رقعة احتجاجات الثانويات تتسع بفرنسا

رقعة احتجاجات الثانويات تتسع بفرنسا
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:41

دخلت احتجاجات تلاميذ الثانويات في فرنسا، الخميس، مرحلة أكثر توترا مع اتساع رقعة التحركات وانضمام طلبة جامعيين إليها، في وقت سجلت مواجهات وأعمال عنف بعدد من المدن، ما دفع الحكومة الفرنسية إلى تشديد لهجتها واتهام حزب “فرنسا الأبية” بالوقوف وراء تأجيج الحركة، فيما رد الحزب اليساري باتهام السلطة بـ”الوقوع في نظرية المؤامرة” والتنصل من مسؤوليتها عن تدهور أوضاع قطاع التعليم.

وأفادت السلطات الفرنسية بأن نحو 900 تحرك سجل أمام الثانويات، فيما شملت التعبئة مختلف أنحاء البلاد، وتجاوز عدد التوقيفات خلال يوم الخميس 1900 شخص، بينما تحدثت وزارة الداخلية عن إصابة أكثر من 300 من عناصر الشرطة والدرك.

ويطالب التلاميذ المحتجون بزيادة الموارد البشرية والمالية المخصصة للتعليم، ومعالجة مشكلة غياب الأساتذة وعدم تعويضهم، وتحسين أوضاع المؤسسات المتقادمة، إلى جانب تخفيف ضغط الجداول الدراسية، كما يوجه بعض المحتجين انتقادات إلى منصة “باركورسيب” الخاصة بالتوجيه نحو التعليم العالي.

وتحولت بعض التحركات، وفق مشاهدات صحافيي وكالة فرانس برس ومعطيات السلطات، إلى مواجهات مع قوات الأمن، تخللتها حرائق في حاويات للنفايات وتخريب لمحطات انتظار الحافلات واستعمال للألعاب النارية والغاز المسيل للدموع، كما تعرض مديرو مؤسسات تعليمية لاعتداءات في عدد من المدن.

وفي مرسيليا، تعرض أعضاء من إدارة ثانوية فيكتور هوغو لاعتداء، كما استهدف عناصر من فرق الإطفاء أثناء تدخلهم لإخماد حريق أمام ثانوية سانت إكزوبيري، فيما أعلنت السلطات أن نحو أربعين ثانوية في منطقة بوش دو رون ستعتمد الدراسة عن بعد الجمعة.

وسجلت حوادث أخرى في مناطق مختلفة، بينما أعلن وزير التربية الوطنية إدوار جيفراي إصابة 235 شخصا من الوسط التعليمي، بينهم 65 من العاملين و160 تلميذا.

الحكومة تتهم “فرنسا الأبية”

في خضم التصعيد، اعتبرت مصالح الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الحركة انتقلت، في نظر السلطة التنفيذية، إلى “أعمال عنف حضري”، متهمة حزب “فرنسا الأبية” وجهات مرتبطة باليسار الراديكالي بالمساهمة في تنظيمها.

وتحدثت مصالح الوزير الأول عن “مناورة منظمة من طرف فرنسا الأبية ووكلائها من اليسار المتطرف”، مضيفة أن هذه القراءة “تشترك فيها أجهزة الاستخبارات”، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن المعطيات التي استند إليها هذا التقدير.

ورد منسق “فرنسا الأبية” مانويل بومبار بالدعوة إلى عدم “السقوط في نظرية المؤامرة وفي التعامل مع التلاميذ كقاصرين”، معتبرا أن الحركة نشأت بصورة عفوية نتيجة استياء مرتبط بظروف التعليم والسياسات الحكومية.

وقال بومبار لوكالة فرانس برس إن “هذه الحركة العفوية ولدت من حالة استياء إزاء ظروف تعليمية غير لائقة إطلاقا، وهي نتيجة للسياسات الحكومية”، مضيفا أن “المسؤول الحقيقي يوجد في ماتينيون”، في إشارة إلى مقر الوزير الأول الفرنسي.

ودخل جان لوك ميلانشون، زعيم “فرنسا الأبية”، على خط السجال، مطالبا الحكومة بالكشف عن الجهة الاستخباراتية التي خلصت إلى وجود دور للحزب في تحريك الاحتجاجات، وقال أمام أنصاره: “أي جهاز استخبارات قال ذلك؟ نحن نطالب بتوضيحات”.

وسخر ميلانشون من الاتهامات الموجهة إلى حزبه، متسائلا عما إذا كان الأمر يتعلق بـ”أول حركة جماهيرية جرى استدعاؤها بالتخاطر”، مؤكدا أنه لم يصدر عن أي مسؤول في “فرنسا الأبية”، بحسب قوله، منشور أو خطاب أو نداء يدعو إلى إطلاق التحرك داخل الثانويات.

وأضاف زعيم الحزب أن اعتبار تلاميذ الثانويات لـ”فرنسا الأبية” حليفا لهم يشكل “شرفا” للحركة السياسية التي يقودها.

وكان الحزب قد أعلن منذ وقت مبكر دعمه لتحركات التلاميذ، كما توجه عدد من شخصياته، بينهم لويس بويار وعمدة سان دوني بالي باغايوكو، إلى لقاء المحتجين ميدانيا منذ الأسبوع الماضي.

ويؤكد “فرنسا الأبية” دعمه للاحتجاج غير العنيف، غير أن تصريحات أدلى بها باغايوكو أثارت جدلا بعدما اعتبر أن العنف “قد يكون مشروعا”، مع تأكيده ضرورة تجنبه، وهو ما استند إليه خصوم الحزب في اتهامه بتأجيج التوتر.

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى “فرنسا الأبية” على الحكومة، إذ دخل عدد من منافسي الحزب السياسيين على خط السجال قبل سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

واتهم غابرييل أتال، مرشح حزب النهضة، الحركة بـ”استخدام الشباب كوقود للمعركة”، فيما وصف إدوار فيليب، مرشح حزب “آفاق”، ما اعتبره استغلالا سياسيا للتلاميذ بأنه “أمر فاضح”، محذرا من أن الوضع يمكن أن ينزلق بسرعة.

كما حملت مارين لوبان جان لوك ميلانشون مسؤولية سياسية عن الوضع، مستندة إلى حضور نواب ومسؤولين من “فرنسا الأبية” أمام المؤسسات التعليمية، بينما دعا مرشح الجمهوريين برونو روتايو إلى دراسة إمكانية حظر الحزب، متهما إياه بالميل إلى العنف والدعوة إلى العصيان ومحاولة تنظيم التمرد.

في المقابل، ركزت شخصيات من اليسار على طريقة تعامل قوات الأمن مع المحتجين، إذ اعتبر أوليفييه فور، المرشح في الانتخابات التمهيدية للاشتراكيين الديمقراطيين، أن غضب التلاميذ والمشكلات التي يعانيها قطاع التربية الوطنية لن تعالج “بالهراوات وإطلاق قاذفات الكرات الدفاعية”.

وطالبت المرشحة البيئية مارين توندولييه بوقف ما وصفته بـ”القمع غير المتناسب”، في وقت فتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية ثلاثة تحقيقات بعد إصابة تلاميذ خلال عمليات أمنية رافقت إغلاق مؤسسات تعليمية.

الطلاب يلتحقون بالاحتجاجات

اتسعت رقعة التعبئة مع انضمام طلبة جامعيين إلى الحركة في عدد من المدن، من بينها رين، حيث شهدت مؤسسات للتعليم العالي عمليات إغلاق تضامنا مع تلاميذ الثانويات، بالتوازي مع رفع مطالب خاصة بالأوضاع الاجتماعية والدراسية للطلبة.

وفي معهد العلوم السياسية في رين، صوت الطلبة لصالح إغلاق المؤسسة، ورفعوا شعارات تربط بين التعامل الأمني مع تلاميذ الثانويات وبين مطالب تتعلق بالمساعدات الاجتماعية والتمويل الجامعي وإتاحة التعليم أمام مختلف الفئات.

وطالب عدد من الطلبة بإنهاء تجميد مساعدات السكن وزيادة الموارد المخصصة للتعليم العالي، كما دعوا إلى إنهاء التدابير التي تفرض رسوما دراسية أعلى على بعض الطلبة الأجانب القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي.

والتحق طلبة من كلية الحقوق في رين بتجمعات تلاميذ الثانويات، معتبرين أن مطالب الطرفين تلتقي حول ظروف الدراسة والموارد المخصصة للتعليم، فيما أفاد “الاتحاد الطلابي” بأن نحو ثلاثين حرما جامعيا كانت مغلقة صباح الخميس.

وتحدثت وزارة التعليم العالي الفرنسية عن نحو أربعين موقعا شهدت “بعض عمليات الإغلاق وبعض أعمال التخريب” خلال الخميس.

وفي رين أيضا، رفعت لافتات أمام المؤسسات التعليمية شعارات تعكس اعتراض التلاميذ على طول يومهم الدراسي، فيما قال بعض الطلبة الذين تحدثت إليهم وكالة فرانس برس إن مشاركتهم تستهدف دعم تلاميذ الثانويات، إلى جانب طرح مطالب ترتبط بأوضاع الجامعات والمساعدات الاجتماعية.

محاولات للتهدئة قبل 6 أكتوبر الجاري

بالتوازي مع التصعيد الأمني والسياسي، اتجه وزير التربية الوطنية إدوار جيفراي إلى فتح قناة مباشرة مع ممثلي التلاميذ، والتقى الخميس خمسة مندوبين منتخبين في مجلس الحياة المدرسية التابع لأكاديمية فرساي، بعدما طلب من مسؤولي الأكاديميات استقبال ممثلي التلاميذ خلال 48 ساعة.

وقال جيفراي إنه اختار لقاء ممثلي التلاميذ “لسماع كل ما يقال، وليس الضجيج فقط”، فيما طرح المشاركون أمامه قضايا تتعلق باكتظاظ الأقسام وطول الجداول الدراسية وعدم تعويض المدرسين الغائبين وظروف التعلم داخل المؤسسات.

وأثار منع استخدام الهواتف المحمولة في الثانويات منذ بداية الموسم الدراسي نقاشا خلال اللقاء، إذ اعتبر أحد التلاميذ أن القرار أدى دور “الزناد” الذي كشف استياء أوسع لدى التلاميذ من مشكلات التربية الوطنية.

ودافع الوزير عن القرار، مستندا إلى ما قال إنها معطيات علمية دولية تظهر تراجعا في قدرات التركيز والذاكرة لدى الجيل الحالي مرتبطا باستعمال الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي، فيما أقر بوجود تفاوتات ومشكلات داخل المنظومة التعليمية تحتاج إلى المعالجة.

ويرتقب أن يستقبل وزير التربية الوطنية، الجمعة، ممثلي نقابات التعليم والتنظيمات التلاميذية وجمعيات أولياء الأمور، إلى جانب المنتخبين في المجلس الوطني للحياة المدرسية، في محاولة لفتح نقاش مباشر حول المطالب التي رفعتها الحركة.

وطلب الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو من أعضاء حكومته التخلي عن تنقلاتهم خلال الأيام المقبلة، بهدف تمكين السلطات المحلية من التركيز على إدارة الاحتجاجات، بعدما كان قد وصف منذ الاثنين دعوات مسؤولين من “فرنسا الأبية” إلى توسيع إغلاق الثانويات بأنها “مزايدة غير مسؤولة”.

وفي الجانب القضائي، أعلن وزير العدل جيرالد دارمانان أنه عقد اجتماعا عبر تقنية الفيديو مع المدعين العامين الـ36، وطالبهم بـ”حزم كبير في الرد الجنائي” تجاه مرتكبي أعمال العنف.

وتزامنت الاحتجاجات مع تقديم الحكومة مشروع ميزانية 2027، الذي تضمن فرض رسوم تسجيل على الطلبة غير المستفيدين من منح دراسية في أقسام التقني العالي والأقسام التحضيرية، وهو التدبير الذي أثار اعتراضات من أحزاب اليسار وعدد من النقابات قبل أن يعلن وزير التربية الوطنية، مساء الخميس، سحبه.

وتستعد فرنسا لمحطة جديدة من التعبئة في السادس من أكتوبر، فيما تبقى مطالب تعويض الأساتذة الغائبين وتحسين حالة المؤسسات وتقليص الاكتظاظ وضغط الجداول الدراسية في صلب حركة بدأت من عدد من ثانويات الضواحي الباريسية قبل أن تمتد إلى مناطق واسعة من البلاد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • هاااني هولندا
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:37

    أعتقد أن فرنسا توجد خطأ في أوروبا. مكانها بين الدول الإفريقية، بين تونس و الجزائر أو الجزائر و تشاد مثلا.
    كاااانت فرنسا فيما مضى دولة متحضرة. الآن انزلقت إلى مصاف الدول المتخلفة. و فعلا هناك ثانويات من بقايا عصر النهضة، في عمرانها و ربما حتى في لون طلاء جدرانها الخارجية أما مرافقها الصحية فهي أم الكوارث. من حق التلاميذ أن ينتفضوا فقد طفح الكيل.

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:20 10

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 6

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"