من لجنة القدس إلى قوة الاستقرار .. خلفيات الانخراط المغربي في غزة

من لجنة القدس إلى قوة الاستقرار .. خلفيات الانخراط المغربي في غزة
صورة: و.م.ع
الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 20:00

يشكل توقيع المملكة المغربية على الإطار القانوني المؤطر لمختلف الجوانب التقنية والعملياتية لمشاركتها في قوة الاستقرار الدولية في غزة إعلانا من الرباط عن تحويل التزامها التاريخي، سياسيا ودبلوماسيا، إلى فعل عملي وحضور ميداني يجعل منها شريكة في حل قضية أصعب بقعة جغرافية على الأرض، واضعة نفسها في موقع المتقدم على بعض الدول والأنظمة التي ما زالت تراهن على الخطابات الرنانة والتنديدات المتكررة التي لم تغيّر شيئا في واقع الفلسطينيين.

رصيد مغربي وشرعية دولية

الاتفاق، الذي جرى توقيعه إثر زيارة وفد يقوده نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، اليوم الأربعاء إلى المغرب، وقبلها إرسال أطر مغربية إلى مقر قوة الاستقرار الدولية جنوبي إسرائيل في إطار مباحثات المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف إطلاق النار، إلى جانب تقديم المساهمات المالية لـ”مجلس السلام” كلها خطوات تستند إلى شرعية ذاتية راكمتها المملكة المغربية عبر عقود من العمل المتوازن والثابت في الملف الفلسطيني، بشهادة مسؤولين فلسطينيين أنفسهم.

ولا يمكن فهم حقيقة كون المغرب من أوائل المساهمين ماليا في مجلس السلام في غزة، وتوقيعه لأول إطار قانوني للمشاركة في قوة دعم الاستقرار، بمعزل عن الرصيد التراكمي الذي تملكه الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين وحدود الرابع من يونيو من عام 1967، وعن الجهود الإنسانية التي قادتها البلاد، تحت قيادة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، في زمن السلم والحرب، على غرار نجاحه في فتح ممرات إنسانية غير مسبوقة وتنسيق عمليات إغاثة استثنائية لفائدة المدنيين في غزة خلال الحرب الأخيرة.

وفي خضم النقاشات الدائرة حول التدخلات الدولية في مناطق الصراع، تستمد المشاركة المغربية في قوة الاستقرار في غزة قوتها من شرعية دولية واضحة وأطر قانونية تحكم نطاق هذه المشاركة وحدود مسؤوليتها، انطلاقا من التزام متعدد الأطراف بإنهاء حالة الحرب في المنطقة، وإيمان مغربي بأن الاستقرار الأمني شرط أساسي لأي حل سياسي، وأن غياب الأمن والتنظيم يقوض من فعالية الجهود الإنسانية والتنموية.

في هذا السياق، لا يمكن اختزال طبيعة هذه المشاركة المغربية في قالب “الاحتلال الجديد” أو ممارسة الوصاية على الفلسطينيين؛ ذلك أن هذا الطرح يصطدم بحقيقة ميدانية لا تقبل التأويل، فالمغرب لم يرسل كتيبة عسكرية إلى غزة بفرض إرادة سياسية معينة، بل أرسل خبراء لتدريب جهاز الشرطة الفلسطينية الجديد والمساهمة في عودة النازحين وتأمين عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار؛ وهو ما سبق أن أكده ناصر بوريطة، وزير الخارجية، الذي عبر عن تعهد الرباط بنشر قوات من أفراد الشرطة المغربية لتولي مهام تدريب القوات في غزة.

توازن دبلوماسي وبناء مؤسساتي

وبمثل هذه الخطوات، يؤكد المغرب أنه لم يذهب إلى غزة ليكون طرفا في صراع قائم أو داعما لطرف ضد آخر؛ بل ذهب ليكون في صف الحياة أولا، وفي صف الأمن والسلم الدوليين، عبر مساعدة الفلسطينيين في إعادة بناء المؤسسات لرفع مستوى الثقة بين المجتمع المحلي والجهات الدولية الفاعلة؛ ذلك أن ما يميز المقاربة المغربية في هذا الإطار هو وضعها للإنسان في قلب كل تحرك، والانتقال من فضاء الاصطفافات المتعبة إلى فضاء القيم الإنسانية الجامعة، ومن منطق المنافسة على أدوار سياسية أو على غنائم الحروب إلى منطق التنافس على إعادة بناء ما هدمته هذه الحروب، وإرساء سلام دائم يخدم مصالح الدول والشعوب.

إن ما يمنح هذا الانخراط المغربي غير العسكري المبكر في غزة زخما إضافيا هو السياق المؤسسي الذي ينطلق منه، والمتمثل في رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التي انبثقت عن “منظمة المؤتمر الإسلامي” عام 1975؛ فيما تشكل مواقفه الثابتة تجاه حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية البوصلة الاستراتيجية التي توجه كل الخطوات والمبادرات المغربية، وتؤطر دعوة الرباط الدائمة إلى تجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء السلام المستدام في الشرق الأوسط.

كما يستند هذا الانخراط إلى إرث طويل من التوازن الدبلوماسي والقدرة على التعامل مع جميع الأطراف؛ فالدبلوماسية المغربية، وبفضل سياستها المتوازنة وحضورها المتميز في المحافل الدولية، أعطت الرباط نقطة قوة استراتيجية للتوسط في أعقد النزاعات الإقليمية وتوفير أرضية خصبة للحوار. وتدرك المملكة أن الحل السياسي للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون ممكنا في ظل استمرار العنف، وأن الاستقرار وتضافر الجهود الدولية يشكلان شرطين أساسيين ومدخلين حتميين لأي حل مستقبلي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • خديجة
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 21:01

    غريب و لا معلق واحد على هذا المقال و كأنه لا يهمٌ أحدا

  • خطط ترمب
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 21:07

    خطة ترمب لن تفضي أبدا لأي سلام وإنما هي محاولة من المحاولات لحماية الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى وهي التي مهما كانت نية بعض البلدان مثلا بلدنا المغرب الذي يحب السلام والسلام الحقيقي في غزة وفلسطين بصفة عامة هو الإنسحاب الصهيوني من الأراضي الفلسطينية أما غير ذالك فهو وهم التحالف الصهيوامريكي لايسعى إلى أي سلام لأنه صانع الحروب ومتورط في قتل الأطفال والنساء والشيوخ في كل مكان في العالم العربي والإسلامي بالخصوص

  • محمد الله وليه
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 21:08

    القدس لن تسترجع إلا بالقوة اما السلام و الاستسلام لن ينفع و لن يجدي شيئا مع الصهاينة ، اسرائيل و صهاينتها الذين يحكمون في كل شيء اقول في كل شيء وفي كل حاكم لن يسلموكم اراضي الفلسطنيين كل هذه القوات و التوقيعات و المهاترات ما هي الا طريق لبسط أيديهم وهم محميون واقول من ضيع فلسطين هم الفلسطينيون. انفسهم لما وثقوا بالعرب و المسلمين اما الجهاد و المقاومة هو السبيل الوحيد و الاوحد لاسترجاع البلاد و على فلسطيني الشتات ان يعودوا إلى بلدهم بدل النوم في المخيمات و على العيش كشحاتين في بلد الغير هبوا الى بلدكم لتحريها اما انتظار العرب و المسلمين فهم محتلين اكثر منكم

  • **لكل أمةٍ أولوياتها... والمغرب أولًا**
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 21:17

    بصفتي مغربيًا أمازيغيًا، لا أرى نفسي معنيًا بكل القضايا التي تُطرح هنا، فلكل شعبٍ أولوياته وهمومه. وإذا لم يتفاعل المغاربة مع هذا المقال، فقد يكون ذلك دليلًا على وعيٍ متزايد، لا على اللامبالاة. الأولى أن نتحد حول قضايانا الحقيقية، ونعالج مشاكلنا بصدق ومسؤولية. فلنترك المجاملات والنفاق جانبًا، ولنقل الحقيقة كما هي دون تزييف. وحدة المغاربة تبدأ من الاهتمام بما ينفع المغرب وأهله، مع احترام الجميع دون أن نُفرض علينا أولويات غيرنا

  • عقا
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 21:23

    المقصود هو احتواء حماس ونزع سلاحها وتكريس الاحتلال ونتمنى أن يكون واتجد اامغاربة صمام امان للغزاويين

  • King
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 22:29

    من شاهد فيلم سيد الخواتيم the lord of the rings ،اخشى ان نكون بجانب الطرف الذي انهار في نهاية الفيلم، عندما انهار رأس الشيطان انهار وفر كل من ساند الشيطان.

  • SAID
    الخميس 16 يوليوز 2026 - 09:28

    لقد شكّل المسجد الأقصى، عبر التاريخ الإنساني، محطةً جامعةً للأنبياء والرسل، وملتقىً للرسالات السماوية، ورمزًا لوحدة الإيمان بالله. فهو الأرض التي ارتبطت بها مسيرة عدد كبير من أنبياء الله، ومنها انطلقت رسائل الهداية، حتى كانت رحلة الإسراء بالنبي محمد ﷺ تأكيدًا لمكانته الروحية العظيمة واستمرارية رسالة التوحيد.
    وإذا كان الهدف المشترك هو أن تبقى هذه الأرض فضاءً للسلام والتعايش بين الشعوب وأتباع الديانات السماوية، فإن ذلك يقتضي ترجمة المبادئ إلى مبادرات عملية تسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وخدمة الإنسان، بعيدًا عن منطق الصراع الدائم.
    وفي هذا السياق، يُعدّ توقيع مشاركة المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة تعبيرًا عن انتقال التزامها السياسي والدبلوماسي إلى مساهمة عملية على أرض الواقع. ويعكس هذا التوجه حرص المغرب على الإسهام في الجهود الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار وتخفيف معاناة المدنيين، بما ينسجم مع سياسته القائمة على العمل الميداني إلى جانب التحرك الدبلوماسي.
    ويبقى تحقيق سلام عادل ودائم، يضمن الأمن والكرامة لجميع الشعوب المعنية، مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتعاونًا دوليً

  • yassine 2
    الجمعة 17 يوليوز 2026 - 01:39

    أولا يجب على حماس أن تضع سلاحها لأنها تسببت في دمار غزة و تسليمها لإسرائيل و ضياع فرص كثير لفرض هيبة الفلسطينيين و مكانتهم الدولية

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00 1

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

صوت وصورة
خصاص المرافق بسلا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 17:06 1

خصاص المرافق بسلا

صوت وصورة
السفير اليمني والموقف المغربي
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 15:57

السفير اليمني والموقف المغربي

صوت وصورة
تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:00

تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية