ما يحتويه من بصمات حياة ومشاهد وإحالات. ولعل كل جهة ومدينة هنا وهناك من العالم، ومنها مدن المغرب، تعتز بما لديها من تراث وما تتفرد به عبره من حضارة وماض وبيئة ومنظر. علما أن كل تراث عموما هو جزء من الثقافة/ الذاكرة، وعليه ما يقتضيه من عناية وحماية وحضن لكون فقدانه أمر لا يقدر بثمن، وعيا بأن الإنسان ومعه الطبيعة شهدا تطورات عديدة عبر الزمن لا يمكن تلمسها إلا عبر ما هناك من أثر شاهد بشري وطبيعي.

ولعل الكهوف والمغارات أشكال تضاريسية تعود إلى ملايين السنين، وقد نحتت بفعل عوامل تخص بنية المكان الجيولوجية ذاتها، حيث وجود طبقات بتركيب صخري معين مع سمك وشقوق فضلا عن قابلية ذوبان.

وفي هذا الإطار، فإن ما تتوفر عليه تازة الإقليم من كهوف ومغارات وبعدد كبير يجعلها تتصدر مناطق العالم ويسجل أن من أشهر كهوف المنطقة ومغاراتها نجد مغارة افريواطو ومغارة الشعرة ومغارة شيكر وغيرهما من كنوز تراثها الطبيعي.

وحسب ما هناك من تقارير لمهتمين استغواريين مغاربة وأجانب، تعد “فريواطو” أشهر مغارات تازة وإفريقيا، بل أكبر مغارة في العالم من حيث شكلها وفضائها وتركيبها الجيولوجي، فضلا عن مسالك باطنها ومدخلها وفوهتها. وقد تم حصر امتدادها ونهايتها في حدود 2800 متر، بل تم بلوغ نهاية امتدادها من قبل استغواري الجمعية المغربية للاستغوار بتازة. ومن هنا، فإن كل حديث عن عدم العثور على نقطة نهاية للمغارة أمر مجانب للصواب. وكل حديث عن قصص الإنسان القديم وتطور الحياة في علاقة بهذه المغارة أمر غير صحيح أيضا، لعدم وجود أية نقوش صخرية ولا بقايا أثرية تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، والتي يمكن أن تكون موضوع دراسة باحثين مختصين.

يذكر أن “فريواطو” اسم أمازيغي مركب يعني “كهف الريح”، نسبة لريح يأتي من فتحة المغارة. ويرتبط هذا الاسم بقصص وأساطير في مجملها خيالية لا تنطبق على واقع الأشياء والأحداث، اللهم ما تحمله من معانٍ بإحالات تروم نوعا من العلاقة بين هذه المغارة ومحيطها البشري والثقافي. وعن التسمية بعيون أسطورية، ما ورد في عمل ببعد سينمائي/ سيناريو لأحد أبناء تازة امحمد العلوي الباهي رحمه الله، والذي من جملة ما أشار إليه من باب الإثارة حول هذه المغارة في كتيب له بعنوان “إملشيل ويطو”، أن المغارة تحمل اسم فتاة تدعى “إيطو” وهو اسم ذو جذور أمازيغية، أن يطو هذه في الرواية المحلية هي ابنة أحد زعماء القبيلة بجبال الأطلس المتوسط، وأنها كانت راعية للغنم، وأنها أصيبت بمرض عضال ألزمها الفراش ولم تجد علاجا؛ لكن والدها علم من بعض حكماء القبيلة أنها لن تشفى إلا إذا تناولت عسلا مهجورا، وهكذا شاع الخبر بالمنطقة حتى بلغ نبأ الفتاة لشاب راعٍ للغنم – من ناحية إمليشيل، فقرر مساعدتها والبحث عن عسل مهجور إلى أن اهتدى إلى فوهة كبيرة تؤدي إلى “مغارة فريواطو”، فكان أول من اكتشفها ووسط اندهاشه وانبهاره وخوفه مما رأى أبى إلا أن يساعد الفتاة، فواصل بحثه حيث عثر على “العسل المهجور” وأقفل عائدا إلى القبيلة حيث أعطى إيطو كمية منه فشفيت. وأنبه إثر ما بذله لإنقاذ حياة يطو، نشأت قصة حب بينها وبينه وأحست أنها مدينة له بحياتها، فعلم الجميع بقصة حبها حيث منعها والدها من مغادرة البيت، وأمر بإلقاء ذلك الشاب من فوهة المغارة إلى أسفلها، وعندما سمعت إيطو بالخبر لم تتمالك نفسها ففرت من البيت وقررت بدورها إلقاء نفسها من فوهة المغارة فداء له. والأسطورة تقول إن هذين العشيقين لم يموتا وإنهما حاولا الخروج من المغارة دون التفكير في العودة إلى القبيلة. بالمشي في سراديبها المظلمة مستعملين شموعا من شهد النحل ليضيء طريقهما للخروج، وعند وصولهما إلى منطقة تدعى “إملشيل” بكيا كثيرا حتى تكونت من دموعهما بحيرة “إيسلي” و”تسليت” الشهيرة. هذا ما جاء في هذه الرواية التي لا تمت إلى الواقع بصلة. هكذا ما يعتقد حول أصل اسم فريواطو، وهذا ما يتقد من ربط بين اسم المغارة وبين هذه القصة الأسطورية، علما أن كلمة افريواطو مركبة من كلمتين أمازيغيتين ” إيفري” تعني المغارة أو الكهف و”واطو” تعني الريح.

مغارة افريواطو، الواقعة بجنوب إقليم تازة، واحدة من أقدم وأعمق المغارات المكتشفة بشمال إفريقيا، تقع بمنطقة جبلية تحديدا جماعة باب بودير، تم اكتشافها مطلع ثلاثينيات القرن الماضي تحديدا سنة 1931 من قبل استغواريين مهتمين فرنسيين كانوا مقيمين بتازة. مغارة تكوينات كلسية متفردة تشكلت عبر ملايين السنين، تضم أزيد من ثلاثمائة درج للوصول إلى أعماقها؛ مما يجعلها من أعمق المغارات في المغرب.

ولا شك في أن السكان المحليين بجوار المغارة كانوا على علم بها من خلال فوهتها في الأعلى والتي لم يكن يتم الاقتراب إليها خوفا من السقوط، قبل الاكتشاف العملي والتوثيق البحثي الاستكشافي الأولي للمغارة لاحقا من قبل الاستغواري الفرنسي نوربيرت كاستريت سنة 1934. مكتشف المغارة الحقيقي هذا قد يكون اكتشف ليس الفوهة من الأعلى التي بعرض حوالي 45 مترا، بل مدخلا صغيرا جانبيا سمح له بالدخول واكتشاف بنيتها ومشاهدها وتكويناتها، تحديدا ما هناك من صواعد ونوازل فضلا عن قاعات ومجاري مياه وكائنات وغيرها. مع أهمية الإشارة إلى أنه منذ هذا التاريخ تم وضع سلالم حديدية للنزول إلى عمق المغارة، قبل ما حصل من تهيئة خلال سبعينيات القرن الماضي، من خلال بناء أدراج إسمنتية ودعائم حديدية جانبية مع عارضات خشبية لتجاوز ممرات وبرك مائية.

هكذا كانت تازة ومحيطها وجهة لمغامرين واستكشافيين لمسالك باطن الأرض التي خلفتها أنشطة تفاعلات كميائية عبر ملايين السنين، وبفضل هؤلاء وغيرهم لاحقا إن خلال فترة الحماية أو بعد استقلال البلاد، ارتبطت المدينة وجوارها بأنشطة الاستغوار التي كانت منطلقها ومكان بداياتها بالمغرب، خلال العقود الأولى لفترة الحماية الفرنسية على البلاد، عبر إسهامات مستكشفين باحثين استغواريين اهتموا بالحياة الإحيائية وما هو مياه وكائنات حية وتكوينات ذات علاقة بعالم الأعماق. وعليه، يسجل أن الاستغوار المغربي ولد ونشأ بتازة، بحيث في سنة 1931 كان أول نزول لمغارة افريواطو ضمن مبادرات بكثير من الخطورة والمغامرة من خلال اعتماد حبال عادية فقط حسب إفادة الأرشيف؛ وهي المبادرة التي كان من ورائها خمسة استغواريين فرنسيين مقيمين بتازة، هم “biache” و”buskhowetsky” و”paille” و”groubé” ثم “laxi”.، هذا الأخير الذي كان رئيس الأشغال العمومية بتازة وعليه سميت إحدى أجمل قاعات مغارة افريواطو باسمه.

ويسجل أنه بعد عمل هذا الفريق الاستكشافي، جرت عمليات أخرى لاحقا صوب أعماق المغارة ابتداء من مطلع سنة 1934. سياق من المفيد فيه الإشارة بناء على ما هناك من أرشيف إلى أن “paille” ، الذي كان رئيسا لجمعية المبادرة بتازة، هو من نادى على”Norbert castret” وهو أحد الاستغواريين الفرنسيين الشهيرين آنذاك، من أجل رحلة استكشافية رفقة زوجته صوب المنطقة لمدة شهرا ونصف الشهر. وهي التي انتهت بتقرير له حول ما بلغه من استكشاف شمل حوالي أربعين مغارة بجبال الأطلس المتوسط، مركزا على مغارة شيكر المفتوحة على علو 1342 مترا، وكذا على مغارة افريواطو الذي جعلها موضوع بحث عندما بلغ أسفل مدخلها على عمق 146 مترا، وكان من جملة ما لاحظه وأشار إليه في تقريره وجود تيار ريحي بارد قادم من الأعماق.

ولعل مغارة افريواطو هذه التحفة الطبيعية، التي شكلت ولا تزال عنوانا حقيقيا لأنشطة الاستغوار بالمغرب، تتوفر على فوهة أو فتحة من الأعلى، بعرض يصل إلى حوالي خمسة وأربعين مترا، وعمق بحوالي مائة وستة وأربعين مترا. فوهة ظلت مفتوحة عبر آلاف السنين بعيدا عن أية تدخلات بشرية، وحتى مدخل المغارة الحالي ليس سوى فتحة طبيعية جانبية، تحقيق عبرها الولوج والنزول إلى عمق أول بعد المدخل. وهو الذي تعرف عند الباحثين والاستغواريين بالبئر الأولى أو البئر العظيمة في مغارة فريواطو. هذا دون أي اختراق لعمق المغارة، بحيث لم يتم تجاوز مسافة المائتي متر الأولى من المغارة ولأول مرة، سوى مع تجربة نوربيرت كاستريت الفرنسي عام 1934. وتعد مغارة افريواطو هذه المعلمة الطبيعية المتفردة الأهم والأجمل وطنيا وإفريقيا، فهي بتكوينات ومكونات وتشكيلات تجعلها بجمالية ذات طبيعة كونية، فضلا عن قيمة مضافة أحيائية علمية خاصة. علما أنها في الأصل عبارة عن مجرى مائي عميق وقديم يعود إلى ملايين السنين، ازداد هذا المجرى عمقا وانتقل إلى ما يعرف بمغارة شيكر المجاورة، ضمن سياق جيولوجي وتطوري ارتبط ببنية المجال ككل.

وحسب معطيات الجمعية المغربية للاستغوار التي تأسست منذ أزيد من عقدين من الزمن، والتي يعود إليها فضل أعمال تعريفية وتواصلية وإشعاعية واستكشافية، هناك باحثون ومستكشفون يجتهدون ليس فقط لمزيد من المعرفة العلمية الجيولوجية، حول هذا المركب المغاراتي الأوسع والأهم بالمغرب وإفريقيا والعالم؛ بل لبلوغ نقطة تلاقي باطني بين مغارتين جارتين غير متباعدين، هما افريواطو وشيكر. واللتان يتوقع أن يكون بينهما مسلك وخيط رابط من شأنه السماح بمزيد من البحث والولوجية، خاصة أنه عند وضع تقابل ومقارنة بين تصميم المغارتين يظهر أنهما متقاربتان جدا وأن الفرق بينهما يكمن فقط في العلو بين الأولى والثانية. وكانت المحاولات الأولى لتهيئة المغارتين، التي تعود إلى فترة الحماية الفرنسية على المغرب، قد شملت وضع سلالم حديدية لا تزال معالمها حاضرة إلى حد الآن خاصة بمغارة شيكر. أما التهيئة الثانية التي شملت مغارة افريواطو، فقد تمت خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث تم وضع سلسلة دروج من الإسمنت ودعائم حديدية جانبية وعارضات خشبية، سمحت بتجاوز ممرات وبرك مائية باطنية. وقبل حوالي العقد من الزمن، وفي بادرة أولى من نوعها تم إعداد تصميم تهيئة خاص بالمجال المحيط بمغارة افريواطو، تكلفت به الوكالة الحضرية لتازة عبر أطرها المتخصصة، بحيث أنجزت دراسات علمية ووثائق من طراز رفيع في هذا المجال، بقيمة إنمائية عالية في أفق تنمية المنطقة سياحيا وتفعيل ما هناك من موارد إيكولوجية، من أجل ما ينبغي من استثمارات وطنية وأجنبية.

هكذا يرتب الجنوب الجبلي لإقليم تازة، على مستوى منطقة باب بودير، عين خباب، رأس الماء، أدمام، صميعة، ازراردة… من بين أهم مواقع المغرب الطبيعية المؤهلة لممارسة رياضة الاستغوار. وهنا جدير بالإشارة إلى نقطتين أساسيتين، أولاهما كون عدد المغارات التي تم اكتشافها إلى حد الآن بهذا المجال بلغ حوالي ثلاثمائة مغارة، منها مائة وعشرون مغارة مصنفة ومرتبة منذ الفترة الاستعمارية، ومنها من هي بشهرة محلية ودولية كمغارة افريواطو وشيكر والشعرة ذات القيمة الاستغوارية العالية. والنقطة الثانية هي كون الفعل الجمعوي الاستغواري المحلي من خلال الجمعية المغربية للاستغوار لا يزال ورشه الاستكشافي مستمرا على صعيد المنطقة، وعيا بما هناك من تكوينات مغاراتية على مستوى القسم الشمالي من إقليم تازة، تحديدا منطقة تايناست ومنطقة كهف الغار ومنطقة الكًوزات… من أجل استكشافها وإبراز خصوصياتها، لتوسيع وعاء العرض المغارتي الداعم لرهان سياحة الإقليم الجبلية.

وتراهن الجمعية المغربية للاستغوار، من أجل أفق سياحي محلي، على ما هو وظيفي عملي وشراكات مع من يهمه الشأن؛ من قبيل وزارة السياحة وجهة فاس مكناس، وجماعات محلية، ومركز سينمائي مغربي، ودوائر تنمية ومؤسسات إعلامية وطنية ودولية وغيرها. وهذه الجمعية، بحكم حصيلة وتراكمات عملها الاستكشافي وفعلها الميداني لسنوات وسنوات، بقدر ما لديها من مقترحات بقدر ما تتوفر على وثائق رافعة لموارد الإقليم الاستغوارية؛ من قبيل صور نادرة وأشرطة أخذت داخل مغارات بأعماق متباينة ومسافات في باطن الأرض. تخص مشاهد ساحرة تعكس عظمة خالق وعظمة خلق، وهو ما يمكن عرضه ضمن لقاءات محلية وطنية ودولية؛ من قبيل تنظيم ملتقى دولي للاستغوار والاستغواريين بالمغرب، في أفق قراءات علمية للإمكانات المتوفرة في هذا المجال، وتدارس سبل التهيئة والاستثمار والتسويق والإشهار ضمن رؤية جهوية تشاركية. يذكر أنه، بعد سلسلة أعمال إعلامية مرئية أثارت ما أثارت من عناية واهتمام وتتبع وطني ودولي واسع خاصة منها برنامج مغارة وألف مغارة بالمغرب وبرنامج أمودو، تبلورت منذ فترة فكرة إحداث وكالة أسفار متخصصة في الاستغوار بتازة، علما أن إحداث هذه المنصة في أول تجربة لها بالمغرب بقدر ما هي عليه من أفق واستشراف وتطلع إيجابي قابل للتنفيذ بقدر ما من شأنها دعم ما هو منشود من ورش تازة السياحي الواعد.

(*) مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 16

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة