منتخب الوطن .. منتخب "الدوار"

منتخب الوطن .. منتخب "الدوار"
الأربعاء 14 دجنبر 2022 - 12:17

كأس العالم الحالي لم يكن فقط لحظة مفصلية في تاريخ كرة القدم العالمية، ولا مناسبة لإدخال الفرحة إلى قلوب ملايين الناس بانتصارات المنتخب الوطني المغربي، بل كان أيضا كاشفا لعاهة أصبحت تطل علينا، بمناسبة أو بدونها، لتنغص على الأغلبية “الطبيعية” كل لحظة بهجة ولو كانت قصيرة أو مسروقة.

لقد كان هذا العرس العالمي مثلا، مناسبة بالنسبة للبعض لافتعال سؤال لا ضرورة له، يتعلق بـ: من يمثل المنتخب المغربي في هذه المنافسة؟

هل يمثل الدولة المغربية حصريا؟ أم العالم العربي أم إفريقيا أم العالم الإسلامي؟ أم هؤلاء جميعا؟

والأعجب أكثر، أن هناك من أصر -بمناسبة الجواب على هذا السؤال- على أن المنتخب لا يمثل حتى المغاربة جميعا، فهو ليس منتخبا “وطنيا” بل هو فقط منتخب دوار هنا أو مدشر هناك..

مبدئيا لا يمكن أن يطرح هذا السؤال ولا أن يجيب عنه بالصيغة أعلاه، إلا بعض من “في قلوبهم مرض”، من الجاهلين بالتاريخ والجغرافيا بل وبحقائق الواقع.

فهم جاهلون بالتاريخ، لأنه لو أن يوسف بن تاشفين أو يعقوب المنصور ومن قبلهما ومن بعدهما، فكروا بمنطق “الدوار” أو “المدشر”، لما كان المغرب قد تحول -على مدى قرون- إلى أمبراطورية، وقوة دولية اقتصاديا وعسكريا وعلميا وثقافيا وفكريا.

وهم جاهلون بالجغرافيا، لأن لها حقائقها التي لا يمكن تخطيها أو تجاوزها أو إنكارها..

فالمغرب جزء لا يتجزأ من عدة دوائر متداخلة، إقليمية وقارية وعالمية، لا يمكنه التملص منها بتدوينة هنا أو تغريدة هناك.

وهم جاهلون بحقائق الواقع -أخيرا- لأن الرياضة عموما، وكرة القدم بوجه خاص، لم تعد منافسات بين أفراد وفرق ومنتخبات فقط، بل أصبحت لها جبهات “جانبية” ربما أكثر أهمية، بما أن هذه المناسبات الدولية -وكأس العالم الحالية خير دليل- أصبحت ساحة لمواجهة حضارية وثقافية وقيمية، بما لا يحتاج إلى كثرة شرح وتوضيح وتكرار لما صار معلوما.

فهل نستغل هذا “المعرض” أو “السوق” الدولي لانتزاع مكان في الصفوف المتقدمة كدولة عريقة ذات حضارة ضاربة في القدم، و”أمة عاشت أحقابا من حياتها تقود ولا تقاد، وتسود ولا تساد” على حد تعبير الدكتور عبد الهادي التازي، أم ننكفئ على أنفسنا ونفتت “الوطن” إلى دواوير ومداشر لإرضاء نرجسية مدمرة؟

إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر “زهد” البعض في حصاد المغرب لكثير من “الغنائم” الديبلوماسية -الباردة- لإنجازات المنتخب في مونديال قطر؟

أليس مفيدا استثمار حالة التعاطف الشعبي العربي الاستثنائي مع المغرب حتى في اليمن وسوريا بل والجزائر أيضا، التي تحاكم حاليا أمام قضائها العسكري عناصر من “قواتها الخاصة” بسبب احتفالهم بانتصارات منتخب “العدو” الأزلي؟

أليس من مصلحة المغرب تسليط الضوء على فرحة الفلسطينيين بهذه الإنجازات في غزة -حيث رفعت صور ملك المغرب- والضفة الغربية على حد سواء؟ بل كيف لا يتم الوقوف عند مشاهد تفريق جنود الاحتلال لجموع الفلسطينيين المحتفلين بالانتصار المغربي، برفع الأعلام المغربية في القدس؟ أليست هذه المشاهد أفضل رد على “الجار” الذي يطوف بقميص “التطبيع” لتأليب القبائل، ويسعى جاهدا لاحتكار “القضية” التي لم يقدم لها شيئا أصلا سوى الكلام والشعارات؟

ألا ينبغي تسجيل كيف أن البرلمان التركي أوقف جلسة مناقشة الميزانية لمتابعة مباراة البرتغال، وكيف احتفل بعض أعضائه بفوز المغرب؟

والاهتمام بتركيا لا ينبغي أن يكون مبرره ديبلوماسيا براغماتيا ولحظيا فقط بما أنها تحولت إلى لاعب إقليمي له وزنه، بل تاريخيا أيضا.

فقبل سنوات، نشر الراحل مولاي مصطفى العلوي معلومات لم يتم تكذيبها، عن أن آخر الخلفاء العثمانيين بعد إسقاط الخلافة، سلم لسلطان المغرب مولاي يوسف ما كان في خزائنه من متعلقات شخصية، تخص النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه رأى أنه الحاكم المسلم الوحيد الأحق يومها، بصيانة هذا الإرث العظيم الذي ما كان أتاتورك ليتوانى عن تدميره.

أما في إفريقيا، فهناك شبه إجماع على أن إنجازات المنتخب المغربي سيكون لها تأثير إيجابي جدا على قضيتنا الأولى، ليس أقله تأكيد عزلة النظام الجزائري، الذي منع إعلامه العمومي حتى من إعلان نتائج المباريات التي يكون منتخب المغرب طرفا فيها، لأنه ما زال يعيش بعقلية ما قبل الطفرة التواصلية وثورة المعلومات.

وبعد هذا، أليس من حقي التعجب من إصرار البعض على البحث عن تفاصيل “الحمض النووي” للاعبين اختاروا أصلا اللعب للمنتخب الوطني للمغربي وليس لفرق الأحياء والدواوير والمداشر؟

وهذا السؤال واجب، لأن من يقف خلف هذه الممارسات ليسوا فقط من “هجيج” مواقع التواصل و”الذباب” الأزرق، بل كثير منهم “نجوم” و”مؤثرون” يصنفون أنفسهم ضمن خانة “المفكرين المستنيرين”، لكن فكرهم واستنارتهم لا يتجاوزان حدود “الدوار” أو “المدشر”..

إن ما يبرر هذه الوقفة، هو أن هذا النوع من الخطاب التخريبي سيجد في لحظة ما “آذانا صاغية”، لأننا في زمن الشوفينية والشعبوية..

ومؤشر الخطر هنا، انه في الوقت الذي انخرطت فيه كثير من الشعوب في الفرحة التي صنعها المنتخب الوطني، وفي الوقت الذي تردد فيه اسم المغرب على ألسنة أكثر من ملياري إنسان من جنسيات وديانات وأعراق وشعوب مختلفة.. هناك من يرى أن هذه الفرحة ملك فقط لدوار أو مدشر هو نفسه قطع صلته به منذ زمن..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Hassan
    الأربعاء 14 دجنبر 2022 - 14:39

    تعريف الهوية . كمن يعود من سفر داخل المغرب و عندما تسأله عن غيابه يقول مبتهجا ” مشيت البلاد “

  • ناصر
    الأحد 18 دجنبر 2022 - 13:14

    نهمس في اذن المتضلع في التاريخ والجغرافية انه يفضل ان يكون فريقنا فريق ” دوار ” بدل ان يكون فريق ” خيمة وبرية ”

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة