الدولة العادلة والسيادة الهادئة

الدولة العادلة والسيادة الهادئة
الأربعاء 30 يوليوز 2025 - 18:57

الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، لا يمكن أن يدرج ضمن خطب المناسبات العابرة، ولا أن يقرأ بوصفه مجرد وقفة تأملية في سجل الحكم، بل جاء أشبه ما يكون ببيان استراتيجي، يعيد ترتيب أولويات الدولة داخليا في لحظة يتقاطع فيها الضغط الاجتماعي، والتحول المناخي، مع ما تشهده البيئة الإقليمية من اضطراب سياسي واقتصادي متسارع. فقد حرص الملك في هذا الخطاب على توجيه رسائل واضحة ومركبة، تخاطب المواطن، وتحمل المؤسسات مسؤولياتها، وتعيد تكييف الإيقاع التنموي وفق منطق الدولة القادرة على التخطيط، والمتطلعة إلى تعزيز استقرارها من الداخل.

لقد كان جليا في مضامين الخطاب أن المسألة التنموية لم تعد تطرح على شكل وعود فضفاضة أو شعارات ظرفية، بل باتت تقدم كخيار سياسي محوري يتقاطع فيه الاجتماعي بالجغرافي، والاقتصادي بالمؤسسي. فالحديث عن تقليص الفوارق المجالية بين السواحل والمناطق الداخلية لم يطرح هنا بوصفه هدفا مرحليا، بل كتصحيح لمسار طويل، وإعادة تأسيس لعدالة ترابية غابت عنها المساواة لعقود. هذا التحول في الخطاب لا يعبر عن تغير لغوي فقط، بل عن نقلة في تصور الدولة لوظيفتها: من التدبير الإداري إلى الفعل الاستراتيجي، ومن توزيع الموارد إلى إعادة تنظيم الخريطة الوطنية بمقاييس الإنصاف والاندماج.

ولعل ما يميز الخطاب هذه السنة هو تعامله الواعي مع المعطيات الرقمية. فقد تم عرض مؤشرات دقيقة كتحسن معدل النمو إلى 3.8٪، وانخفاض نسب الفقر المتعدد الأبعاد، وتقدم مؤشر التنمية البشرية، وكلها إشارات لا تراد بها الزينة اللفظية، بل تقدم كأساس للمساءلة، وشهادة على أن الدولة تتحرك ضمن مسار إصلاحي واضح، رغم التحديات. هذا الأسلوب في الخطاب لا يستهدف العاطفة، وإنما يحيل إلى منطق المشاركة: الدولة تعلن حصيلتها بوضوح، وتدعو المواطن، والمجتمع، والمؤسسات، إلى أن يكونوا شركاء في تثمين الإنجاز وتصويب المسار، لا متلقين سلبيين ينتظرون الحلول من أعلى.

ثم إن القراءة المتأنية للخطاب تكشف أن الملك لم يضع التنمية بمعزل عن الفعالية السياسية، بل ربطها بمسؤولية النخب والمؤسسات في تحويل الأرقام إلى أثر واقعي. فالحديث عن نسب البطالة، وعن مناصب الشغل المحدثة، لم يقدم على سبيل التباهي، بل كجزء من تقييم عام للأداء الوطني، ومساءلة ضمنية للأجهزة المنتخبة والإدارات الترابية التي لا تزال في كثير من الأحيان تشتغل بمنطق الجمود الإداري بدل المبادرة السياسية. الرسالة هنا واضحة: النمو لا يقاس فقط بالمعدلات، بل بمدى وصوله إلى المواطن، وجدواه في محيطه، وصدقيته في عين من ينتظر أثر الدولة في يومياته.

حين ألقى الملك محمد السادس خطابه بمناسبة عيد العرش يوم التاسع والعشرين من يوليوز، لم يكن ذلك استكمالا لطقس بروتوكولي متكرر، بل جاء الخطاب في لحظة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من التعقيد، ما يمنح كل عبارة فيه بعدا سياسيا ووزنا دقيقا في حسابات الدولة. لقد بدا واضحا أن العاهل المغربي أراد أن يثبت موقع بلاده في الخريطة المتغيرة للمنطقة، لا بوصفها دولة تبحث عن التموقع، بل باعتبارها طرفا يحسن إدارة توازنه الداخلي، ويعيد تعريف علاقاته الخارجية من منطلق السيادة لا التبعية، والمبادرة لا رد الفعل.

من أبرز الإشارات ذات الوزن الاستراتيجي في الخطاب، تلك المتعلقة بالعلاقات مع الجزائر. فرغم الجمود السياسي الذي يخيم على العلاقة بين البلدين، جاءت دعوة الملك إلى الحوار من موقع الهدوء والثقة، لا من موقع التراجع أو المجاملة. لقد قدم الخطاب مقاربة مغربية رصينة، تعيد التأكيد على أن استقرار شمال إفريقيا لا يتحقق بالانغلاق، وإنما ببناء قواعد مشتركة للتفاهم والتعاون. الرسالة كانت دقيقة: المغرب متمسك بثوابته، لكنه لا يغلق الباب أمام أفق مشترك، بشرط أن يكون قائما على الاحترام المتبادل وخدمة المصالح الإقليمية بعيدا عن منطق الاصطفاف الأيديولوجي.

الإشادة التي خص بها الخطاب مواقف دول مثل المملكة المتحدة والبرتغال، والتي دعمت مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، لم تطرح كعربون شكر دبلوماسي، بل كعنصر تأكيد على متانة الخيار الاستراتيجي المغربي. فالرباط، على امتداد السنوات الأخيرة، استطاعت أن تتحرك بدينامية عالية على الساحة الدولية، مع الحفاظ على استقلالية القرار، وتنويع دوائر التحالفات. هذا التوجه لا يعكس فقط نجاحا دبلوماسيا، بل يعبر عن انتقال المغرب من موقع المدافع عن قضاياه، إلى موقع المبادر بصياغة الحلول، والفاعل في توازنات المنطقة، بما يجعله شريكا موثوقا به لدى عدد من العواصم الكبرى.

إن الصيغة التي جاء بها الخطاب الملكي في مقاربة الشأن الخارجي كانت قائمة على توازن مدروس بين التأكيد على السيادة والانفتاح على الشراكة. لم يكن هناك تصعيد، ولا تراجع، بل تثبيت لموقع المغرب كقوة استقرار إقليمي، تدير ملفاتها الحيوية بمنطق الحوار الصلب، والدبلوماسية الهادئة، والتحرك المتزن. وهذا التوازن هو ما يعطي للموقف المغربي وزنه في بيئة مضطربة، ويرسخ صورة المملكة كطرف لا يبحث عن الدور فحسب، بل يجيد صناعته. من هنا، يمكن القول إن خطاب الملك لم يعبر عن موقف لحظة، بل عن استراتيجية دولة تراكم المكاسب، وتعيد صياغة حضورها بهدوء، وبمنطق السيادة الراسخة.

حين ينظر إلى خطاب العرش لهذه السنة نظرة تفصيل لا تعميم، يدرك المرء أنه ليس مجرد نص يقال في ذكرى سنوية، بل هو وثيقة توجيهية تحدد معالم مرحلة، وتعيد ضبط بوصلة الدولة في توازن دقيق بين الداخل والخارج. لقد بدا واضحا من بنية الخطاب أن الملك محمد السادس يتقدم خطوة جديدة في مشروع بناء الدولة الحديثة، انطلاقا من رؤية لا تفصل ما هو اجتماعي عن ما هو سيادي، ولا ما هو اقتصادي عن ما هو استراتيجي. وهذا النوع من الخطابات لا يلقى ليحتفى به إعلاميا، بل يبنى عليه سياسيا، بما يجعله أقرب إلى بيان وطني شامل يعيد صياغة العلاقة بين الحكم والمجتمع، وبين القرار السيادي والتخطيط المؤسساتي.

لقد أراد الملك، من خلال مضامين خطابه، أن يعيد ترتيب أولويات الحكم من داخل منطق التنمية لا من خارجه، فجعل العدالة المجالية حجر الزاوية في معادلة الاستقرار. لم يكن الحديث عن الفوارق الجغرافية والاجتماعية حديث مرافعة، ولا مجرد توصيف لوضع قائم، بل كان تقريرا سياسيا صريحا بمواطن الخلل، واستدعاء ضمنيا لكافة الفاعلين، من سلطات محلية، إلى مؤسسات منتخبة، إلى مجتمع مدني، لتحمل مسؤولية الإصلاح الميداني. وهنا يبرز بعد استراتيجي مهم: أن الدولة لم تعد تكتفي بالمبادرة من الأعلى، بل تسعى إلى تجنيد أدوات التنفيذ من الأسفل، بما يجعل التنمية فعلا مؤسساتيا جماعيا، لا سياسة مركزية معزولة.

لقد جاءت الإشارات إلى النمو الاقتصادي وتحسن مؤشرات التنمية بوصفها دلائل على صواب التوجهات العامة، لكنها أيضا مؤشرات مشروطة بالفعالية على الأرض. فالتقدم، كما قدمه الخطاب الملكي، ليس غاية رقمية، بل وسيلة لتحقيق التمكين الاجتماعي والكرامة الفردية، خاصة في البيئات التي طال تهميشها. وهنا يبرز الفارق بين دولة تكتفي بإعلان النتائج، ودولة تعتبر هذه النتائج حجة على نفسها قبل غيرها. إن الدولة المغربية، كما رسمها الخطاب، لا تريد أن تقاس فقط بما حققته، بل بما استطاعت تغييره في عمق المجتمع، وهذا هو جوهر التحول السياسي في منطق الحكم: أن تصبح التنمية مرآة للعدالة، لا مجرد انعكاس للثروة.

أما في بعده الخارجي، فقد واصل الخطاب تثبيت موقع المغرب كدولة قادرة على حماية مصالحها دون ضجيج، وعلى توسيع شبكة تحالفاتها دون تنازلات. فالدعوة إلى الحوار مع الجزائر لم تكن انعطافة ظرفية، بل استمرار لنهج اختاره المغرب بإرادة سيادية، يراكم فيه الرصيد السياسي لا بردود الأفعال. والإشادة بالدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي لم تأت في معرض المجاملة، بل في سياق ترسيخ شرعية الخيار المغربي، واستثمار التحولات الدولية لإعادة تشكيل معادلة النزاع بما يخدم أمن المغرب واستقراره. لقد حمل الخطاب، في هذا البعد، تصورا ناضجا للدبلوماسية الواقعية: لا قطيعة مع أحد، ولا ارتهان لأحد، بل موقع مستقل يبنى على أساس التوازن والحكمة والبعد الاستراتيجي طويل النفس.

– أستاذ زائر بالمدرسة العليا للتربية والتكوين جامعة ابن طفيل القنيطرة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان